الشخص العسكري يتم تلقينه على أن يكون مطيعا بشكل فوري لكل الأوامر التي تأتي من فوقه ودون مناقشة ، وأن يوجه التعليمات لمن هم دونه لينفذوها دون مناقشة له كذلك.
السبب الثاني: أزمة الوعي بمعنى الحرية!…سبب تباين الأفكار بين الناس عائد إلى اختلاف وتنوع طرق تشكّل الفكر والمفاهيم داخل عقولهم، ولتبسيط الفكرة فإن وعي الناس بالأفكار المختلفة يتشكل عادة من خلال طرق ثلاثة.
الطريق الأول هو التعليم الإجباري الموجه لهم، والطريق الثاني هو طريق ملاحظة كيفية تجلّي الأفكار داخل المحيطين بهم والبيئة التي تحتضنهم، والطريق الثالث والأخير هو طريق التعليم الذاتي والسعي الحر وراء المعرفة.
عندما ننظر صوب مفهوم الحرية ونتأمل –في ضوء النقاط السابقة- في كيفية تشكل هذا المفهوم داخل العقل العسكري نجد التالي .. الشخص العسكري يتم تلقينه على أن يكون مطيعا بشكل فوري لكل الأوامر التي تأتي من فوقه ودون مناقشة ، وأن يوجه التعليمات لمن هم دونه لينفذوها دون مناقشة له كذلك، ومحاضرات ال “تلقين” معروفة ومنتشرة في الأوساط العسكرية وتمثل منهجا مستداما رئيسا في العلوم العسكرية! ..
تتم إذا صناعة عقلية العسكري ليكون منضبطا في إطار جمعي، ليكون الفرد العسكري فيه كترس يقوم بدور محدد في آلة كبيرة، يتوحد الجميع في الزي والحركة وطريقة التعبير وممارسة كل الأفعال الروتينية بل والإقتناع والتعبير عن نفس الأفكار والسكوت عن المأمورين بالسكوت عنه، لذا فالمعلمون والموجهون للعقلية العسكرية يقتلون –على الدوام وعن قصد- الحاسة النقدية والحرية والتميز الشخصي عند الفرد العسكري وهذا لصالح الإنضباط العام كما يرون، وهذا إن جاز –فرضا- في الحياة العسكرية فهو لا يجوز خارجها بحال! ..

وإذا انتقلنا إلى النقطة الثانية التي تشكِّل مفهوم العسكريين عن الحرية والمتعلقة بالبيئة المحيطة فإننا نجد انعداما لحرية إبداء الرأي في أي وقت وأنعداما لحق النقد، ومعاقبة لمن يتجرأ وينتقد فكرة شخص ذي رتبة أعلى وهكذا!
فالمجتمع العسكري مصمم من حيث المبدأ لتسير فيه الأوامر من الأعلى إلى الأسفل ودون استنثناءات تقريبا! لذا فالمجتمع العسكري يقيد حرية إبداء الرأي بل ويجعل من ذلك استراتيجية عامة مترسخة داخل عقل الفرد العسكري حتى يظن معها أن هذه هي الطريقة الأنجح للإدارة بشكل عام. أما العامل الثالث الذي من شأنه أن يصنع الوعي بمعنى الحرية فهو الإنفتاح على الأفكار الأخرى بطريقة معرفية، نظرية حرة تماما تتجاوز إطار البيئة المحيطة وما يتم تلقينه، وهذا عادة يتطلب القراءة الواسعة وتحضير الدراسات ومتابعة الندوات المعرفية المختلفة وخوض نقاشات فلسفية مفتوحة وما شابه ذلك، وكل ذلك يتعذر على العسكريين فعله بسبب ظروف عملهم كما هو معلوم!
تتم صناعة عقلية العسكري كترس يقوم بدور محدد في آلة كبيرة، يتوحد الجميع في الزي والحركة وطريقة التعبير، والإقتناع والتعبير عن نفس الأفكار والسكوت عن المأمورين بالسكوت عنه، لذا فالمعلمون والموجهون للعقلية العسكرية يقتلون عن قصد الحاسة النقدية والحرية عند الفرد العسكري وهذا لصالح الإنضباط العام.
من كل ما سبق نجد جليا أن الشخص العسكري لديه مفهوم ووعي بالحرية مختلفان كل الإختلاف عن ذلك المتشكِّل في ذهن الشخص المدني (والمدنيون هم الغالبية الساحقة في الوطن)، وهذا المفهوم أبعد ما يكون -بطبيعة الحال- عن المفهوم المثالي المنضبط والمأمول بل والمنتشر في كل المجتمعات التي ارتقت في سلم التقدم.
عادة لا يعي الشخص العسكري أن لديه مشكلة في مفهومه عن الحرية، لقد اعتاد على التنميط وعلى أن يكون فردا داخل جماعة يمارس حقوقا قوية في تقرير مصير من تحته بشكل سلطوي واضح، وينصاع فورا لما يمليه عليه من فوقه في الرتبة وهو مع هذا يفهم ذلك في اطار الإنضباط والحزم وتقليل الوقت والجهد الضائع في النقاشات!
الشخص العسكري يجد في النقد الموجه له جريمة وتفكيك للصف الوطني، ولكنه دوما يبحث عن قائد لينصاع له كما اعتاد،فنجد في التاريخ دوما أن العسكريين الذين ينكلون بمعارضيهم ربما يكونون منبطحين تماما لقادة دوليين آخرين أقوياء
وبذلك نجد العسكر إذا متسلطين بطبيعة التكوين، وإذا وصلوا إلى الحكم وفوجئوا بالمدنيين الذين لا يشاركونهم نفس العقلية فإنهم يقيدون الحريات ويعاقبون من لا يمتثل لأوامرهم بكل أريحية (لأنه هو الخارج عن نظامهم) ويمزقون الحياة السياسية التعددية ويفتئتون على كل القوانين ويتباهون بقهر المختلفين معهم وتكميم الأفواه وسجن المعارضين، كل ذلك وهم يسعون بكل إصرار للوصول بالوطن إلى أن يكون تلك الكتيبة التي تنفذ أوامر قائدها دون نقاش،لأن هذا هو النموذج الوحيد الذي يعرفونه ويعرفون كيف يتعاملون معه ولا يعون غيره!
هم لا يعرفون بل ولا يملكون حتى المقدرة على تخيل أن ما يفعلونه جريمة وأن ما قد يجوز داخل الثكنات لا يجوز قطعا مع شعب يحمل ثقافات وأفكارا ورؤى وطموحات متعددة .. شعب لابد أن يكون له حق ممارسة النقد والمعارضة، شعب له الحق في ابداء رأيه في الطريقة التي يدار بها الوطن، شعب له حق تقرير مصيره دون وصاية، شعب يتسع للجميع وليس لمن يوافقون على رأي القائد الأعلى! ..
إن الشخص العسكري يجد في النقد الموجه له جريمة وتفكيكا للصف الوطني وخروجا عن الإنضباط، ولكنه دوما يبحث عن قائد لينصاع له كما اعتاد دوما. فنجد في التاريخ دوما أن العسكريين الذين ينكلون بمعارضيهم ربما يكونون منبطحين تماما لقادة دوليين آخرين أقوياء وهذا في الحقيقة ليس أمرا مفاجئا على الإطلاق!
الفرد العسكري له مفهوم ضيق للغاية عن الحرية ولا يصلح بحال أن يتم تعميمه على أي شعب من الشعوب التي هي مدنية بطبيعة الحال، وكذا من البديهي أنه لا يجوز تدجين كل الشعب وفقا لطريقة التربية العسكرية! ..
ومن هنا نجد أن العسكر هم الخيار الأسوأ على الإطلاق لقيادة دولة حديثة يتطلع شعبها للحرية والرفاة، الحرية التي هي أساس التنوع والإبداع وانطلاق أي أمة حديثة! والرفاه هو النتيجة الطبيعية لما سبق .. إن التشوه الذي يفعله العسكر بالأوطان –حال حكمهم- يكون عميقا بالقدر الذي يجعل الدولة تحتاج أعواما طويلة وجهدا توعويا ضخما لإزالته. إن الذين يدعمون العسكر عادة لا يعون معنى الحرية على حقيقتها أو ربما لم يمارسوها يوما من الأساس، واستمرار حكم العسكر لفترات طويلة يجعل من الصنف الذي لا يعرف معنى الحرية وأثرها شريحة ضخمة من الوطن تعوق تقدمه وتكبل نهضته!
المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها

