الطريق إلى مملكة الزعفران (٢)

إحدى الطالبات الجامعيات الهنديات بجامعة مومباي خلال وضعها للمسات الأخيرة لزينتها خلال الاستعداد للاحتفال بالمهرجان الهندوسي جانماشتامي. "اختيار المحررين - أفضل صور الأسبوع"

كانت منظمة “آر اس اس ” تنتقد خطابات ’غاندي‘ عن التعايش السلمي ووصفته بأنه ينشر ثقافة الاستسلام بين الهندوس ولم ترض بمقترحات “غاندي”، واعتبرت دعوته خيانة عظمى للهندوسية القومية.

لا تعجب عندما تسمع بأن منظمة “آر اس اس” هي التي خططت ووقفت وراء اغتيال “مهاتما غاندي”  الزعيم الروحي للهنود الذي ناضل من أجل استقلال الهند ودعا إلى وحدة وطنية بين الهندوس والمسلمين.

وقد كانت منظمة “آر اس اس ” تنتقد خطابات ’غاندي‘ عن التعايش السلمي ووصفته بأنه ينشر ثقافة الاستسلام بين الهندوس  ولم ترض بمقترحات “غاندي”، واعتبرت دعوته خيانة عظمى للهندوسية القومية،  واختارت  شخصا يدعى “ناثورم جوتسى” العضو البارز في منظمة  “آر اس اس” للقيام بمهمة الاغتيال. وبعد إغتيال ” مهاتما غاندي” أُعتقل منفذ الاغتيال “جوتسى” وتمت محاكمته مع شخصيات قيادية بارزة في منظمة “آر اس اس ” لتورطهم في القضية  كما حظرت الحكومة الهندية نشاطات المنظمة في حينه ( ما بين فيرايل 1948 إلى نوفمبر 1949 ). – (راجع اي كتاب خاص بحياة “غاندي” ).

وفي العام المنصرم  قامت ناشطة هندوسية اسمها  الدكتورة pooja shakun pandey مع معاوينها بتنصيب دمية لـ ’غاندي‘ ثم إطلاق النار عليه ورفع هتافات ضده وتمجيد قاتله (“جوتسى” ) وكان ذلك الاستعراض صدمة للهنود حيث لم ير أحد منهم مثل هذا المشهد منذ وفاة غاندي.

كانت منظمة “آر اس اس ” تنتقد خطابات ’غاندي‘ عن التعايش السلمي ووصفته بأنه ينشر ثقافة الاستسلام بين الهندوس  ولم ترض بمقترحات “غاندي”، واعتبرت دعوته خيانة عظمى للهندوسية القومية

فمنظمة الأم “آر اس اس RSS ” هي أشهر تلك المنظمات وأكثرها انتشاراً وتأثيراً في المجتمع الهندي، وإن عدداً كبيراً من قادة الحزب الحاكم (بهارتيا جاناتا) ينتمون إليه؛  فتعتمد استراتيجيتها على تحويل المجتمع الهندي-  على المدى البعيد –  إلى أمة هندوسية “خالصة”  واستعادة “الهند العظيمة” ودعم “التفوق العرقي والثقافي الهندوسي” ومحو كل أثر للمسلمين والمسيحيين الذين تستهدفهم هذه المنظمة.

فمؤسس هذه الحركة هو  “كيشو بي  رام” . وينتمي إلى الطبقة العليا “برهمان” من الطبقات الهندوسية الأربعة. وقد أسس الحركة عام 1925 ، أي قبل استقلال الهند بـ 22 سنة. 

وكانت الظروف شبيهة تماماً بظروف المد اليميني القومي المتشدد  في أوروبا، واستوحت فكرة المنظمة من “أصحاب القمصان السود” التابعة لموسيليني، و”شباب  هتلر- Hitlerjugend”. وفي عام 1940 ، وبعد وفاة “كيشو” ترأس الحركة المتطرف المعروف “غول والكر” الذي يُعتبر واضع الخطط الاستراتيجية والفلسفية للحركات الهندوسية الحديثة. وكا يركز كثيرا على تصوير الإسلام على أنه دين اعتدى على الهند والحضارة الهندوسية ، ويجب تطهير الهند من الإسلام والمسلمين.
ويقول في كتابه المشهور “وجارا دارا” عن الهدف الأساسي من الحركة التي يترأسها “أنشأت هذه المنظمة ليس فقط للحفاظ على الهندوسية  والدفاع عنها من أفكار الإسلام الهدامة لكن لإنهاء هذا المرض “الإسلام إلى الأبد”.
وفي الوقت الذي كان الهنود يحاربون الإحتلال البريطاني كتب هذا الرجل عن موقفه من اشتراك الهندوس في القتال ضد الإنجليز.

” نحن لا نريد أن تُضعف قوتنا ونضيع عدتنا بالمشاركة في عمليات الهجوم على البريطانيين. بل لا بد أن نحافظ على قوتنا من الضياع حتى نستطيع محاربة الإسلام ونبيد المسلمين ” (كتاب وجارادارا). وفي الصفحة 129- 170 من الكتاب يقول  ” على كل من يسكن أرض هندستان (الهند) إما أن يعتنق الديانة الهندوسية أو أن يعيش عبدا للهندوس من غير أن يحصل على أي حقوق” ويمكن للقارئ أن يحلل الأحداث الراهنة في الهند بعد تعديل قانون المواطنة وتغيير بنود الدستور إلا حلقة متصلة باستراتيجية هذه المنظمة لإعادة تشكيل الهند كأمة هندوسية.  
ويبدى “غول والكر” في نفس الكتاب قلقه من ازدياد عدد المسلمين في الهند ويقول : ” يزداد عدد المسلمين والمسيحيين في الهند يوما بعد يوم ، وهم كثر كالأسماك في البحر “.
تؤمن منظمة “آر اس اس” بتقسيم الجنس البشري إلى الطبقات الأربعة “البراهمة والأكشترية والويشية والشودرا”، ويقول كتابهم إن الرب لما أراد تكاثر البشر خلق من فمه ’ البراهمة‘ من ذراعه  ’الأكشترية‘ ومن فخده ’الويشية‘ ومن قدمه ’ الشودرا‘ ومن هذا المنظور فإن الطبقة التي خلقت من فم الأله “البراهمة” تتفوق على غيرهم في الحقوق والإمتيازات والسلطان والأحترام مما يجعلهم من شباه الآلهة وعلى الطبقات الأخرى إرضاءهم والتقرّب إليهم بالطاعة العمياء.

هدم مسجد بابري في الهند من قبل بعض الهندوس عام ١٩٩٢

أعلنت المنظمة مراراً، أنها تنوي هدم ما يقارب ثلاثة آلاف مسجد وثلاثمائة كنيسة وبناء معابد هندوسية على أنقاضها، وتطالب بإغلاق نحو30 ألف مدرسة دينية إسلامية في الهند، أما عن مطامعها الخارجية، فيعلن مسؤولو المنظمة أن باكستان، وبنغلاديش، ونيبال، وبهوتان، وبورما، وسريلانكا، لا بد أن تنضم إلى الهند، وعلى الهند أن تعمل وتستعد لذلك. ولتحقيق هذا الهدف استأجرت الضباط المتقاعدين لتدريب نحو 50 ألف شاب في مختلف الولايات والأقاليم عن طريق الأحزاب الفرعية المختصة بهذا الدور.
تسعى منظمة ’آر اس اس‘ لتغيير دستور الهند الذي ارتضاه الشعب الهندي بعد استقلالهم من الإنجليز والذي وضع لهم زعماؤهم على أساس الديموقراطية والمواطنة والعلمانية. وترى هذه المنظمة ومريدوها بأن المصطلحات المذكورة في الدستور الهندي كالسلام والتعايش السلمي والحوار البناء كلها شعاراتٌ زائفة ولابد من محوها وتطبيق عقيدة “مانو المقدس”.

ولا تعجب عندما تسمع بأن هذه المنظمة هي التي وقفت وراء اغتيال “مهاتما غاندي”  الزعيم الروحي للهنود الذي ناضل من أجل استقلال الهند ودعا إلى وحدة وطنية بين الهندوس والمسلمين.

وقد كانت منظمة “آر اس اس ” تنتقد خطابات ’غاندي‘ عن التعايش السلمي ووصفته بأنه ينشر ثقافة الاستسلام بين الهنود  ولم ترض بمقترحات “غاندي”، واعتبرت دعوته خيانة عظمى للهندوسية القومية،  واختارت  شخصا يدعى “ناثورم جوتسى” العضو البارز في منظمة  “آر اس اس” للقيام بمهمة الاغتيال. وبعد إغتيال ” مهاتما غاندي” أُعتقل منفذ الاغتيال “جوتسى” وتمت محاكمته مع شخصيات قيادية بارزة في منظمة “آر اس اس ” لتورطهم في القضية  كما حظرت الحكومة الهندية نشاطات المنظمة في حينه ( ما بين فيرايل 1948 إلى نوفمبر 1949 ).

ولا تعجب عندما تسمع بأن هذه المنظمة هي التي وقفت وراء اغتيال “مهاتما غاندي”  الزعيم الروحي للهنود الذي ناضل من أجل استقلال الهند ودعا إلى وحدة وطنية بين الهندوس والمسلمين.

المسجد البابري والطريق إلى “المملكة الهندوسية”

أما المسجد البابري (الذي منحته المحكمة العليا في الهند للهندوس هبةً ممن لا يملك لمن لا يستحق بقرار جائر في نوفمبر /تشرين الثاني الماضي رغم أن الأدلة كلها كانت لصالح الطرف المسلم ورغم اعتراف المحكمة بعدم شرعية هدمها وإجرام عملية التدمير !) قد استخدمته المنظمات الهندوسية برئاسة “آر اس اس” عبر التاريخ عصا سحريةً للوصول إلى سدة الحكم.

ومن هذا المنطلق يرى المحللون بأن صدور الحكم بهذا الشكل من أعلى جهة قضائية في الهند وانحيازها إلى الهندوس في التوقيت والسياق بأنه قرار سياسي أكثر من كونه حكماً قضائياً.
ومن يوم أن وُضع الصنم في المسجد عام 1949 ومرورا بالسماح للهندوس لوضع حجر أساسي لإقامة المعبد في ساحة المسجد عام 1984 ومن ثم فتح أبواب المسجد للهندوس لإقامة الشعائر في رحابه ووصولا إلى هدمه عام 1992 بعد إعتداء على المسجد.

فقد كانت المنظمة في كل مراحلها تشعل نار الفتنة بتصريحات متطرفة وتدعو إلى حاجة الشعب الهندوسي لبناء معبد لهم في موقع المسجد بعد هدمه. لذلك فإن رئيس الوزراء الهندي ’ناريندرا مودي‘ ، قد سارع للإشادة بقرار المحكمة معتبراً أن ’القضية انتهت‘ ورأى في الحكم انتصاراً شخصياً له، وهو الذي أدرج بناء المعبد ضمن وعوده في الحملة الانتخابية وعلى الفترتين المتتاليتين و جعل إعادة بناء المعبد محل المسجد البابري في مقدمة أولويات حزبه (بهاراتيا جاناتا) خلال الحملة الانتخابية التي جاءت بحزبه إلى الحكم عام 2014. ومن هنا يرى البعض أن هدم المسجد وما تلاه من أحداث وقرار المحكمة بناء معبد مكانه  يشكل بداية النهاية للهند العلمانية.
ختاما أعيد وأقول : على الدول الاسلامية والعربية أن تعرف بأن الهند قد تغيرت ولم تبق هي الدولة المشهود لها بالعلمانية والديموقراطية.

بدأت تلك الدولة العريقة تخلع لباسها العلماني لتلبس ثوبا جديدا زعفران لونه  لا “تسر الناظرين” …. وابتعدت بذلك عن مسار مؤسسيبها وقيم درستورها.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


إعلان