لا يمكن الحديث عن مستقبل السودان دون وضع الشباب في صلب المعادلة. ففي بلدٍ يمثل فيه الشباب الأغلبية الساحقة من السكان، ويواجه تحدياتٍ غير مسبوقة من حربٍ وتشريدٍ وانهيارٍ اقتصادي، يكمن الحل لا في تجاهل هذه الشريحة، بل في اعتبارها القوة الدافعة والمرنة القادرة على إعادة البناء. إن مقترح إنشاء أو تفعيل وزارة لتمكين الشباب يجب ألا يكون مجرد هيكلٍ إداري جديد، بل إعلانَ التزامٍ وطنيٍّ بتسخير هذه الطاقة الهائلة نحو الاستقرار والسلام.
أولًا: من الهامش إلى مركز القرار
إن الشباب السوداني هو الرافعة الحقيقية للأمة، وقاطرة التغيير التي لا تتوقف، إذ تجسَّد دورهم المحوري في قيادة مسارات التحول والإصلاح الجذري، وفي الصمود الأسطوري دفاعًا عن كل شبرٍ من الأرض وعن العِرض والمال.
هذه الريادة ترافقت مع التزامهم اللامحدود بجهود الإغاثة الطوعية والمبادرات الإنسانية، التي كانت خط الدفاع الأول لإنقاذ الأرواح في مواجهة الحرب القاسية المفروضة على السودان. ومع ذلك، غالبًا ما يُستبعدون من طاولات الحوار وصنع القرار.
إن تمكين الشباب يتجاوز توفير فرص العمل، بل يجب أن يتعلق بالاعتراف بدورهم القيادي. وينبغي أن تضمن الوزارة المقترحة تمثيلًا حقيقيًّا وفعّالًا للشباب من مختلف الأقاليم والخلفيات (بما في ذلك النازحون واللاجئون) في جميع الهيئات الحكومية واللجان الوطنية. فإشراكهم ليس «منحة»، بل حقٌّ وضرورة لضمان أن تكون عملية إعادة الإعمار شاملة وتلبي الاحتياجات الفعلية للمجتمع.
ثانيًا: التمكين الاقتصادي كصمام أمان
إن البطالة بين الشباب هي القنبلة الموقوتة التي تهدد أي استقرارٍ مستقبلي. خاصة في مرحلة ما بعد الحرب، يجب أن تتحول أولوية الوزارة إلى الاقتصاد المنتج والعمل الكريم.
ويُستحسن الابتعاد عن البرامج التقليدية والتركيز على المجالات الحيوية لإعادة الإعمار:
المهارات السريعة لإعادة البناء: التوجه نحو التدريب المكثف على المهارات المطلوبة فورًا (إصلاح البنية التحتية، الطاقة المتجددة، إدارة المياه).
الثورة الرقمية: الاستثمار في تدريب الشباب على العمل الحر والمهارات الرقمية، مما يفتح لهم آفاق العمل العالمي ويخفف الضغط على سوق العمل المحلي.
دعم الريادة المجتمعية: توفير التمويل الأصغر وإرشاد رواد الأعمال الذين يقدمون حلولًا للتحديات المحلية (الأمن الغذائي، التعليم، الصحة).
عندما يمتلك الشباب فرصة اقتصادية، يصبحون شركاء في حماية الاستقرار بدلًا من أن يكونوا عرضةً للاستقطاب من جهاتٍ معادية أو الجريمة المنظمة.
ثالثًا: بناء السلام عبر المرونة النفسية
لقد خلَّفت الحرب ندوبًا عميقة، ليس فقط على المباني، بل على النسيج الاجتماعي والصحة النفسية للشباب. ولا يمكن بناء سلامٍ مستدام بأفرادٍ محطمين نفسيًّا.
ينبغي لوزارة تمكين الشباب أن تكون رائدة في:
برامج الدعم النفسي والاجتماعي المتاحة: بإنشاء مراكز دعمٍ مجتمعية تقدم الإرشاد ومعالجة الصدمات الناتجة عن الحرب والنزوح.
ثقافة التعايش: بتنظيم برامج وورش عمل تجمع الشباب من المكونات المختلفة (في المدن والقرى) لبناء الثقة وإعادة تعريف الهوية الوطنية المشتركة فوق الانقسامات القبلية أو الإثنية.
الشباب كوسطاء سلام: عبر تدريبهم على مهارات حل النزاعات والمصالحة ليصبحوا جسورًا للتفاهم على مستوى الأحياء والقرى.
إن تمكين الشباب في السودان ليس خيارًا ترفيهيًّا أو جدول أعمالٍ ثانويًّا، بل هو الاستثمار الأهم والأكثر استراتيجية في مستقبل الدولة. على القائمين على الأمر أن يدركوا أن بناء السلام الحقيقي يبدأ بتسليح هذه الشريحة بالمهارات، والفرص، والشعور بالانتماء، وتحويلهم من ضحايا للحرب إلى مهندسين حقيقيين لإعادة الإعمار والاستقرار.
الكلمة الأخيرة
إن لم نمنح الشباب الأدوات والفرصة لبناء سودانهم، فإننا نحكم على جهودنا بالفشل قبل أن تبدأ. لقد حان الوقت لتمكين القوة بدلًا من التحكم في الأزمة. إن الشباب السوداني ينتظر فرصة، لا إهمالًا، وعلينا أن نقدمهم الآن، قبل فوات الأوان، لضمان أن يكونوا مهندسي مستقبل هذا الوطن العظيم.

