من القواعد العامة الحاكمة في التشريع الإسلامي قاعدة ارتكاب أخف الضررين، وحاصل هذه القاعدة أنه إذا صار المكلَّف في حال لا بد فيها من فعل أحد محذورين، أو وقع بين شرَّين، فعليه أن يذهب إلى أقلهما ضررًا.
وقد تعددت وتنوعت ألفاظ السادة العلماء في التعبير عن مضمون هذه القاعدة، فمن ذلك قولهم:
– يختار أهون الشرين أو أخف الضررين.
– إذا تعارضت مفسدتان رُوعِيَ أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما.
– إذا تقلب المكلَّف بين محذورين ارتكب أخفهما.
– متى أمكن الدفع بأسهل الوجوه لم يعدل إلى أصعبها.
– يُتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى.
وغالبًا ما يمثل الفقهاء لهذه القاعدة بأمثلة متصورة وأخرى واقعية، وذلك كمن يسير في قفر وانقطع عنه الماء، ولا يجد ما يسد عطشه غير الشراب المحرَّم كالخمر والمسكر، أو لا يجد ما يسد جوعته ويبقي على حياته إلا الخنزير أو الميتة، أو من يخاف من عدو كافر فينطق بكلمة الكفر.
وارتكاب أخف الضررين قد يقع وجوبًا كما هو الحال في حفظ النفس من الموت بشرب المسكر أو أكل الميتة، وقد يكون على سبيل الإباحة كالنطق بكلمة الكفر في مقابل الصبر وتحمُّل الأذى، وقد يراوح بين الأمرين على حسب الحال كمن يرمي زوجته بالزنى ويحلف على ذلك دفعًا لعار ألحقته به بزناها، أو ولد قد يُنسب إليه إن سكت، فقد يصبر على الأولى ولكنه لا يجوز له الصبر على الثانية لما في استلحاق ولد الزنى من مفاسد منها الميراث، ومخالطة غير المحارم، وولاية النكاح وغيرها.
يقول ابن تيمية رحمة الله عليه في “مجموع الفتاوى”: «إذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقُدّم أوكدهما، لم يكن الآخر في هذه الحال واجبًا، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تاركَ واجبٍ في الحقيقة، وكذلك إذا اجتمع محرَّمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما، لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرَّمًا في الحقيقة، وإن سُمّي ذلك ترك واجب، وسُمّي هذا فعل محرم باعتبار الإطلاق لم يضر».
وقد نقل الذهبي في السير عن عمرو بن العاص قوله: «ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن الذي يعرف خير الشرين».
الاختيار في الانتخابات الأمريكية الرئاسية
تختلف كلمة المسلمين المقيمين في الولايات المتحدة في مسألة حق الانتخاب وجواز ممارسته في انتخابات الرئاسة بالأخص، فبعضهم يرى أن التصويت محرَّم لأنه يُعَد تسليمًا بقانون وضعي وبرامج انتخابية تخالف الشرع الحنيف، والبعض الآخر يرى أنه من الحقوق التي لا ينبغي أن تفوت لأن حق التصويت وممارسته تعزز حقوق المسلمين في البلاد وتجعل لهم كلمة في مستقبل الأيام، والبعض الآخر يرى أن التصويت شر لا بد منه لأنه قد يدفع مفسدة أو يجلب منفعة.
وإذا استثنينا الفريق الأول المانع، فإننا سنجد أن دافع الاختيار على الرأيين الآخرين، وذلك في الترجيح بين المرشحين، يعتمد في الأعم الأغلب على قاعدة «ارتكاب أهون الشرين».
فمنذ أن تغيرت قوانين الهجرة في أواخر الستينيات من القرن الماضي، واندفعت أعداد كبيرة من أكثر بلاد المسلمين للهجرة إلى أمريكا، وصارت قضية التصويت الرئاسية تمثل شغلًا للمسلمين إلا وأصبح أكثرهم لا يختار بين خير وشر، وإنما يدفع شرًّا كبيرًا بشر أقل، وصارت هذه هي قاعدة التصويت، وما زالت حاكمة حتى الآن.
وإذا أخذنا العقود الماضية مثالًا، فقد اندفع المسلمون يصوتون لبيل كلينتون كرهًا في جورج بوش الأب، وليس حبًّا أو لخيرية كلينتون، وكذلك صوَّت المسلمون بكثرة لجورج بوش الابن في دورته الأولى، ظنًّا منهم أنه سيكون أقل شرًّا من آل جور المدعوم يهوديًّا حيث إن ثمانين في المئة من اليهود كانوا يؤيدونه، وبعد أن تبيَّن لهم أن جورج بوش الابن هو الشر بعينه بعد حربه على العراق وأفغانستان وإعلانه حربًا صليبية جديدة، راحوا يصوتون لجون كيري ظنًّا منهم أنه أقل شرًّا من خصمه، وكذا الحال في الاختيار بين باراك أوباما وجون ماكين في عام 2008، أو أوباما وميت رومني في عام 2012، وصوَّت المسلمون بكثافة لهيلاري كلينتون في عام 2016، دفعًا لشر دونالد ترامب الذي لم يُخفِ حقده على الإسلام والمسلمين، وفعلوا الشيء ذاته بينه وبين جو بايدن في انتخابات 2020، فصوتت غالبيتهم لبايدن، دفعًا لشر ترامب الأكثر والأظهر.
والآن تعلو أصوات هنا وهناك بين أبناء الجالية تدعوهم إلى التصويت لكامالا هاريس، وهي في نظرهم شرٌّ لأنها جزء من إدارة بايدن المساندة لحملة الإبادة في فلسطين ولبنان وغيرهما، ولكنها ليست بشر ترامب الذي جربوه من قبل.
وعلى ذلك، فقاعدة الاختيار في معظم الحالات كانت تقع تحت مفهوم قاعدة ارتكاب أخف الضررين.
والسؤال الأول هنا:
هل حقًّا هذه القاعدة بهذا الإطلاق في باب الاعتبارات الشرعية السياسية؟
والسؤال الثاني:
هل حقًّا ارتكب المسلمون والعرب أخف الضررين بالتصويت لمن صوَّتوا له؟
وبالتالي: هل التصويت لهاريس ضد ترامب هو سائغ لارتكاب أخف الضررين؟
أولًا: هل القاعدة على الإطلاق فيما يخص التشريع والسياسة الشرعية؟
لا يخفى ما في القاعدة من معقولية، فالعقل السليم إذا خُيّر بين الشر والخير فسيختار الخير، وإذا خُيّر بين شرين اختار أخفهما، إذ ما المصلحة في اختيار أشدهما مع ما يتبعه من نتائج الاختيار.
ولكن من ينظر إلى تطبيقات الشريعة يجد أنها جعلت لهذه القاعدة ضوابط وقيودًا، وأنا هنا لست بصدد مناقشة القاعدة تفصيلًا لأن المقام مقام تنزيل، وليس مقام تأصيل، ولكن بنظرة سريعة نجد أن القاعدة قد ورد عليها ما يقيدها، أو يحد من فاعليتها، ومن ذلك:
1- منع الشرع من ارتكاب الأخف بمقابل الأشد نصًّا:
وذلك كمنع النبي من التداوي بالخمر، والذي قد يكون أخف من الألم المرجو ذهابه بالخمر، وهذا ما ذهب إليه الجمهور خلافًا للسادة الأحناف.
2- الخلاف في تقدير الشدة والخفة في الضرر:
وذلك أن مسألة الضرر كما تكون أحيانًا واضحة جلية، تكون أحيانًا نسبية، ومن ذلك مثلًا المقارنة بين الضرر الحسي والضرر المعنوي أو الضرر المنجبر والضرر المستمر، أو الضرر على نوع في مقابل نوع كالذكر والأنثى، والصغير والكبير، والغني والفقير، وهكذا، وكذلك في ترتيب مقاصد الشريعة العامة في الأولوية حيث يتنازع بعضها التقدمة كالدين والنفس والمال.
3- اشتراط القطع في وصف الضرر خفة وشدة:
وذلك بأن يكون الضرر المتروك للأخف مستيقنًا وقوعه، فإن كان ظنيًّا، فقد اختلف الفقهاء في اعتباره، ومثله أن يكون الأخف قد بانت فائدته على الآخر، وذلك كاختلافهم في شق بطن الحامل المتوفاة لاستخراج الجنين، فقد أجازه بعض الفقهاء، منهم الأحناف والشافعية، ومنعه المالكية والحنابلة لعدم القطع بالفائدة منه.
4- حصر الاختيار بين ضررين وعدم اعتبار الاختيار الثالث:
وذلك أن فرضية قسمة الأمور بين شرَّين ليست مطلقة في غالب الحالات، بل قد يكون الاختيار في ترك الأمرين لثالث من جنس أحدهما، وذلك كالاختيار بين الكذب وفساد الأمر في الزوجية، أو مع العدو، فيقول البعض: يجوز هنا الكذب لأنه أخف من فساد أمر الزوجية، على حين أن في المعاريض مندوحة عن الكذب، فتأتي المعاريض حلَّا ثالثًا، يباين الضررين .
فإذا كانت هذه العوارض ترد على قاعدة ارتكاب أخف الضررين في فروع المسائل، فهي كذلك في باب السياسة الشرعية، بل هي أشد إيرادًا؛ لأن باب السياسة الشرعية أوسع، وليس فيه الكثير من تضييق الشرع.
وإذا نظرنا إلى التصويت في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في ضوء ما أوردنا على القاعدة فسنجد أن إعمال القاعدة لا يسلم من الإيرادات ذاتها؛ فلا قطع ولا يقين أن ما نَعُده ضررًا أخف، هو أخف بالفعل إذ هو أمر على شرط المستقبل، كما أنه لا يخضع لمعرفة قطعية؛ لأنه يتعلق بمجرد وعود ممن نظن أنه الأخف ضررًا، وهي وعود في غالبها وعود كاذبة لا يلتزم بها السياسيون لا معنا ولا مع غيرنا، فقد وعد كل من صوَّت له المسلمون بإقامة دولة لأهلنا في فلسطين حتى في صورة دولة منزوعة السلاح، وعلى أقل من ربع المساحة المعطاة في قرار التقسيم، ومع ذلك لم ينفذ واحد منهم وعده، بل فعل عكس ذلك، ووعد أوباما بإغلاق سجن غوانتانامو، وهو سجن سيئ السمعة، ولا يوجد فيه إلا أسرى حرب من المسلمين، ولم ينفذ ذلك، إلى غير ذلك من الوعود الكاذبة.
وكذلك كان هناك دائمًا اختيار ثالث يمكن للمسلمين أن يلجؤوا إليه وهو التصويت لمرشح ثالث أو تبييض أوراقهم الانتخابية، وذلك من باب إظهار موقف من كلا الشرين، وقد رأينا أن ذلك مؤثر فعلًا، فقد نجح جورج بوش بأصوات المسلمين في فلوريدا، وبها فاز في انتخابات 2000، وكذلك فاز بايدن بأصوات المسلمين في ميشيغان، وحسم بها الصراع مع ترامب في انتخابات 2020، وهو ما يمكن أن يتكرر في انتخابات 2024، ولو أن العرب والمسلمين قرروا أن يأخذوا منحًى ثالثًا، لقطعوا شوطًا في المساومات الانتخابية التي يقوم غيرنا بها.
وعلى ذلك، فإعمال قاعدة ارتكاب أخف الضررين تسويغًا للتصويت لأحد المرشحين لا يسلم من مآخذ في تحقيق المناط، مما يجعل القاعدة غير صالحة للتجويز.
ثانيًا: هل حقًّا ارتكب المسلمون والعرب أخف الضررين بالتصويت للضرر الأخف؟
لقد استعرضت تاريخ التصويت العربي والإسلامي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية منذ تسعينيات القرن الماضي، مع العلم أن الحكم على جهة التصويت هنا على سبيل الأعم الأغلب وليس الإجماع، لأنه لا إجماع لطائفة في التصويت، ولا حتى الأقلية اليهودية، ولا الأقلية السوداء، ولا اللاتينية، لكن هناك اتجاه غالب.
لقد صوَّت العرب والمسلمون لكلينتون، فماذا أخذنا منه في باب الحقوق المدنية أو في باب أهم القضايا لدينا وهي قضية فلسطين؟ لقد جمع كلينتون السلطة الفلسطينية مع الحكومة الصهيونية فيما يُعرف باتفاق أوسلو الذي اعترفت فيه منظمة التحرير بحق دولة إسرائيل في الوجود، وتنازلت عن 78% من أراضي فلسطين التاريخية، وتحولت إلى رجل شرطة لإسرائيل ضد أبناء فلسطين، في مقابل وعد بإنشاء دولة فلسطين في الضفة وغزة لم يتحقق منه شيء على الإطلاق، فهل ارتكب العرب والمسلمون أخف الشرين وأهونهما؟
المسلمون وجورج بوش
وصوَّت العرب والمسلمون بكثافة لجورج بوش الابن في الجولة الأولى، فما كان منه إلا أن أتى باليمين المتطرف في حكومته تنظيرًا وتطبيقًا، ووجدنا صعودًا لليمين الديني والقومي الأبيض، واتُّخذت إجراءات ضد العرب والمسلمين تشبه ما وقع لليابانيين في الحرب العالمية الثانية، حيث تسجيل الأسماء، ومراجعة مكتب التحقيقات الفيدرالي والتجسس على الحياة الشخصية والمكالمات الهاتفية، وتتبُّع الحسابات المالية، ومتابعة الشباب العربي والمسلم، وهذا في الداخل، أما في الخارج فحرب مدمرة في العراق وأخرى في أفغانستان مع إطلاق يد التطرف الصهيوني في حروب في فلسطين ولبنان.
وصوَّت المسلمون لجون كيري في انتخابات 2004، فهل كان كيري الأخف ضررًا؟ بالقطع لا، فقد دُمرت سوريا وقُضي على الثورة السورية في وقت كان فيه جون كيري وزيرًا لخارجية أوباما وبترتيب منه مع روسيا، وما كان لروسيا أن تتدخل في القضاء على الثورة السورية لولا أن العرّاب كان جون كيري، وذلك خدمة لأجندة أكبر جزء منها الإبقاء على نظام الأسد ولكن في صورة نظام ضعيف، قادر فقط على قمع شعبه.
وصوَّت العرب والمسلمون لأوباما مرتين، فهل كان أوباما أخف ضررًا من جون ماكين أو ميت رومني؟
بالقطع لا، لقد قُضي على حلم الشعوب العربية والإسلامية في الحرية وقت الربيع العربي، في وقت أوباما وبمباركة منه ومن حكومته بشقيها المدني والعسكري.
ولمدة ثماني سنوات في الحكم لم يستطع أوباما عقد تسوية ولو شكلية لقضية فلسطين، ولا حتى اتفاق تفاوضي يمكن البناء عليه، وزيادة على ذلك ركَّز أوباما على تقوية إيران في مقابل الجمهور السُّني المحيط بها، وفي وقته زادت المستوطنات في الضفة، بل إنه استصدر قرارًا بعدم مقاطعة المنتجات الزراعية من المستوطنات كما فعلت بعض الدول الغربية.
وفي عهده قامت إسرائيل بعشرات الاعتداءات على الفلسطينيين، ومنها عملية الجرف الصامد وقصف شاطئ غزة، كما أن القوات الأمريكية استمرت في احتلال العراق وأفغانستان.
وصوَّت المسلمون والعرب لهيلاري كلينتون بكثافة في انتخابات 2016، فهل كانت أهون الشرين وهي وزيرة الخارجية في فترة الربيع العربي وشاركت ببصماتها في تدمير الحلم العربي في الحرية والكرامة؟ وفي وقتها قُتل الآلاف في باكستان وأفغانستان والعراق وليبيا، ولم تحقق شيئًا يُذكر في قضية فلسطين.
وأخيرًا صوَّت المسلمون لبايدن في انتخابات 2020، فهل مر على المسلمين عهد أسوأ من عهده؟
إن دعم بايدن لإسرائيل لم يقع من رئيس من قبل باستثناء عهد جونسون، وكلاهما من الحزب الديمقراطي، لقد فتح لإسرائيل مخازن الأسلحة وحرك لها الأساطيل، وساعدها في صد هجوم إيران مرتين، وهاجم الحوثيين نيابة عنها، فدخل وكيلًا حربيًّا عن الكيان الصهيوني، واستعمل الفيتو مرات متتالية لحماية إسرائيل من الإدانة أو لوقف الحرب، وضغط على الدول العربية كي لا تساعد المقاومة، بل وسخّر مخابراته لخدمة الحرب الصهيونية.
فهل كان ترامب سيبقى له زيادة فعل لم يقم به بايدن أو وزير خارجيته، وهنا نسأل: هل كان اختيار بايدن أهون الشرين؟!
الثوابت والمتغيرات
إن المتتبع لنهج السياسة الأمريكية يرى ثوابت ومتغيرات، ومن الثوابت التي لم تتغير بغض النظر عن صاحب القرار في البيت الأبيض هو: ضمان أمن إسرائيل، واستمرار بقائها متفوقة على كل جيرانها من العرب والمسلمين، وعدم السماح بقيام كيان عربي أو إسلامي قوي أو له تأثير إقليمي، وهذه السياسة مستقرة في العقل الحاكم الأمريكي منذ ولاية أيزنهاور وبداية فكرة الإمبراطورية الأمريكية.
وعلى ذلك، فلم يوفق المسلمون والعرب في ارتكاب أخف الضررين طوال تاريخ التصويت، بل إنهم صوتوا للشر المطلق الذي رأيناه واضحًا في عهد بوش الابن، وفي عهد بايدن، وبنسبة أقل في عهد أوباما.
ثالثًا: هل التصويت لهاريس في مقابل ترامب سائغ تحت قاعدة ارتكاب أهون الشرين؟
والجواب: بالقطع لا.
فهاريس لم تأت من خارج الحكومة الحالية الداعمة للكيان الصهيوني، والمدمرة لأي مشروع عربي تحرري أو إسلامي ولو إقليميًّا.
وهاريس شريكة متضامنة في كل ما يقع في فلسطين ولبنان واليمن والعراق وسوريا والحدود الجنوبية لتركيا، وهي لم تنكر دفاعها عن إسرائيل وحقها في القتل والإبادة، ولم تعط المسلمين حتى وعدًا كاذبًا بإنهاء الحرب، وجُل ما ذكرته أن ذكَّرت الجالية العربية والمسلمة بخطر ترامب إذا نجح.
ليس هذا فقط، ففي القضايا الداخلية تدعم هاريس حقوقًا كثيرة تعارضها الشريعة الإسلامية، وهي بالفعل إن كانت أقل شرًّا من ترامب، إلا أنها تمثل في مواقفها الحالية التي ليس لنا أن نتوقع تغيرًا أو اختلافًا عنها بعد نجاحها، تمثل شرًّا كافيًا وضررًا محققًا على مستقبل مشروع التحرر العربي والإسلامي، والمتوقع أنها ستكون أشد التصاقًا بالمشروع الصهيوني من بايدن لصلات عائلية، وكذلك بغية إعادة الانتخاب مرة أخرى.
إن سياسة الحزب الديمقراطي الآن تشبه سياسة الحزب في عهد جونسون التي ملخصها (unleash the hell) أو (Let them finish the Job)، وهي سياسة الحزب الجمهوري طوال الوقت، إلا أن المتتبع لتاريخ العلاقة بين السياسة الأمريكية والمشروع الصهيوني يجد أن المكاسب التي تحققها الصهيونية في عهد الديمقراطيين أكثر منها في عهد الحزب الآخر.
فهزيمة 1967 المروعة حدثت في عهد الحزب الديمقراطي، وطامة كامب ديفيد والتطبيع وما تبعه وقعت في عهد كارتر الديمقراطي، ومثلها نازلة أوسلو التي أوقفت المقاومة سنوات طويلة وقعت في عهد الديمقراطي كلينتون، وموت الربيع العربي وقع في عهد الديمقراطي أوباما، وكان المستفيد الأول منه هو الكيان المحتل، وأخيرًا نازلة حرب غزة ولبنان في عهد بايدن الديمقراطي، ولن تكون هاريس خيرًا ممن سبقها في الحكم أو في الحزب، بل عندها من نقاط الضعف ما لم يكن عندهم.
وعلى ذلك
فقاعدة ارتكاب أخف الضررين لا تصلح مبررًا لانتخاب هاريس؛ لأنها ليست ضررًا خفيفًا بحال، بل الفارق بينها وبين ترامب يكمن في السرعة والبطء، والإخفاء والإعلان، والنفاق والعداوة الظاهرة.
وليس معنى هذا أن يصوت المسلمون والعرب لترامب، فالرجل يحمل مشروعًا خاصًّا محاطًا بطائفة متعصبة من بقايا البيوريتان والإنجيليين المتعصبين الذين ينتظرون الألفية المسيحية، وهؤلاء يُعَدون النظير السلفي المتعصب في التراث الإسلامي الحديث، حيث ظاهرية التفسير والتطبيق أو التيار الصهيوحريدي في التراث اليهودي.
ولكن يمكن للمسلمين والعرب هذه المرة أن يغتنموا الفرصة ويختبروا قدرتهم ومقدراتهم في إيلام الحزبين معًا، وذلك بالتصويت لطرف ثالث يمكن التعويل عليه، أو حتى إبطال الصوت الانتخابي، ومراقبة ما سيكون من ترامب إذا نجح، وهو الذي يحمل ثأرًا ضد النظام القضائي والدولة البيروقراطية والحزبين معًا، أو ما سيكون من هاريس وهي التي إن نجحت ستواجه تشغيب ترامب وأتباعه، وفواتير من أيدها في الانتخابات، ومن يدري لعل اختيار الطريق الثالث يكون بداية ظهور اللوبي العربي والمسلم في المرات القادمة.

