الأحكام الشرعية في التعامل مع الأوبئة(1)

بلغ العدد الإجمالي للمتعافين من كورونا في تركيا 10 آلاف و453 شخصا

الله لم يُنزل القرآن ليكون كتابًا يتحدث فيه إلى الناس عن نظريات العلوم ودقائق الفنون وأنواع المعارف.وهي خاطئة؛ لأنها تعرّض القرآن للدوران مع مسائل العلوم في كل زمان ومكان.

الحديث عن الإعجاز العلمي في القران والسنة خطأه أكثر من صوابه وضره أقرب من نفعه، فليس معقولا أن يكون كل اكتشاف علمي حديث له من القران آية أو آيات أشارت إليه، وليس معقولا أن تكون الشعائر التعبدية فيها من الأسرار العلمية التي اكتشفها العلم مؤخرا، كالصلاة مثلا تعالج مرض الروماتيزم والعظام، والوضوء يقي من الفيروسات، والصوم يعمل على صحة الإنسان ولهؤلاء القوم أقوال وأعمال من دون ذلك هم لها عاملون.

هذا المنهج في الحقيقة لا يخدم الدين كما يظنون ولا يرسخ أمر العقيدة في النفوس، بل له آثاره السلبية في تفريغ العبادات من مضامينها ومعانيها وأسرارها ووظيفتها الأساسية في تقوى القلوب وتزكية النفوس، ويشوش على هداية القرآن في النفوس.

 وقد تعرض الإمام الشاطبي قديما في كتابه الموافقات باللائمة لمن يريدون أن يضيفوا للقرآن كل علوم الأولين والآخرين، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين والمتأخرين، من علوم الطبيعيات والتعاليم [كالهندسة وغيرها من الرياضيات] والمنطق وعلوم الحروف، وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها، مؤكدا عدم صحة هذا الطريق.

كما انتقد هذا المنهج أيضا في العصر الحديث العديد من العلماء، منهم الأمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت فقال عنهم: ” نظروا في القرآن فوجدوا الله سبحانه وتعالى يقول “مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ”، فتأولوها على نحو زيَّن لهم أن يفتحوا في القرآن فتحًا جديدًا، ففسروه على أساس من النظريات العلمية المستحدثة، وطبقوا آياته على ما وقعوا عليه من قواعد العلوم الكونية، وظنوا أنهم بذلك يخدمون القرآن، ويدعون له أبلغ دعاية في الأوساط العلمية والثقافية. نظروا في القرآن على هذا الأساس، فأفسد ذلك عليهم أمر علاقتهم بالقرآن، وأفضى بهم إلى صورة من التفكير لا تتفق مع الغرض الذي من أجله أنزله الله.

الشيخ  محمود  شلتوت فقال عنهم ” نظروا في القرآن فوجدوا الله سبحانه وتعالى يقول”مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ” فتأولوها على نحو زيَّن لهم أن يفتحوا في القرآن فتحًا جديدًا

هذه النظرة للقرآن خاطئة من غير شك؛ لأن الله لم يُنزل القرآن ليكون كتابًا يتحدث فيه إلى الناس عن نظريات العلوم ودقائق الفنون وأنواع المعارف؛ لأنها تعرّض القرآن للدوران مع مسائل العلوم في كل زمان ومكان، والعلوم لا تعرف الثبات ولا القرار ولا الرأي الأخير، فقد يصح اليوم في نظر العالم،ما يصبح غدًا من الخرافات.

فلو طبقنا القرآن على هذه المسائل العلمية المتقلبة، لعرضناه للتقلب معها، وتَحَمّل تبعات الخطأ فيها، ولأوقفنا أنفسنا بذلك موقفا حرجا في الدفاع عنه.

 إشكاليات التفسير العلمي لأحاديث الوباء  في  مواجهة جائحة وباء الكورونا
وما أن ظهر وانتشر فيروس الكورونا كوباء عالمي  سريع العدوى والانتشار، ونظرا لأنه فيروس جديد لم يعرف له علاج ولم يكتشف له مصل أو لقاح  بعد فلم يكن أمام العلماء إلا  المواجهة بالحجر الصحى  لحصار الوباء ومنع انتشاره.

وإذ بنا نجد بعضهم  يحدثنا  عن أن هذا الحجر الصحي أمر به النبي صلى الله عليه من قبل، فعن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الفار من الطاعون كالفار من الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف” (رواه أحمد).
 تلقفت  المدرسة الإعجازية  هذا الحديث  وطاروا به في الآفاق طربا وفرحا بما وصلوا إليه من الإعجاز في الحديث النبوى، وكتبت المقالات وألقيت المحاضرات عن الإعجاز العلمي في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم..

وهكذا انحرف  هؤلاء المولعون بالتفسير العلمي للآيات والأحاديث عن  فوائد الحديث التي كنا أحوج إليها، فالمفهوم  الصحيح من الحديث  هو وجوب الوقاية من الأمراض واتخاذ الوسائل الملائمة  لذلك حماية للنفس من الهلاك، فحفظ النفس من مقاصد الشريعة العامة وكانت الوسيلة الملائمة وقتها الحجر الصحي، فعند عدم وجود علاج  للوباء كما هو الحال اليوم  يبقى أهمية حصار المنطقة الموبوءة بمنع دخول وخروج أحد منها، وليس في الحديث سوي التوجيه لأهمية  الوقاية من الوباء ومنع انتشاره سواء تحقق ذلك بالحجر الصحي أم بغيره..

إذ ليس مجرد ورود هذه الوسيلة في الحديث يعني إضفاء القداسة عليها، وتكون معجزة نبوية  إذ إن تناول الحديث من ناحية  الإعجاز العلمي لهذه الوسيلة  يعني  قدسية هذه الوسيلة بعينها؛ لكن الغرض من الحديث  ليس هكذا بل هو وجوب الوقاية من الوباء وحفظ النفس من الهلاك والعمل على عدم انتشار الوباء في أماكن اخري. 
والحجر الصحي ليس سوى وسيلة ومن ثم ينبغي اتخاذ  أي وسيلة أخري يمكن أن يهتدي إليها العقل بما يتوفر لديه من معطيات علمية لم تكن موجودة وقت الحديث يمكن أن تتحقق  الغرض منها، إذ إن وسائل العلاج والوقاية من الأمراض والأوبئة هي اجتهاد  بشري من النبي يحكمه الواقع فيمكن أن يتغير  ولا يقف عند عصر النبي فليس فيه إعجاز علمى.

والسؤال ماذا لو اكتشف العلم الطبي الحديث وسيلة للوقاية من الوباء غير الحجر الصحي؟ هل نلزم الناس بعدم الدخول والخروج من بلادهم  عملا بالحديث؟ طبعا لا !!

ولم يقل بذلك أحد من أهل العلم  بل ينبغي اعتماد الوسائل الأخرى التي اهتدى إليها العلم، فلو كان هناك مصل أو لقاح مثلا  تم تطعيم الناس به  وأمن معه الإصابة بالوباء لم يعد لمنع الدخول  في البلد أو الخروج منها أي مبرر وأيضا في حالة عدم كفاية الحجر الصحي للوقاية وتتطلبت الوقاية من الوباء و سائل أخرى إضافة إلى الحجر الصحي في هذه الحالة يجب الأخذ بها .

ماذا لو اكتشف الطب الحديث وسيلة للوقاية من وباء كورونا غير الحجر الصحى؟ هل نلزم الناس بعدم الدخول والخروج  من بلادهم  عملا بالحديث النبوي!!

وهذه هي الإشكالية  لدى من نحوا بالحديث إلى دائرة الاعجاز العلمي، إذ شغلوا الناس عما ينفعهم  بما لاينفعهم، ومن القواعد الأصولية المعتبرة الانشغال بغير المطلوب عن المطلوب،فلم يفهم أحد من علماء الحديث أو الفقهاء السابقين  أن المقصود من الحديث  هذه الوسيلة  بعينها هي من تصلح  للوقاية من الأوبئة  لسر نبوي فيها، وأنما  فهموا أن الواجب على ولي الأمر وعلى الأفراد اتخاذ كل طرق الوقاية من الوباء  حسب مايصل إليه العلم والعقل، وتكون لكل وسائل الوقاية من الأوبئة التي يتوصل إليها العلم صفة الوجوب الشرعي،ويعد التهاون في  الالتزام بها معصية كبيرة مثل  الفرار من الزحف. 

كما وردت في الحديث ومن ثم اجتهد العلماء المسلمون في اكتشاف الأمصال واللقاحات ووسائل الوقاية الأخرى، ولذلك ينبغي سحب التوجيه النبوي  على كل الوسائل الوقائية  الحديثة سواء الحجر الصحي أو غيرها  التي تضعها السلطات المسؤولة  مثل: التباعد الاجتماعي، ولبس الكمامات عند الخروج  وتعقيم اليدين، وعدم التزاحم بالأسواق،  وغلق ما يؤدي إلى الزحام فيها ومنع التجمعات، بما في ذلك منع الجمع والجماعات  في المساجد  إلى غير ذلك من التدابير والإجراءات التي تتخذها الدول للوقاية من الوباء.

فكل تلك الوسائل ينسحب عليها التوجيه النبوي الشريف من وجوب الأخذ بها  والوعيد على مخالفتها بأنه سيكون معصية كبيرة مثل: معصية الفرار من الزحف، وهو عند الله عظيم؛ فطالما أن هذه الوسائل كانت بناء على دراسات  حقيقية من العلماء المختصين في أهمية العمل بها وأخذت بها السلطات الرسمية وألزمت بها الناس فيجب على أحاد الناس الالتزام بها.

  فالعمل برأي أهل الطب الثقات في الأحكام المتعلقة بالصحة والمرض هو المعيار المعمول به في  الفقه الإسلامي، والمتفق عليها لدى جميع الفقهاء، مثل الأعذار المبيحة للفطر  في رمضان بسبب المرض مداره على رأي الطبيب وعشرات بل مئات الأحكام الشرعية  التي  يتوقف إعطاء الوصف الشرعي للسلوك فيها على رأي الطبيب الثقة .

 

العمل برأي أهل الطب الثقات في الأحكام المتعلقة بالصحة والمرض، هو المعيار المعمول به  في الفقه الإسلامي والمتفق عليها لدى جميع الفقهاء .

وقد اشترط بعض الفقهاء إضافة  الإسلام إلى الطبيب الثقة فاشترطوا الطبيب المسلم الثقة، ومنهم من لم يشترط الإسلام، فيكفي أن يكون الطبيب ثقة حتى يعتد بقوله أيا كانت ديانته  وهو الراجح لدينا، يقول ابن تيمية  ” إذا كان اليهودي أو النصراني خبيرًا بالطب، ثقةً عند الإنسان جاز له أن يستطبه، كما يجوز أن يودعه المال وأن يعامله. وقد رُوِي أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أمر أن يستطب الحارث بن كَلْدَة – وكان كافرًا –)، ومن ثم ينبغي الأخذ في الاعتبار بأبحاث المؤسسات العلمية الدولية في هذا المجال.
لقد كان انشغالنا في توظيف الحديث في دائرة الإعجاز النبوي صارفا لنا  عما ينفع الناس وبما يجب عليهم  الالتزام به من التدابيرا الوقائية، لكن عدم إعطاء هذه الوسائل بعدها الشرعي المطلوب كلفنا الكثير،   بل للأسف وجدنا من العلماء  المحسوبين على الفقه وبدلا من بيان الحكم الشرعي لهذه التدابير يحرض عليها  مثل: التنمر من منع صلاة الجمعة والجماعات في المساجد، ولو أنهم فقهوا الحديث  لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا.

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان