غرداية: سيمفونية الأصالة

يقال أن اسم المدينة “غرداية” ، ترجع إلى أصلها الأمازيغي ” تاغردايت ” ، والتي تعني ، القلعة.
السكان هنا بسيطون إلى حد كبير، كرماء، كما عهدنا أهل الصحراء

وصلنا أخيرا، بعد إحدى عشرة ساعة من السفر المتواصل، من مدينة ” سطيف ” الداخلية ، إلى مدينة ” غرداية “، تلك الجوهرة الأصيلة، الواقعة شمال جنوب الجزائر ، والتي تعرف بأنها حاضنة الفسيفساء النادرة: سبعة قصور تاريخية، مطلة على واد واحد، تشترك في العمران، وتختلف في التفاصيل. 
اشتبه علينا منزل الأقارب، بسبب سنوات الغياب الطويلة ، وتماثل الهندسة العمرانية، كل بيت كان احتمالا كبيرا بالنسبة لنا، في أنه المقصود. 
سألنا أحد المسنين هناك ، لم يكن الأمر صعبا، الكل يعرف الكل في هذه ” الحومة ” ( الشارع ) خاصة إن كان المقصود صاحب عرس، لأن أولاد الحومة، هم الذين يقومون بكامل التجهيزات، كأنما العرس عرسهم.
في هذه المدينة؛ الكل ، للواحد ، والواحد ، للكل ! 
همّ الشيخ المسنّ أن يمضي معنا ، ليرينا منزل أقاربنا ، لكن صوت طفل صغير قادم من بعيد تناهى إلى مسامعنا: 
– سيدي ، سيدي ! 
كلمة ، شهيرة ، يقولونها تقديرا لكبير السن ، وسيد القوم.. 
لم يكن من اللائق بالنسبة له ، أن يكلف جده ( سيده )  عناء أن يدلنا ، مادام هو موجودا ، شعر تلقائيا أن الأمر مسؤوليته ، أمره جده أن يحمل عنا الحقيبة الثقيلة ، ففعل ذلك ومضى ، ومضينا وراءه ، وتلك كانت البداية !
قشرة المدنية الزائفة، ووهم التحضر المصطنع، لا وجود له هنا، وإن وجد ، فبكميات قليلة ، لا تكاد تبين.. 
يقال أن اسم المدينة ” غرداية ” ، ترجع إلى أصلها الأمازيغي ” تاغردايت ” ، والتي تعني ، القلعة.. 
السكان هنا بسيطون إلى حد كبير ، كرماء ، كما عهدنا أهل الصحراء أن يكونوا ، متواضعون ، هادئون إلى حد  يثير التعجب والدهشة ، تحافظ لهجتهم على أصالتها العربية ، والأمازيغية ، جاهدت كي أسمع كلمة مفرنسة ، مثل تلك التي نجدها بكثرة في لهجات الشمال ، لكني لم أفلح. تأخذ حياتهم نصيبا أكبر من سيمفونية يومية ، تتمثل في عادة التجمع الأسري حول ” سينية ” الشاي ، ليلا ، حتى كتب عن ذلك مثل مشهور ( الأول لاتاي ، الزاوج نعناع ، التالت سكر وماء ). 
 
 ” غرداية ” ترجع إلى أصلها الأمازيغي ” تاغردايت ” والتي تعني ، القلعة.. 
السكان هنا بسيطون إلى حد كبير ، كرماء ، كما عهدنا أهل الصحراء
 
الطابع المعماري الفريد الذي يكسو المدينة، يشكل رواية لوحده. 
الأقواس المنتشرة في الأسواق ، والطرقات ، القلاع القديمة  التي بناها السكان رد فعل مقاوم لهجوم واسع تعرضت له المدينة من طرف الفاطميين ، الأزقة الضيقة ، فتحات المنازل الصغيرة ، لوحة  السجاد ( الزربية ) الفنية  المتدلية من على الجدران ، والمعروف بأنه من أجود أنواع الزرابي عالميا ، نظرا لعبقرية تصويرية ، توضح ارتباطا وثيقا بالوسط الطبيعي ، وتؤكد على أن المرء ابن بيئته. 
 
نسيج المدينة الاجتماعي ، يعكس لوحة مميزة ، من جمال الاختلاف ، بين العرب والأمازيغ ، على الرغم من لوحة الحزن الخافتة التي رسمت بعد أحداث 2013 ، بدعم خارجي ، مؤدية إلى اختلاف حاد ، دامٍ.. 
تشكل قبائل ” الشعانبة ” ، ” المخاليف ” ، ” المذابيح ” ، كبرى القبائل العربية المالكية في المدينة ، بينما تشتهر بالمقابل قبيلة ” بني ميزاب ” ، كأقدم القبائل الأمازيغية ، والمعروفة باتباعها للمذهب الإباضي. 
المدينة مشهورة بسبع قصور ( قرى) تجاوز عمرها الألف عام : قصر غرداية ، بنورة ، بني يزقن ، القرارة ، بريان ، العطف والمليكة ، وتعد من دون مواربة ، لوحة فنية عمرانية استثنائية ، تقع على امتداد وادي ميزاب ، وتقوم هندستها على ثلاثية مقدسة : المسجد ، والسوق ، والبيت ، باعتبارها مركزا حيويا في حياة الفرد. 
واكتفينا – لضيق الوقت – بزيارة قصر ” بني يزقن” ، وتعني هاته الكلمة الأمازيغية ، أبناء أولئك الذين يحملون الإيمان. 
كان عبق التاريخ يدنو منا رويدا رويدا ، عند مدخل البوابة ، التي تصدرها تمثال أثري للشاعر الجزائري الميزابي ” مفدي زكرياء” ، يتخيله الرائي بوقفته الشامخة وهو يردد مادحا مسقط رأسه :
تقدّس واديكِ منبت عزي 
ومسقط رأسي وإلهام حسّي 
وربض أبي ومرابع أمي 
ومغنى صبايا وأحلام عرسي.. 
 
تشكل قبائل ” الشعانبة ” ، ” المخاليف ” ، ” المذابيح ” ، كبرى القبائل العربية المالكية في المدينة ، بينما تشتهر بالمقابل قبيلة ” بني ميزاب ” ، كأقدم القبائل الأمازيغية ، والمعروفة باتباعها للمذهب الإباضي. 
 
المنطقة حصر مقتصر على بني ميزاب ، لا يدخلها الأجانب إلا بمرشد ميزابي خاص ، ويحرم على الدخلاء التجول في أزقتها لوحدهم. 
يمتلك السكان فيها رداء خاصا ، سراويل الرجال الواسعة مع قلنسواتهم البيضاء ، و ” ملحفة” النساء البيضاء  اللون كذلك ، والتي تغطيهن من الرأس حتى القدمين ، لا تبين فيها إلا عين واحدة تستطيع المرأة الرؤية من خلالها. 
سوقها ، يسمى بالدلالة ، أو ” لالة عشوا” ، امرأة قيل إنها أذنبت ذنبا ، فبنت البئر كي تكفر عن ذنبها  في قطعة أرض لها ، تحولت إلى سوق حملت اسمها. 
يتم البيع فيه بالمزاد ، ويغلق زوالا ، ثم يفتح من جديد بعد العصر.
المساجد عندهم ، لا تحتوي على أية زخرفة ولا هندسة إسلامية ، الأمر محرم قطعا في مذهبهم..
لديهم ما يسمى بهيئة ” العزابة” ، نظام قضائي من 12 إلى 25 شخص ، بين إمام ، ومؤذن ، ومسير شؤون. يتولون تسيير كل جوانب الحياة ، داخل القصر ، ويتم اختيارهم وفق معايير عالية ، ومتابعتهم لمدة سنة ، وسمي النظام بالعزابة ، لعزوفهم – حسب رأيهم – عن ملذات الحياة.
” عندما أذهب إلى وادي ميزاب ، أتأمل ، وأصمت”. المهندس الفرنسي ، أندري ريفيو.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان