إذا كان من المحتم أو الواجب أو حتى المستحب أن نقدم قائمة بالآباء الروحيين لثورة ٢٥ يناير الذين لم يمتد بهم العمر حتى قيامها فإن الدكتور سعيد النجار يأتي في مقدمة هذه الأسماء ، ومن العجيب أن هذا الرجل الذي كان ملء السمع والبصر لا يحظى الآن بأي ذكر أو تكريم بل إن الويكيبديا على سبيل المثال لا تقدم أي ذكراه ولا أي تعريف به ولا بجهده ، كما أن المثقفين الانتهازيين الذين كانوا يسيرون في ركابه والذين لمعوا بفضل جهوده يتعمدون تجنب الحديث عن تجربته مع انهم لم يخرجوا للقمة و النفوذ الا من معطفه وباستثناء الكاتب الصحفي المثقف الأستاذ أسامة عرابي مسؤول النشاط الثقافي في جمعية النداء الجديد فإن أحدا ممن كانوا حوله لا يجدد ذكراه ولا ذكره على الإطلاق .
عملة ذهبية واحدة
نبدأ الحديث عن الدكتور سعيد علواني النجار (1921-2004) بداية تقريبية كاشفة عن مكانته في جيله ، وبين أقرانه من أساتذة الاقتصاد والقانون، وأبدأ فأقول إن الدكتور سعيد النجار والدكتور محمد حلمي مراد ( 1919 -1998 ) كانا وجهين لعملة ذهبية واحدة ، وهذه العملة الذهبية الثمينة هي عملة الأمل في الارتقاء بالوطن عن طريق القانون (علماً وممارسة)، وقد تشابهت ظروف نشأة هذين العلمين في بيئة مصر الليبيرالية الذكية التي كانت قد وعدتهما (دون عقد مكتوب) بمكانة رفيعة في المجتمع والدولة والجامعة على حد سواء بحيث يكون الواحد منهم رمزاً لطبقته التي هي طبقة الكريمة في المجتمع والتي كان الوصول إليها وئيدا وواثقا بحكم محصلة متوازنة من عناصر الذكاء والاجتهاد والالتزام والتفوق في الدراسة والثقافة ثم صادفهما بعد عقد من الزمان من تخرجهما مجتمع جديد لم يتصورا أن يكون هو المجتمع الذي يعيشان فيه حياتهما بدءاً من الشباب وحتى نهاية الحياة التي امتدت إلى عمر طويل ربما لم يكن أيهما يتوقع أن يعيش حتى يصل إليه، وقد صادف كلاهما درجات عالية الموج وعاصفة التقلب من الإحباط الشديد وأضاف محمد حلمي مراد إلى نفسه بنفسه وبرغبته درجات عالية من الاضطهاد فضلاً عن الإحباط ، لكنهما كانا بلا شك بؤرتي إشعاع للتجديد الفكري والحيوية العقلية والمعارضة السياسية الممنهجة مع اختلاف منطلقاتها ، وقد كان لي الشرف أن عرفتهما في عصرين متوالين عن حب لا عن قرب فحسب .
على مستوى التقديم العائلي الذي يحب المصريون ان ينطلقوا منه كان الدكتور النجار زوجا للابنة الوحيدة للدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا أما الدكتور حلمي مراد فكان شقيقا لزوجة زعيم مصر الفتاة الأستاذ احمد حسين.
من الطريف أن الدكتور سعيد النجار كان أول الدفعة التي ضمت معه كما ذكرنا الدكتور محمد زكي شافعي كما ضمت أيضا المستشار مأمون الهضيبي و الأستاذ إحسان عبد القدوس ومع هذا فقد كان الدكتور سعيد النجار يبدو اكثر حيوية من هؤلاء جميعا بما لا يقل عن عشر سنوات على الأقل .
مقارنته بالدكتور محمد حلمي مراد
بلغة السياسة المعاصرة فقد تميّز الدكتور سعيد النجار عن الدكتور حلمي مراد باختيار الشرفة، وقد بدا ذكيا في استناده النظري إلى أدبيات المجتمع الغربي الحديث على الرغم مما كان يتطلب هذا الاستناد منه من تنازل عن كثير مما لا يتنازل عنه الشرقي المسلم بسهولة لكنه بمنهجية الأستاذ المتمرس في البناء الفكري والمنهجي كان يعرف قواعد اللعبة ، ولم يكن على استعداد لخداع نفسه بالقدرة على خداع غيره ، بوسائل أو سياسات من قبيل تأجيل المنافسة أو من قبيل القول بالمراحل ، أو القول بالتقية، وهكذا فإنه في جمعية النداء الجديد كان صريحا جدا في التعبير عن توافقاته ، و كانت فكرته غير المعلنة بقوة وغير المستترة في الوقت نفسه واضحة المعالم والحدود و التفصيلات والخطوات وإن لم تكن معلنة بالقدر الكافي .
كان الدكتور سعيد النجار يناقش أفكار التوجهات الإسلامية على سبيل المثال في صراحة ووضوح لم يتوفرا لأي من الذين حاولوا أن يلعبوا دوراً سياسيا من بعده، ومن العجيب أنه عاش على الامل فترة طويلة قبل ان يكتشف نمط الانتهازيين من حوله ، و فيما قبل وفاته المفاجئة كان قد بدأ يعلم أن كلّ حوارييه من الاكاديميين المتنعمين (كانوا بلا استثناء) يُفضلون نموذج يهوذا الاسخربوطي على أي نموذج إنساني آخر، وقد كانت صدمته فيهم تتوافق مع تصوراته النظرية لكنها لم تكن تتوافق بالدرجة ذاتها مع تصوراته الوطنية، فلم يكن يتصور وجود او انتعاش حقيقة من قبيل أن حب الوطن لا ينطوي (عند بعضهم) إلا على كراهية المواطنين، وأن قضية الهوية عند بعضهم الآخر لا تنطوي إلا على الانحراف بمعنى الانتماء للإسلام، ولم يكن يتصور أيضا أن فهمهم للزعامة يقف عند حدود القوالب الفكرية التي قدمت لهم من خلال الادبيات الناصرية وجعلت حادثاً مثل 4 فبراير نهاية للدنيا.
لم يكن يتقبل مفهوم الاحتكام إلى الطابور
كان الدكتور سعيد النجار فيما تفضل و صارحني به يؤمن بتعدد الزعامات الوطنية ولم يكن يتصور مفهوم الاحتكام إلى الطابور الذي يجعل الكاتب ينزع صفة الوطنية عمن لا يقف وراء زعيم ما أو عمن لا يسير وراء زعيم ما ، وعلى قدر ما كانت فكرته عن التعددية واضحة وضوح الشمس فإنه كان يصدم من يوم لآخر بما يراه من سيطرة فكرة الطابور على من يتحلقون من حوله ممن تربوا في عصور الستينيات ، ولعله لم يكن يعرف أن كل التراث الليبيرالي الذي بذل جهده في تمويل وتكوين وتأصيل مراكمته سرعان ما تبدّد بعد وفاته على يد من خلفه وهو حي في رئاسة جمعية النداء الجديد، وقد ظل هذا الذي خلفه (بعدها كما كان قبلها) مستجديا لأي منصب حتى جاءته الفرصة ليكون أكبر عدو للديموقراطية وحكم الشعوب وحقوق الإنسان ورئيسا لوزارة الانقلاب التي مارست من الانتهاكات الإنسانية والديموقراطية ما لم تُسبق إليه على مدى تاريخ مصر كله، وربما كان من حق الوطنيين المعتدلين أن يكرروا على مسامع أمثالي سؤالهم التقليدي : هل كان الدكتور سعيد النجار يُمهد الأرض للانتهازيين من هذا النوع الرديء الذي مثله رئيس الوزراء الانقلابي الذي رضيّ أو قبل على نفسه ما لا تقبله بغي من البغايا على حد تعبير منسوب على الزعيم سعد زغلول ؟
ترفع عن الانتهازية في ١٩٥٣
يُذكر للدكتور سعيد النجار أنه كان متين الأخلاق الى حد بعيد ، ولو أن متانة أخلاقه قد نقصت درجة واحدة لقبل الوزارة منذ 1953 واستمر مع الضباط في الموقع الذي احتله عبد المنعم القيسوني بعد هذا، فقد كان قد عرف هؤلاء الضباط جميعا وعرفوه باعتباره زوج ابنة السنهوري مستشارهم الأول واستاذهم الأول الذي مكّن لهم من السلطة بنظرية الشرعية الثورية بديلا عن الشرعية الدستورية، وكانت بين الدكتور سعيد النجار و تولي الوزارة خطوة واحدة لا تستغرق 5 دقائق، لكن أخلاق الدكتور سعيد النجار يومها لم تسمح له بأن يلتفت عن الأخلاق 5 دقائق فقط ، وهكذا آثر منذ مرحلة مبكرة أن يكون في الصف المواجه لا في الصف التابع، ومع أنه لم يكن في المراحل المبكرة فاعلاً بأية صورة من الصور فإنه في العقدين الأخيرين من حياته أدى هذا الدور الفاعل على أوسع نطاق كان ممكنا له

