تعلمت الصبر أكثر والالتزام وإدارة وقتي أفضل، تعلمت أن أسمع من أبنائي وأحدثهم أكثر، عرفت منبع قوتي ومكمن ضعفي، والأهم أنني تعرفت إلى أبنائي وتعرفوا علي.
يوم آخر هادئ مر علينا، حينما استيقظت من نومي، أعد الفطور لصغارى وبكثير من الضحكات ودعت أطفالي، ذاهبين لمدارسهم، أبقى بالبيت محملة بكل الطاقة، بجدول ووقت منظم.
أبدأ بالتريض ثم فطوري وأنا أطالع الأخبار أو أقرأ كتابا، أنهي عملي، أرتب البيت وأعد طعام الغداء وربما أنام قيلولة صغيرة استعين بها على طول يومي مع بناتي، حال عودتهم من مدرستهم، لدينا أيضا وقت مرتب ومريح، من اغتسال، وتناول الطعام، والمذاكرة، والتمارين الرياضية بالنادي، ثم نعود نتجالس سويا نلعب ونقرأ، حتى يحين موعد النوم، وبالطبع هو مبكرٌ حتى نستيقظ باكرا .
اختلس مع الليل بقية لاستكمال جدولي وعملي، هكذا كان روتيني اليومي، حتى جاء ذلك اليوم الذي أُعلن فيه انتشار الكورونا! وتوقف كل الأعمال، وتعليق الدراسة، من هنا بدأ تحدٍ من نوع آخر، مع وجود الأطفال في المنزل ٢٤ ساعة، تغيرت مواعيد النوم، والمذاكرة والطعام، كثر الشغب، والملل والتذمر، وعدم تقبل الدراسة في المنزل، وأصبحت لديهم طاقة وافرة، لا مخرج لها، وكثرت الفوضى ومشاهدة التلفاز، وأيضا المعارك المستمرة على مدار اليوم بين الأبناء، وعدم تقبل فكرة توقف كل الأنشطة والتمارين الرياضية، فلم يكونوا مستعدين للحدث الجديد !! فانفرط عقد السيطرة .
تعلمت الصبر أكثر والالتزام وإدارة وقتي أفضل، تعلمت أن أسمع من أبنائي وأحدثهم أكثر، عرفت منبع قوتي ومكمن ضعفي، والأهم أنني تعرفت إلى أبنائي وتعرفوا علي .
ولم أكن أيضا قد استوعبت الأمر بعد، ومازلت في طور المفاجأة، حتى انسلت نفسي إلى الاكتئاب والإرهاق، في محاولة لاحتواء ثورة الأبناء، ومع كثير من الخوف والقلق والبكاء من ذلك الكائن الصغير الذي لا تدري من أين يأتيك؟ ولا كيف يأتيك هذا الفيروس ليواجه قوة جسدك؟
فإذا كنت قويا بما يكفي، قاومته، وإلا قضى عليك وأرداك قتيلا، نعم كنت أستعين ببعض التمارين الرياضية أحيانا، والطعام الصحي أحيانا أخرى، ولكن بغريزة البقاء وخوفاً على أطفالي، تملكني القلق، ومن هذه الغريزة أيضا، انطلقت أراجع نفسي. رتبت أفكاري وتشبثت بالحياة، فاستعدت عافيتي وروحي، واستعنت بالله وعزمت على التحدي.
فكرت كيف أنشئ يوماً متوازنا للجميع، نتعاون فيه كلنا: الصغير والكبير، بداية كان لابد أن نعلم ونتعلم عن هذا الفيروس.. كيف جاءنا؟ وكيف نقاومه، ونحصن أنفسنا؟ فقرأت وأبنائي وتعلمنا عنه وفهمنا، وطبعا لم يخل الأمر من كثير من الأسئلة العلمية والدينية، لماذا خلق الله الفيروس؟ ولماذا أصابنا به؟ وهل هناك دواء؟ والقائمة تطول، لكنها كلما طالت كلما وضحت.
وعمّ الهدوء أكثر في نفوسهم، وكانت النتيجة بالبقاء في المنزل، واعتزال الناس، لوقت غير معلوم هي استنتاجهم وما تقبله عقلهم، وإن كان على كره.
نسعي لامتلاك أمل قريب، وبالأخذ بالأسباب بدأنا، كان الطعام الصحي والرياضة على رأس القائمة، ويا لها من فرصة ليعرفوا قيمة العافية، وقوة أجسادهم، إذ هم اعتنوا بها، فلا حياة بجسد ضعيف، ولا جسد قوي إلا بطعام صحي ورياضة سليمة، فاختار كل منا رياضة يمارسها يوميا، نستعين بها على أجسادنا بجانب وقت للمشي بمحيط البيت كل أسبوع، مع الاهتمام بغسل اليدين والنظافة، وأكل كثير من الخضروات والفواكه .
فكرنا كم كنا دائما في نشاط وتركيز، بانتظام مواعيد النوم، ومع الوقت وبالتدريج انتظمنا مجددا ، وإن لم يكن كالسابق ولكن أفضل حالا .
البقاء بالمنزل طوال الوقت، يعني الكثير من الأعمال والفوضى والملل، فكان لابد من أن نرتب سويا افكارنا ومهام كل منا، فقسمنا عمل المنزل من جديد، لكل واحد مهمة محددة ومسؤولية، وهذه ميزة أخرى لسيد فيروس ـ كما أطلقنا عليه مرحا وتلطيفا للأجواء .
كلنا مسؤولون وشركاء في البيت، شركة نعمل بها جميعا لا راحة لأحد على حساب الآخر، وكم غرس فيهم هذا مفهوم التعاون والرحمة.
جعلنا وقتا محددا للتلفاز، ووقتا للمذاكرة، وآخر للأسرة نتجالس سويا، ووقتا للأبناء لهم حرية اختيار ما يقومون به، طبعا بعد ما وضعنا قائمة بالأنشطة والألعاب الجماعية، والكتب والأفكار التي تساعدهم في استغلال وقتهم بشكل سهل ومرح، وبعد زيارات طويلة للمكتبات، وفرنا كثيراً من الخامات والكتب التي تساعدهم على ذلك.
البقاء بالمنزل طوال الوقت، يعني الكثير من الأعمال والفوضى والملل، فكان لابد من أن نرتب سويا افكارنا ومهام كل منا، فقسمنا عمل المنزل من جديد، لكل واحد مهمة محددة ومسؤولية، وهذه ميزة أخرى لسيد فيروس ـ
بجانب الكثير من المواقع التعليمية التي اشتركنا بها، والألعاب المرحة المفيدة التي تغنيهم عن مشاهدة التلفاز لمدة طويلة، صممنا صندوق مسابقات، وآخر للجوائز وعلقنا لوحة نسجل عليها الإنجازات اليومية مهما كانت صغيرة، فهي إنجاز جميل، تجمله المكافئات من حين لآخر، وانطلاقنا كل لما وكل إليه، نفشل أحيانا، ونلتزم أحيانا، ولكن يبقى النظام على ما هو عليه، هكذا تأقلمنا واعتدنا حياتنا الجديدة، وإن لم نحبها ولكننا تجاوزنا سيئاتها، واغتنمنا حسناتها، وتعلمنا منها الكثير.
أعظم ما تعلمته من هذه المحنة، هو ما عرفته عن نفسي، وعن أبنائي، فهناك الكثير فينا لم نكن نعلمه لولا هذه الخلوة عن الحياة.
تعلمت الصبر أكثر والالتزام وإدارة وقتي أفضل، تعلمت أن أسمع من أبنائي وأحدثهم أكثر، عرفت منبع قوتي ومكمن ضعفي، والأهم أنني تعرفت إلى أبنائي وتعرفوا علي .
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

