وإن من القواعد المقررة بين الناس في هذا الكوكب الأرضي أن لا قوام للشريعة إلا بالملك ولا عز للملك إلا بالرجال ولا قوام للرجال إلا بالمال ولا سبيل إلي المال إلا بالعمارة .
“الظلم يؤذن بخراب العمران”، ما أصدق ما قاله الفيلسوف الاجتماعي ابن خلدون
كم من أيام تختلج في صدري هذه العبارة التي تجدر بأن تكتب بماء الذهب و الفضة و تسطر علي القلوب والأفئدة .
و كثيرا ما ترن هذه النغمة الخلدونية في الأسماع إبان أيام الحجر الصحي و خلال تفشي فيروس كورونا في أرجاء المعمورة كلها.
فماذا قال الإمام ابن خلدون :’’ أعلم أنّ العدوان على النّاس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها ، واكتسابها لما يرونه حينئذ من أنّ غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم، وإذا ذهبت آمالهم في إكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السّعي في ذلك‘‘.
فحاصل ما قاله أن الظلم والاعتداء على الناس بجميع معانيهما ومطالبهما قد يؤدي إلى البطالة والتقاعد عن الأعمال.
من القواعد المقررة بين الناس في هذا الكوكب الأرضي أن لا قوام للشريعة إلا بالملك ولا عز للملك إلا بالرجال ولا قوام للرجال إلا بالمال ولا سبيل إلي المال إلا بالعمارة ولا سبيل إلي العمارة إلا بالعدل ولا سبيل إلي العدل إلا بعدم الظلم
لأن العدوان السافر على الناس في أموالهم مثلا يميت آمالهم وطموحاتهم في اكتسابها وتحصيلها لما أنهم في نهاية المطاف يشاهدون الظالمين والجائرين يقرعون أبوابهم و يدقون أقفالهم انتهابا لأموالهم التي اكتسبوها و سلبا لممتلكاتهم التي اجتاحوها بجهود بليغة وبأعمال متعبة في لمحة البصر وفي طرفة أعين ، لايبالون بأي مبالاة ولا يحتفلون .
وإن من القواعد المقررة بين الناس في هذا الكوكب الأرضي أن لا قوام للشريعة إلا بالملك ولا عز للملك إلا بالرجال ولا قوام للرجال إلا بالمال ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة ولا سبيل إلى العمارة إلا بالعدل ولا سبيل إلى العدل إلا بعدم الظلم على الناس والاعتداء … فهذا فحوى كلامه وفذلكة أقواله عبرت عنها بإيجاز و اختصار .
حقا صدق الإمام وهو حقيق بأن يصدق ويقول الحق لأن الظلم عاقبته وخيمة و مصيره حسرة وندامة و إنه لخلق سيئ أثيم يفتك بالإنسانية فتكا ذريعا و يقضي على حياتها.
ولكن ما هو الظلم ؟وما حدوده و ما حقيقته وماهيته ؟ فقد اختلفت فيه أنظار العلماء و اللغويين فمن لغوي يحدد الظلم بمعنى والأخر يعبر عن معناه بلفظ أخر بيد أن مآل كل واحد غير مختلف .
فقال إبن منظور الإفريقي المتوفي 711هـ: الظلم هو وضع الشيء في غير محله يقال “من شابه أباه فما ظلم “أي فما وضع الشبه في غير موضعه ويقول رحمه الله أن أصل الظلم الجور ومجاوزة الحق .
وقيل أنه هو الميل عن القصد وقال الإمام اللغوي و المحدث الجهبذ المرتضي الزبيدي المتوفي 1205هـ: الظلم هو تصرف في ملك الغير ومجاوزة الحق.
وقال الراغب الأصفهاني المتوفي 502هـ: الظلم وضع الشيء في غير موضعه المختصّ به، إمّا بنقصان أو بزيادة، وإمّا بعدول عن وقته أو مكانه، ومن هذا يقال: ظَلَمْتُ السِّقَاءَ: إذا تناولته في غير وقته.
وإن مما يستلفت الأنظار أن ابن خلدون استطاع أن يصرف النظر عن معنى يسبق إليه الذهن إلى معنى أعم وأشمل ويحول نظرتهم من مصداقية الذي اشتهر أمره إلى مفهوم لم يشتهر أمره لئلا يظن الناس أن الظلم محدود،وحدوده في إطارخاص
فقال ابن خلدون ما نصه: ’’ ولا تحسبنّ الظّلم أنّما هو أخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوض، ولا سبب كما هو المشهور، بل الظّلم أعمّ من ذلك، وكلّ من أخذ ملك أحد أو غصبه في عمله أو طالبه بغير حقّ أو فرض عليه حقّا لم يفرضه الشّرع فقد ظلمه، فجباة الأموال بغير حقّها ظلمة والمعتدون عليها ظلمة والمنتهبون لها ظلمة والمانعون لحقوق النّاس ظلمة وخصّاب الأملاك على العموم ظلمة
ووبال ذلك كلّه عائد على الدّولة بخراب العمران الّذي هو مادّتها لإذهابه الأمال من أهله ‘‘ نعم هذا هو الظلم حقيقة لا أخذ المال من يد مالكه قسرا فحسب.
فعلي هذا لو انك بخست أحدا حقه فأنت ظالم، ولو انك ماقدرت مؤهلا حق قدره فأنت ظالم ولو آثرت أحدا على غيره بمحض العصبية الذميمة أو الحمية الجاهلية فأنت ظالم أو انك فيما يبدو رجل انتهازي تنتهز الفرصة لمصلحتك فتؤثرها دون مصالح الناس وحظوظهم و تحرمهم نصيبهم فأنت ظالم أو… أو … ما إلى ذلك
الظلم عاقبته الوخيمة ومصيره المحتوم : ومن الجدير بالذكر أن الأديان والمذاهب مهما اختلفت نظريتها و تباينت أصولها وشرائعها كلها قد اتفقت كلمتها على ذم الظلم و إنكاره
الظالم بظلمه و اعتدائه واستبداده واضطهاده لايضر نفسه بل العالم كله و إن أهات المظلوم وصرخاته لايستجاب بشأنه فقط بل إذا جاءت العذاب عمت فاتقوا دعوة المظلوم و أهاته
واتحدت وجهة النظر على الحرب ضد الظلم وشيوعه فلا تجد أحدا من الناس من لايدين الظلم و يستنكره و يشنعه و يستقبحه حتى إن الظالم نفسه ينكر عليه لقب ” الظالم ‘‘ وقد اشتهرت في هذا الصدد قصة الحجاج بن يوسف ذلك الظالم البغيض مع أحد من شعبه حيث إنه أطلق عليه بين يديه لقب القاسط فغضب حتى احمرت وجنتاه …
فالظالم بظلمه و اعتدائه واستبداده واضطهاده لايضر نفسه بل العالم كله و إن آهات المظلوم وصرخاته لايستجاب بشأنها فقط بل إذا جاء العذاب عمت فاتقوا دعوة المظلوم و آهاته
و اصرفوا عن المجتمع الإنساني الظلم والعدوان الظلم المستمر والأوضاع الحالية: ومن الواقع المؤلم أننا في العصر الراهن نعاني من مشكلات فيروس كرونا نتيجةالظلم المستمر، والعدوان المتواصل لأهل الظلم والجور على حد قول ابن خلدون و تفسيره.
و إن هذه الأزمات والحادثات لمن الله سبحانه عذابا لأولئك الظلمة ورحمة للمؤمنيين ليعذب من شاء ويرحم من شاء و إنه تعالى قد استجاب لنداء المظلوم واستغاثته و إنه قد استمع نداء الطفل السوري الذي قال ” سأخبر الله بكل شيء “
نعم يا ولدي قد وفيت بعهدك وصدقت وعدك و إنك قد أخبرت ربك .
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

