الهدف التالي بعد إيران: بين غياب الحكم الرشيد وتنامي شهية الخارج

الحرس الثوري أعلن تنفيذ ضربات دقيقة على مواقع إسرائيلية هامة
الحرس الثوري أعلن تنفيذ ضربات دقيقة لمواقع إسرائيلية هامة (رويترز)

ليست الحكومات وحدها مسؤولة عن حالة التراجع الحضاري، بل تتحمّل المجتمعات أيضًا قسطًا مساويًا من هذه المسؤولية.

فكما أن نظم الحكم مسؤولة مباشرة عن انتهاكات حقوق الإنسان، والاستبداد، وعدم كفالة مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص، وتفشي الفساد، فإن المجتمع بدوره مسؤول عن تراجع قيم الأمانة، والانضباط، والعمل الجاد، في مقابل شيوع قيم اللامبالاة، والسلبية، و«الفهلوة». ولنعترف أن الفساد السلطوي كان يقابله، في كثير من الأحيان، فسادٌ مجتمعي موازٍ.

ومن هنا، فإن الحديث عن مشروع مواجهة يقتضي تحفيز دور المجتمع، واستنفار طاقاته، جنبًا إلى جنب مع تفعيل مسؤولية الدولة وتحديث مؤسساتها.

في عام 1887، كتب المفكر الشامي المصري رفيق العظم كتاب “البيان في التمدن وأسباب العمران”، منتقدًا البنية المجتمعية الكسول، ومحذرًا من آثار الإهمال والركون إلى الكسل على حاضر الأمة ومستقبلها. قال في أحد مقاطع الكتاب: “منعًا لما قد يترتب عليها لاحقًا من نكبات، جرّاء الإهمال الصادر عن بعض الأهالي، الذين أوصلهم الكسل إلى الحاجة حتى في كسوة أبدانهم إلى غيرهم، رغم ما فيهم من كفاية، ومعرفتهم بالصنائع، وتفنّنهم في أرقى الفنون. فإنّ هذه من أعظم المصائب التي تلمّ بالأوطان، والتي كانت سببًا في تخلّف هذه الأمة عن ميادين الثروة والشهرة، ممّا أباح للأوروبيين أن يجتنوا ثمرات متاعبها، وأن يمتصوا درر بلادها، في حين يبقى الأهالي في غفلة عن زمانهم، لا يعرفون من التمدن إلا الإقدام على ما لا ترضاه الهمم الحرة، المتوثبة إلى التقدّم والعزّة، والكارهة للذلّ، والمهانة والتأخّر”.

يا ناس، نحن نحفر قبورنا ونطالب بالعدالة.

فهل تغيّر شيء اليوم؟

لا. لقد أصبح من المألوف أن نسمع محللين إسرائيليين يتحدثون عن الهدف التالي بعد إيران، باعتباره موضع دراسة على طاولات صنع القرار الأمني والسياسي في تل أبيب.

وما كان يُقال همسًا أصبح يُقال علنًا، في تقارير مراكز التفكير والمداولات البرلمانية وخطابات الجنرالات. لكن قراءة هذا التوجه لا تكون باجتزاء الموقف الإسرائيلي وحده، بل في سياق أشمل، يضم تآكل الدول الوطنية، وتراجع السيادة، وغياب المشروع الجمعي، واختلال ميزان الاستقرار السياسي والاجتماعي في معظم بلدان المشرق.

هل سقط الستار على الوطن؟ أم أننا فقط نُبدّل الممثلين كل فصل، والمأساة واحدة؟

منذ أكثر من عقدين، والمنطقة تمرّ في مخاضٍ لا يتوقف. هذا المخاض لم يكن نتيجة صراعات القوى الكبرى فقط، بل هو نتيجة إخفاق داخلي في بناء الدولة، وفي صياغة منظومة حكم رشيد تقوم على الشفافية والمحاسبة وتكافؤ الفرص. وقد تكرّست عقلية “نافق أو وافق أو فارق” بدلًا من عقلية المشاركة، واستُبدل الإصلاح البنيوي بتدوير الفشل، وتحولت الدولة إلى شركة مساهمة تُدار لمصلحة فئة ضيقة.

أنظمة عديدة قامت على أوهام الاستقرار من خلال القمع، والإقصاء، وثقافة الاحتواء والإملاء والامتطاء، لكنها انهارت مع أول صدمة اقتصادية أو سياسية. وفي المقابل، لم تستطع قوى المعارضة، سواء الإسلامية أو المدنية، أن تطرح مشروعًا جامعًا بديلًا. فبعضها وقع في التبعية للخارج، وبعضها تقاطع مع أجندات لا وطنية، وبعضها انشغل بصراعات الهوية بدلًا من بناء الدولة.

كل ذلك أدى إلى تحلل تدريجي للدولة، وفتح المجال واسعًا أمام التدخلات الخارجية، التي لم تعد تجد صعوبة في اختراق الدول أو إعادة ترتيب أولوياتها من الخارج. وهنا تظهر خطورة غياب الحكم الرشيد، لا لكونه كمشكلة داخلية فقط، بل لأنه عامل يسهم في تمكين القوى الإقليمية والدولية من التحكّم في مصير المنطقة.

ومع تفكك الدولة، وتراجع الثقة، وتفتت النخب، برزت معضلة جديدة: معضلة الديمقراطية بوصفها مشروعًا مأزومًا. وهي معضلة مزدوجة: سياسية من جهة، وثقافية واجتماعية من جهة أخرى. المعضلة السياسية تتعلق بغياب الانتقال السلمي للسلطة، وغياب الإرادة السياسية الحقيقية، أو تأخرها عن اللحظة التاريخية، أو ارتهانها لتوازنات القوة الداخلية والخارجية.

ثمة خمسة سيناريوهات جرى تداولها في النقاشات حول التحول الديمقراطي. الأول، أن تأتي لحظة شجاعة تاريخية من النخبة الحاكمة، كما حدث في بعض دول أميركا اللاتينية أو غرب إفريقيا. الثاني، أن تفرض معادلات القوى الاجتماعية والسياسية مسارًا إصلاحيًّا تدريجيًّا، وهذا يصطدم بضعف البنية الحزبية والسياسية. الثالث، تدخل خارجي يفرض الإصلاح، وهذا غالبًا ما يُنتج ديمقراطية مشوهة، تابعة، أو أمنية الطابع. الرابع، انتفاضة شعبية، قد تنجح أو تُجهض، بحسب من يقف خلفها ومن يركب موجتها. والخامس، ما يسمى “دهاء التاريخ”، أي التحول المفاجئ غير المتوقع.

غير أن هذه السيناريوهات لا تصمد كثيرًا أمام سؤال أعمق: هل التربة الثقافية مهيأة فعلًا للديمقراطية؟ هل لدينا ثقافة مدنية قائمة على احترام القانون، والتعدد، وحقوق الإنسان؟ أم أن البنية التربوية والإعلامية والدينية لا تزال تُكرّس الانغلاق والطاعة والاستقطاب؟

الديمقراطية ليست إجراءات انتخابية فقط، بل منظومة قيم تبدأ من التعليم والمنزل وتنتهي بالبرلمان. ما لم تُبنَ المؤسسات على قواعد الشفافية، والمساءلة، والتداول، سيبقى أيّ تحول ديمقراطي هشًّا، قابلًا للنكوص مع أول أزمة.

من هنا، فإن بناء الحكم الرشيد والديمقراطية معًا، لا يكونان عبر أدوات سياسية فقط، بل من خلال إصلاح ثقافي شامل، يشمل التربية، والخطاب الديني، والتعليم، والإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني. ولعل أبرز دروس نصف القرن الأخير أن أيّ نهضة لا تبدأ من الإنسان لن تصمد في وجه العواصف.

ما الذي يحدث اليوم؟ لماذا تتوالى الانهيارات، ولماذا أصبح يُصرَّح علنًا بالهدف التالي؟ لأن الدولة غائبة، والنخب مفككة، والمجتمع مشغول بالنجاة لا بالبناء.

القرار الوطني موزع بين العواصم، والمصالح المحلية مرتبطة بدوائر النفوذ الإقليمي والدولي.

ما العمل إذن؟ المطلوب أولًا هو استعادة مفهوم الدولة الجامعة، الدولة التي تُعيد الاعتبار للقانون، وتكسر منطق الغلبة، وتحيي الأمل بالتعدد والوحدة في آنٍ معًا. ثانيًا، يجب ضخّ نخب جديدة في الحياة العامة، نخب تمتلك أخلاق المسؤولية وشجاعة الإصلاح. ثالثًا، إطلاق مشروع وطني تربوي ثقافي يعيد ترميم العلاقة بين المواطن والدولة، ويكسر ثقافة التبعية والانقسام.

أما إقليميًّا، فلا بد من تجاوز حالة الشك والارتجال بين الدول العربية، والانتقال إلى تنسيق حقيقي يحمي المصالح المشتركة. فالتكامل الإقليمي هو ما يُعيد وزن القرار العربي في المعادلة الدولية.

إن الحكم الرشيد هو بوابة النجاة. لا أمن بلا شرعية، ولا شرعية بلا عدالة، ولا عدالة بلا مواطنة. وإن لم تستفق المجتمعات لصياغة مصيرها بيدها، فستبقى خريطة المنطقة تُرسم في غرف الآخرين، ولن تجد الأجيال القادمة مكانًا لها في خرائط المستقبل.

وفي ظل هذه الأحداث المتلاحقة، وبينما تتسابق القنوات والمنصات والندوات في نقل صدى المعارك الدائرة، انشغل المشاهدون، من نخب وشعوب، بتشجيع هذا المعسكر أو ذاك، وكأنّهم يتابعون سباق خيول، لا مشاريع نيران تقترب من ديارهم. غاب عنهم أن هذه الحروب ليست شأنًا بعيدًا، بل إشارات حمراء في طريقهم هم أنفسهم.

ويا لَلسخرية! في لحظة تُرسم فيها الخرائط، يُصفق البعض للخراب وهو يظنه نصرًا، ويهلل للرصاص وهو يقترب من قلبه. والحقيقة المرة التي ينبغي أن تُقال: نحن مشاريع أهداف، ولسنا استثناءات في نظر القوى الدولية. من لم يكن فاعلًا اليوم، سيكون مفعولًا به غدًا.

رجل يتسلى بعدّ الطائرات في السماء، ويضحك على المفرقعات، ثم يلتفت ليجد مدينته وقد أُزيلت. عندها فقط، يدرك أنه كان جزءًا من المشهد، لا من الجمهور.


إعلان