صيدا اللقاء.

جبل الزيتون، القدس
جبل الزيتون، القدس

لم يكنْ جوْفي في حالٍ يسمحُ لهُ بأنْ يُحررَ الهواءَ الذي حبَستْهُ شُهْقَتي، كانتْ تلكَ اللحظةُ بمثابةِ دهرٍ بأكمله، توقّف الزمنُ، توقفتِ الأصواتُ إلَا صوتَه، ولوهلةٍ رُدّ بصري على صورتِه كما عهدْتُه، شابٌ أسمرُ اللونِ، بلحيةٍ خفيفةٍ، شامخُ المنكِبيْنِ على فرسٍ مروَّضةٍ، بدأتُ بالأنين.

وأعلمُ أنَّ أنينيَ باتَ مسموعًا لحفيدتي الواقفة بجانبي، هي تعلمُ بالأمرِ، فسبقَ أنْ أخبرتُها بهِ، كونَها أقربَ أحفادي منّي، وأكثرَهم فضولاً حولَ ما مضى منْ حياتي، بلْ وأكثرُ الشَّاباتِ تعلُّقًا بماضي هذه البلادُ وأكثرهنَّ تشبّثًا بما وهبتْه البلادُ لنا.
دائمًا كنتُ أجيبُ عنْ تساؤلاتِها بشغفٍ، بلْ وأنتظرُ أنْ تبادرَ بالسؤالِ؛ لأجيبَ عليه، حفيدتي هذه تفكيرُها أكبرُ من عمرِها، وعقْلُها يُرَجّحُ المسبباتِ لكلِّ ما أفعلهُ، أذكرُ أسئلتها مذْ كانتْ طفلة، بلْ وأذكرُ تفاصيلَ الحديثَ الذي كانَ يدورُ بينَنا بعدَ كلِّ سؤالٍ.
عندما كانتْ في العاشرةِ، أتتْ إليّ تبكي بعدَ المدرسة، أجلستُها في حضني ولمْ أسألْها عنْ شيءٍ، وهذهِ إحدى عاداتِها التّي كانتْ تُثيرُ فضولي، فما إنْ كانتْ تغضبُ أو تبكي حتى تجيء إلى حضني مسرعةً، تُفرِغُ ما في جوفها من غضبٍ أو ضيقٍ عبرَ البكاءِ على صدري.

وما إن تنتهي من البكاءِ حتى تبادرُ في إخباري عمّا يؤرِقُها، عادةً ما أصابُ بالصداعِ لكثرةِ حديثها، ولكنَّني أجده أكثرَ صداعًا فيه راحةٌ لي ولها، وكالعادةِ بعدَ أنْ فرغَ مخزونها من الدموعِ يومها، سألتي:
= هل أبدو ككاذبةٍ بشكلي هذا؟
استغربتُ أمرَها وأخذتُ أمسحُ لآلِئَها وأجبتُ:

بالطبعِ لا..
لماذا يروْنَني كاذبةً في المدرسة؟
ضحكتُ وقلتُ:
 لمَ ذلكَ حبيبتي؟ ألستِ منْ أخبرني أنّكِ أنهيتِ الابتدائية في مدرسةِ قريتكِ؟ أيْ أنّكِ تُجيدينَ القراءة والكتابة.
صحيحٌ ذلكَ، ما علاقةُ الأمرِ ببكائك؟

رأيتُ صغيرتي تكبرُ أمامي، وبدأتْ أسئلتها تكبر، أذكر كلّما جلستُ أظفِّرُ لها شعرها الأسودَ العربيّ كنتُ أغنِّي لها أغنية “ليّا وليّا” _وهي أغنية من تراثنا الفلسطيني_، كانت تقفزُ ضاحكةً

بدأتْ تذرفُ دموعها بهدوء وهي تقول: أخبرتنا المعلمةُ أنّ جميعَ أجدادنَا أُميين لا علاقةَ لهم بالقلمِ والورقة وخاصةً سُكانُ القرى، وعندما أخبرتُها بأنَّكِ تُجيدينَ القراءة، نهرتْني وقالت: “لا داعي لشعاراتِ العائلة المثقفة، وكلامي أصدقُ منكِ.”، لقد أهانتني يا جدّتي.
قلتُ لها على لسانِ قلبي الذي كادَ ينفطرُ: آه  يا صغيرتي لو تعلمينَ أنّها محقةٌ في كلامهَا، وأنّ الفتيات ظُلمنَ في هذا الجانب، إلّا قلةٌ منهنَّ، والتي كانتْ تتمثلُ في ابنةِ المختارِ وصديقاتها من بناتِ سادةِ القرية، وآهٍ لو تعلمينَ أنّ وجودي كابنةِ المختارِ وتعليمي وقتَها كانا أكثرَ ما أشقيانِي، بلْ وأصابَا قلبي في مقتل.
استغرَبتْ آهاتي وقتها ونظرتْ لي بنظرةٍ يشوبُها أسئلةٌ لا نهايةَ لها، ولكنَّني صحوتُ من غفلةِ قلبي وأغلقتُ الموضوع وتركتُه معلقًا كما قلبي.
رأيتُ صغيرتي تكبرُ أمامي، وبدأتْ أسئلتها تكبر، أذكر كلّما جلستُ أظفِّرُ لها شعرها الأسودَ العربيّ كنتُ أغنِّي لها أغنية “ليّا وليّا” _وهي أغنية من تراثنا الفلسطيني_، كانت تقفزُ ضاحكةً، وما إنْ أنتهي منها، حتى تبدأ عباراتها المتذمِّرة: “جدَّتي أعيدي غناءها، جدَّتي غيّريها أصبحتُ أحفظها عن ظهرِ قلب، جدّتي هل عجزتِ عنْ حفظِ غيرها، …..”، كنتُ أضغطُ على دموعي بابتسامةٍ أُظهرُها لها وأتكتَّمُ على الإجابة، كنتُ أعلمُ أنّني سأجيبها يومًا ما، عادتي تلكَ لا أخفيها شيئًا، ولكنَّني أنتظرُ الوقتَ الذي يسمحُ النبضُ بذلك.
وأجبتُها، كانتْ يومها في الثانوية وكانَ قلبي منفطرًا من التفكيرِ، ومع ذلك أخذتُ أظفَّرُ شعرها، وأغنّي بصوتٍ مهزوزٍ تغصُّه عَبَراتي:
“ليّا وليّا يا بنية،    يا واردة ع المية
أمك وأبوكِ قالولي، بدهم يعطوكِ لِيّا
يوم السبت والجمعة، كانوا معايا السبعة
محلا الكعدة ع النبعة، في أيام الصيفية
سالم مَرَك من جنبي، ذنبك ما هُوِّ ذنبي
بطلب من الله ربي، رُد الوليف عليّا”

فقاطعتني بهدوئِها التي باتت تكتسبه من نُضجِها والذي تُطلِقُه عندَ الأمورِ الجدّيّة:
كيفَ كانَ شكله؟
ابتلعتُ غصّتي ونظرتُ لها بتساؤلٍ، فقالتْ:
جدّي سالم، أخبريني عنه.
تنهدتُ وعرفتُ أنّ الحكايةَ التي أحبُّ الاحتفاظ بها لذاتي لكيلا تفقدَ رونقها، سأكشفها الآن.
كنتُ في الرابعةَ عشر من عمري عندما قابلتُه، كنتُ عائدةً من المدرسةِ، فكوْنِي فتاةٌ رسمَ لها القدرُ أنْ تكونَ ابنة مختارِ القرية، أي أنّ ما يقاربُ الثمانين بالمائة مما حُرِّمَ على فتياتِ القريةِ قد كانَ مستباحًا لها، فقد مارستُ حقيَ في التعليم، وكنتُ أذهبُ إلى مدرسةٍ حيفا الحكومية للفئة الإعدادية في حيفا، كونَها أقربُ مدينةٍ على قريتي قرية عين غزال، أمَّا الطريقُ المرسوم بين المدرسة والبيت، كانت جوانبه مزارعُ القريةِ وأهلها، هناكَ رأيته، بينَ أشجارِ الزيتون، وأكثرُ ما جعلَ ابتسامتي تزدادُ وأنا أتأمله وقتَها، هو غمازتاه اللتان أورثهما لوالدكِ، كانَ قد أظهرهما وهو يغني مع أبناء عمومته أثناء قطفِ الزيتون:
“على دلعونا وعلى دلعونا
زيتون بلادي أطيب ما يكونا
زيتون بلادي واللوز الأخضر
والميرمية ولا تنسى الزعتر
وأقراص العجة لما تتحمر
ما أطيب طعمتها بزيت الزيتونا”
كانت هذه عادةُ الفلاحينَ عندَ قطفِ الزيتون، واستمرت السيارةُ _التي كانت تُعتبر نادرةٌ في عصرها_ في المسير إلى البيت إلى أنْ انقطع صوتُ الغناءِ، وما انقطعتْ صورتُه من قلبي بتاتًا، بتُّ أعشقُ طريق المدرسة، الذي يُيّسِّرُ لي رؤيته في ذاكَ الحصادِ بتلكَ الطلَّةِ.
وانتهى موسمُ الزيتون، ولم أعُدْ أراه، كانَ قلبي ينفطرُ يومًا بعدَ يومٍ لعدمِ رؤيته، حتى قررتُ المجازفةَ بالخروجِ من البيتِ بحثًا عنه، وكنتُ أعلمُ أنّها إمَّا ستكونُ نهايتي إنْ علمَ والدي بالأمر، أو أجدُه فألقي تعويذتي عليه فيبادلني الشعور.
ووجدتُه، شعرتُ بقلبي يصارعُ خلجاتِ صدري للخروجِ والتحليقِ إلى أنْ يحطَّ على قلبه، كانَ جالسًا في آخرِ القريةِ تحتَ شجرةِ زيتونٍ رابطًا فرسهُ بغصنٍ خارجٍ منها، لم يكنْ يراني، فبادرتُ، وقلتُ بتردد:
مرحبا
التفتَ إليّ مستغربًا، من أنا؟، أو حتى كيفَ لفتاة في مثلِ عمري الخروجُ وحدها في حقول الزيتون؟، قلتُ مباشرةً:
أنا أمينة عثمان، ابنة مختار القرية.
وما إنْ أخبرتُه هُويَّتي حتى انتفضَ واقفًا وقال:
يا إلهي، أيّ داهيةٍ ألقتْ بكِ عليَّ هُنا، ارجعي يا فتاة قبلَ أنْ يكتشفوا غيابكَ، والمصيبةُ أنْ يراكِ أحدٌ واقفةً معي.
مهلاً مهلاً، ما أدراكَ؟ قد أكونُ قادمةً لمناداتِك لوالدي.
ابتسمَ بسخريةٍ:
ماذا حدث، هلْ ماتَ العبدُ المأمورِ عندَ والدِكَ لتأتي أنتِ لمناداتي بدلاً عنه؟ ثمّ لو كنتِ محوتِ ابتسامتكَ عندَ قولِكِ “مرحبا” لوضعتُ ذلكَ في الحسبان، ولكنْ أيّ خبرٍ يأتي من المختار يجعلنا نبتسم؟
هل أعتبرُ تحليلكَ هذا ذكاءً منكَ أم غباءً مني؟ ثمّ لاحظْ أنتَ تتكلمُ عن والدي.
ابتسمَ بتروٍّ فبانتْ غمازتاه وفُتنتْ به، وقال:
حسنًا، ماذا تريدين؟
الحديث معك.
أيّ داهيةٍ أنتِ؟ ما شأنكِ بي؟ ثمّ أقسمُ لو رأى أحدٌ وقوفنا سويًّا ستَنصبُ القريةُ خيامَ عزائنا الليلة.
لستُ داهية، أما شأني بكَ هو هذا القلبُ الذي يخفقُ لأجلكَ مذ لاحَ طيفكَ أمامه.
هل هذا ما يُعلِّمونهُ لكم في المدارسِ؟
لا تتقمص شخصيةَ الحكيمِ يا سالم، أحببتُكَ كما أنت.
مهلاً، كيفَ عرفتِ اسمي؟ وأيُّ حبٍّ هذا الذي تهذينَ به؟
هل تمزحُ معي؟، كلُّ القريةِ تتغنى بكَ وبشهامتِكَ.
هل أعتبرهُ إطراءً حسنًا منكِ؟
هل لانَ الحديثُ بيننا، وقبلتَ قلبي؟
قال وهو يفكُ لجام الفرس من الغصن:
هلْ أنتِ مجنونة؟
لمَ الشتائمُ الآن؟
أيُّ طريقٍ هذا الذي سيجمعنا يا بنت المختار، لا تذكري هذا الهراء أمامَ أحدٍ، فأكون الضحيةَ هنا.
وانطلق بفرسهِ إلى داخل القريةِ، وتركني لا معالمَ تشوبُني، فقلتُ في داخلي:
