لم تكن تلك الليلة عادية، فقد دخل عليَّ ابني الأكبر وعيناه تلمعان حماسًا، وروى لي كيف تحدَّث إليهم أستاذ جامعي مشهور عن ضرورة جعل القرآن الكريم مركزًا في رؤية الجامعات العربية، بحيث يخضع البحث العلمي -خصوصًا في العلوم الإنسانية- لحاكمية النص القرآني. ولأنني أعرف أن هذا النقاش قد تكرر في التاريخ الإسلامي بأشكال مختلفة، قلت له إن هذه الدعوة -بصيغتها تلك- غير حقيقية، بل قد تكون بعيدة عن مقصد القرآن نفسه. فليس المطلوب “العودة” إلى القرآن وكأننا نرجع إلى شيء خلّفناه وراءنا، بل المطلوب أن نتقدم إليه، لأنه كان منذ نزوله سابقًا للبشرية في الأفكار والتصورات والعلاقة بالله.
القرآن كتاب هداية محب للعلم
القرآن ليس كتابًا في الفيزياء أو الكيمياء، أو علم الاجتماع والتاريخ، وإنما كتاب هداية وتوجيه، أنزله الله لهداية البشر من ظلمات الشرك والهوى إلى أنوار التوحيد والاستقامة ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 2). ولا يصح تحميله تفاصيل كل العلوم الطبيعية والإنسانية، فمن يزعم أنه يحتوي تفاصيل الطب والفلك والاقتصاد والجغرافيا ينسب إليه ما ليس فيه. لكن هذا لا يعني أن القرآن منفصل عن المعرفة، فالإمام السيوطي يُبيّن في مقدمة كتابه (الإتقان في علوم القرآن) أن القرآن “مفجر العلوم ومنبعها”، بمعنى أن القرآن يحتوي على أصول الإيمان والهداية، من عقيدة وتشريع وقيم، ويشير إلى سنن الله في الكون والمجتمع والحياة؛ إذ يشتمل على نحو ألف آية تتحدث عن جوانب مختلفة من الطبيعة، ويشجع الإنسان على دراسة الكون واستلهام العبر.
هذه الإشارات تمثل جسورًا بين الوحي والعلم، فالنص يلفت النظر إلى الظواهر ليفكر فيها الإنسان بعقله، وليس ليقيدها بنصوص جاهزة. فالعلم في القرآن نوعان: علم في الكتاب وهو المتعلق بالهداية وأنوارها، ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ (المائدة: 15-16)، وعلم أشار إليه الكتاب وهو دعوته إلى التفكر والسير في الأرض واكتشاف القوانين والنظم السارية فيها، وتصنيفها في علوم متنوعة حسب مجال اشتغال كل علم وأهدافه، مثل الإشارة القرآنية إلى علم الجيولوجيا في قول الله تعالى ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ (النمل: 88). فهذه إشارة تدعو العلماء إلى دراسة الجبال ورصدها، والباحث في هذا المجال ستكون مراجعه هي الصحاري والجبال والبراكين، وليس البحث عن أصناف الجبال وأعمارها في سطور سورة البقرة أو آل عمران.
منهج القرآن: السير في الأرض واكتشاف القوانين
من يقرأ القرآن يجد أنه يحض على التفكير والتأمل، ويدل على وسائل تساعد الإنسان على ذلك، ومنها السير في الأرض، فالقرآن لا يكف عن تحريض المسلم على النظر والاعتبار والتدبر، ومعرفة سنن الله في الأمم والحضارات، والنظر في عاقبة المكذبين. هكذا يجمع القرآن بين المعرفة النظرية (النص) والمعرفة التجريبية (السير)، فيدفع المؤمن إلى اكتشاف الحياة والقوانين فيها، ثم قراءة الظواهر في ضوء الهداية الربانية.
الفرق بين العلم والوحي
استعمال القرآن ككتاب علوم طبيعية أو مصدر لنظريات اقتصادية أو سياسية يسيء إلى العلم وإلى الوحي معًا، فالعلم الحديث يقوم على مبدأ التكذيب أو إمكانية التفنيد، وهذا ما أوضحه الفيلسوف كارل بوبر حين قال إن منهج البحث العلمي يجب أن يهدف إلى اختبار الفرضيات وتحديد الظروف التي تكون فيها خاطئة، وإن النظرية تُعَد علمية إذا أمكن البرهنة على خطئها بواسطة التجربة.
العلوم إذَن تتطور عبر التجربة والخطأ، ولا تدّعي العصمة، فكل نظرية معرَّضة للتعديل أو الرفض إذا ظهر دليل يخالفها. لذلك، ليس من الإنصاف أن نعامل النص القرآني -وهو وحي ثابت- كفرضية علمية قابلة للتكذيب، ولا أن نحاكم النظريات العلمية بمعايير التفسير الديني. في المقابل، يحتفظ القرآن بمكانته فوق العلوم التجريبية، فهو يقدّم “معرفة إلهية” ونهج حياة، ويعرض المبادئ التي تقيس بها البشرية مسيرتها.
تقدُّم إلى القرآن.. لا رجعة إليه
وحين يدعو البعض إلى “العودة” إلى القرآن، فإن الصورة الذهنية قد توحي بأن القرآن مهجور في متحف الفكر، ومن ثَم علينا العودة إليه لنستحضره كما كان في الماضي، لكن الحقيقة أن القرآن منذ نزوله كان متقدمًا على الإنسان، ولا يزال يدفعه إلى الأمام. ومن الأفضل أن نسعى للتقدم نحو القرآن بفهم جديد، وأن نقرأه في ضوء معارف العصر لنستخرج منه القيم التي تبني الحضارة، فهو ينادي بالعقل والفكر والقلب، ويفتح أبوابًا معرفية جديدة، وفيه أيضًا إشارات إلى السنن الكونية والاجتماعية، تدفع الإنسان إلى البحث والتجربة.
لا يعني ذلك أن نتوقف عن العمل بحجة أن “كل شيء في القرآن”، فمثل هذه الدعوة تؤدي إلى القعود والكسل، بل يعني أن نضع برنامجًا حضاريًّا يجعل من القرآن مرجعية أخلاقية وروحية تصوننا من الانحراف، وفي الوقت نفسه نستثمر في العلوم التجريبية التي تقوم على اختبار الفرضيات ومراكمة المعرفة.
إن قراءة الكون وقراءة القرآن مساران متكاملان؛ فالأول يثري الثاني ويكشف آفاقه، والثاني يهدي الأول ويرشده. وعندما يتقدم الإنسان إلى القرآن بهذه الروح، فإنه يعانق المستقبل بدلًا من أن يبقى أسير الماضي.