هي البداية يا ابن القرية.
ولمْ أيأسْ، بل كنتُ أستغلُّ خروجَ والدي لاجتماعِ سادة القرية الذي يُدارُ كلَّ خميسٍ بعدَ صلاةِ العصرِ، فأذهبُ إلى ذاتِ المكان، فأجده جالسًا لا يُبدي الاهتمامَ لقدومي، أعلمُ أنّه كانَ يترفعُ عنِ الاشتياقِ، وأعلمُ أنّه باتَ ينتظرُ قدومي متلهّفًا لرؤيتي، ولكنّه كبرياء الرجلِ الذي سيُبيدهم إنْ استمروا فيه.
في إحدى المرات ذهبتُ لأجده كما عهدتُه، فقررتُ أنْ أجتثُّ الاعترافَ منه، فلمْ أكملُ مسيري إليه، ورجعتُ إلى طريقِ القريةِ، متَّخذةً مبدأ: “ستترفعُ، سأبتعدُ”، واستمررتُ على حالي أسبوعين، وفي الأسبوعِ الثالث، قررتُ الإعفاءَ عنه، فذهبتُ راسمةً ملامح جامدةً على وجهي، فما إنْ لمحَ طيفي حتى أسرعَ في القدومِ إليَّ وأمسكَ يدي وأسرعَ بي إلى مكاننا فما إنْ وصلنا، حتى بادرَ في السؤال:
أينَ كنتِ تلكَ المدةِ؟، هلْ بكِ مكروه؟
ثمَّ سكتَ قليلاً وسألَ بترددٍ:
هل تركتِني؟
وإنْ فعلْتُ؟
أمينة أرجوكِ ليسَ بعدَ أنْ قررَ قلبي العصيانَ على الواقعِ والتشبُّثِ بكِ
ستةُ أشهرٍ أترددُ هنا، ولمْ أجدْ بادرةَ خيرٍ يا سالم، هل سأنتظركَ إلى أنْ أشيخَ؟
أقسمُ إنِّي أحبُكِ، سأواجهَ الجميعَ بطلبكِ للزواجِ، أرجوكِ ليسَ بعدَ هذا كلِّه تأتينَ ملقيةً سعيركَ هذا عليّ.
قفزتُ ضاحكة:
يا إلهي لو كنتُ أعلمُ لغبتُ أسبوعينِ عنكَ من أولِ شهرٍ صادفتكَ به، ها قد أخذتُ الاعتراف يا ابنَ القريةِ وأخيرًا.
ركضتُ مسرعةً إلى القريةِ وقلتُ مواجهةً ملامحهُ المذهولة:
خلال هذا الأسبوع أريدُ أنْ تَلُجَّ القريةُ بزواجنا.
ورحلتُ ولم أترك له فرصةً للردِّ على ما قلتُ، وهنا بدأ الجحيم، عارضَ الجميعُ زواجنا، كونَني ابنةَ المختارِ، وهو ابن عائلة بسيطةٍ في القرية، بلْ ما أنْ تفوّه سالمٌ بأمرِ الزواجِ مع والدي، حتى أوشكَ والدي على إقامةِ الحدِّ عليه، وسجنتُ في البيتِ ما أن وافقتُ على سالم، فأعلنتُ العصيانَ وأخبرتهم بأنّه زواجي بهِ أو مقتلي أمامَ ناظريكم، كانَ والدي يعلمُ تهوّري وأنَّني قد أفعلها، فقال:
لستِ معتادةً على عيشهم.
سأعتاد.
واستمررتُ معه بالمشادّاتِ الكلامية، حتى قال:
إنْ جئتِ تشكينَ سوءَ وضعكِ فلنْ أستقبلكِ في هذا المنزل.
موافقة.
وتزوّجنا، وانتقلتُ معه إلى حيفا، وبالتدريجِ انقطع أهلي عنِّي، فكيفَ للمختارِ أنْ يدخلَ بيتَ مواطنٍ عنده حتى لو كانَ زوجَ ابنته، وأكملتُ تعليمي في مدارسِ حيفا الثانوية، وأنجبتُ آنذاك والدكِ وعمّكِ.
وانشطرَ قلبي لنصفين عند أعتابِ النكبةِ عام 1948م، نصفٌ فقدتُه، ونصفٌ استمرَّ في مصارعة الحياةِ، ماذا أخبركِ يا حبيبتي؟
أخذتُ أبكي وأخذتْ حفيدتي تمسحُ دموعي وقتها، وقالتْ:
آسفة جدّتي، آسفةٌ لفضولي الذي أوجعكِ.
أجلستُها وأخذتُ أمسحُ على شعرها، وقلتْ:
هل تريدينَ معرفةَ ما حدثَ بعدها؟
لا داعي له إنْ كانَ سيؤلمكِ.
كانت مشاهدُ أصابتنا بذهولٍ صاحبنا إلى عمرنا هذا، دخل جنود الاحتلال، ألقوا شرّهم وأظهروا جرافاتهم، وبنادقهم، أصبحَ الموتُ يطاردُنا من كل جانب، تركنا متاعَنا، وبيوتنا، ولُذنا بالفرارِ بأرواحنا، أخذتُ أبوكِ وعمكِ وأصبحتُ أجري بلا وعيٍ إلى المجهول، بحثتُ عن سالمٍ في طريقي، لمْ أتركْ أحدًا إلا وسألتُه: “هل رأيتَ سالمًا؟”، وعندما وصلنا إلى شاطئ حيفا، لم يكن جدّكِ موجودًا، قررتُ المخاطرةَ بروحي والرجوع للبحثِ عنه، فلا حياةَ لي بدونه، ولكنّ جمعَ الناسِ رفضوا وأخذوا يسحبونني أنا وأولادي إلى السفنِ التي وضعتها بريطانيا أمامنا لتسهيلِ رحيلنا إلى جنوب لبنان.
ورحلتُ، ولمْ أجدْ شطرَ قلبي الناقصِ، وها هو شطرُ قلبيَ الآخر على شفا حفرةٍ من الانهيار والولَع.
عانيتُ في جنوب لبنان معاناة باقي اللاجئين، لا شيء يسندني سوى أولادي الصغار والأغاني الفلسطينية التي حفظتها عن ظهر قلب، أذكرُ أنّ والدَكِ سمعني وأنا أغني:

“على دلعونة يا هوا بلادي..من ريحة الجبل من ريحة الوادي
رحت البيارة من الصبح تنادي…شجرات السرو وزهر الليمونا”

فقالَ لي:
هل البلادُ جميلةٌ إلى هذا الحدِّ لكي تتغنين بها بكلّ هذا الجمال يا أمي.
جميلةٌ للحدِّ الذي يجعلكَ تقفُ مذهولاً فاقدًا لأيّ شعورٍ غيرَ رائحة الليمون التي تداعب أنفكَ، وقد تستمرُ على وقوفكَ ساعاتٍ ولا أبالغُ لو قلتُ لكَ أيامًا.
وها أنا ذا، رأيتُ أطفالي يكبرونَ أمامي إلى أنِ أنهى والدُكِ المرحلة الثانوية، فتحتمَ عليّ مفارقته ليكملَ تعليمه الجامعي في جامعة بيروت، ومن بعدها عمّكِ، فانتقلنا إلى بيروتَ، إلى أنْ أنهيا تعليمهما الجامعي، وانتقلنا بعدها إلى صيدا، وها نحنُ ذا يا صغيرتي.
كيفَ ثبتَ عقلكِ في مكانه بعدَ كلِّ هذا؟، يكادُ الألمُ يفتكُ بفؤادي.
ها قد ابيضّتْ عيناي من الحزنِ إلى أنْ فقدتُ الشعور بهما.
أعادنا الله لتلكَ البلادُ.
عدتُ من شرودي كلّه على صوتِ حفيدتي ويدها التي تمسحُ دموعي،
جدتي أينَ ذهبتِ بفكركِ؟، أناديكِ من مدةٍ ولا تُجيبن، ثمَّ ما بالُ لآلؤكِ تتساقطُ هكذا؟
صوته، سمعتُ صوته.
نظرت باستغراب: مَنْ؟
سالم، أقسمُ أنّي سمعتُ اسمه.
جدتي أيُّ هراءٍ هذا الذي تتكلمينَ بهِ، أينَ نحنُ وأينَ جديّ سالم، لا….ربما يكونُ جارنا الجديد، أقسمُ يا صفيةُ أني سمعتُ…
قاطَعنا صوتُ جارنا القادمُ من شرفته، مناديًا بصوتٍ يكادُ يكونُ مختنقًا:
أمينة، أقسمُ أنّها أنتِ.
وقفتْ حفيدتي مذهولةً وتسارعت دموعي، وسابقَ الرجلُ الزمنَ وشيبَه، ووصلَ إلى بيتنا في وقتٍ قياسي، وأخذَ يطرقُ البابَ بسرعةٍ وهو يهذي ويصرخ:
افتحي يا فتاة، أقسمُ أنّني رأيتُها، أقسمُ إنّها أمينة.
وفتحتْ صفيةُ له الباب، فتجاوزها دونَ سلامٍ وأخذ يُقبِّلُ يديَّ وأنا أقول:
لم يخِبْ سمعي إذن، أنتَ سالم.
سارعتْ صفيةُ وجلبت الصورة الوحيدة التي حصلتُ عليها لسالمٍ والتي استطعتُ أخذها أثناء الهجرة، وأخذت تقارنُ في الشبه، وسرعانَ ما نطقت ببكاء:
  جدّي، جدّي سالم
احتضنها، فقالت
 لم أكنْ أعلمُ أنَّ صيدا ستكونُ بلدَ التقاء العُشّاق

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان