الذكاء الاصطناعي يزاحم الفنانين: مستقبل الموسيقيين في مهب الخوارزميات

Music historian and journalist Brian Mansfield holds an original pressing of the "Buckingham Nicks" vinyl record at his home in Nashville, Tenn., Wednesday, July 23, 2025. (AP Photo/Kristin M. Hall)

يتزايد القلق في أوساط الفنانين والموسيقيين المحترفين في الولايات المتحدة من انتشار الفرق الموسيقية التي يتم توليدها كاملة باستخدام الذكاء الاصطناعي، سواء من حيث الشكل البصري أو المحتوى الموسيقي، إذ لا تمثل هذه الظاهرة مجرد ظاهرة تقنية جديدة، بل تشير إلى تحول عميق في هيكل السوق الموسيقية، يهدد الحصة التي اعتاد الفنانون المحترفون تقاسمها لعقود.

وأصبح من المألوف حاليًّا أن تحقق أعمال موسيقية أنشأها الذكاء الاصطناعي ملايين الاستماعات عبر منصات البث مثل “سبوتيفاي”، سواء كانت من نمط الروك الكلاسيكي لفرقة “فيلفيت صنداون” (Velvet Sundown)، أو من موسيقى الكانتري الراقية التي تقدمها فرق مثل “أفينذيس” (Aventhis) و”ذي ديفيل إنسايد” (The Devil Inside).

اقرأ أيضا

list of 3 itemsend of list

ورغم هذا الانتشار اللافت، فإن الغموض يكتنف مصدر هذه الأعمال، إذ لا يمكن معرفة هوية من يقف وراءها أو التواصل معهم، نظرًا إلى اعتمادها على خوارزميات الذكاء الاصطناعي. كما أن معظم منصات البث التدفقي، باستثناء منصة “ديزر”، لا تشير إلى ما إذا كانت الأغنية قد صُنعت باستخدام الذكاء الاصطناعي.

فجوة بين الاستماع النشط والسلبي!

ويتوقع المنتج والمغني ليو سيدران، الحائز على جائزة الأوسكار، أن يشهد المستقبل القريب إطلاق عدد كبير من الأعمال الموسيقية التي سيكون من المستحيل معرفة من أنشأها أو كيفية إنتاجها. ويرى سيدران أن هذا التحول يكشف في العمق إلى أي مدى أصبح كثير من الأغنيات المتداولة اليوم ذا طابع نمطي يسهل على الخوارزميات إعادة إنتاجه.

وفي بودكاست “Imagine AI Live”، قال المنتج والملحن يونغ سبيلبرغ إن الذكاء الاصطناعي يسلّط الضوء على الفجوة بين ما يُعرف بـ”الاستماع النشط” و”الاستماع السلبي”. وأوضح أن الاستماع النشط يعني تفاعل المستمع مع الرسالة التي ينقلها الفنان، وهو النوع الذي يُتوقع أن يظل محصنًا نسبيًّا أمام تأثير الذكاء الاصطناعي.

أما الاستماع السلبي، مثل الاستماع للموسيقى أثناء تحضير الطعام أو كيّ الملابس أو تناول العشاء، فيتيح للذكاء الاصطناعي مجالًا أكبر للانتشار، لأن المستمع لا يكون معنيًّا بهوية الفنان أو خلفيته. وإذا بلغ تطوّر الخوارزميات مستوى يجعل من الصعب التمييز بين العمل البشري والعمل الاصطناعي في هذا النوع من الاستخدام، فإن استوديوهات الإنتاج والشركات ستفضّل الذكاء الاصطناعي لخفضه التكاليف، إذ لن تكون مضطرة إلى دفع أي حقوق ملكية.

تراجع فرص العمل وتقلّص العوائد

ويلاحظ دنيس ديسانتيس، الأستاذ في جامعة روتشستر، أن منصات البث التدفقي تبث فعليًّا كميات كبيرة من موسيقى الخلفية التي تُنسب غالبًا إلى “فنانين غامضين” لا تتوفر عنهم أي معلومات، مما يعزز فرضية أن الذكاء الاصطناعي أصبح حاضرًا بقوة، خصوصًا في الإنتاجات التي لا تشكل فيها الموسيقى عنصرًا مركزيًّا، مثل الإعلانات والمسلسلات والمقاطع الترويجية والمحال العامة.

ويرى ديسانتيس أن هذه الأعمال، حتى وإن كان دور الذكاء الاصطناعي فيها جزئيًّا فقط، فإنها تُسهم في تقليص فرص العمل المتاحة للموسيقيين المحترفين، مشيرًا إلى أن القطاع يمر بتحول عميق في كيفية إنتاج الموسيقى وتوزيع العوائد المالية.

من جانبه، أعرب ماثيو جيندرو، أستاذ الصناعة الموسيقية بجامعة روان في الولايات المتحدة، عن قلقه من أن تصبح القدرة على كسب العيش من الموسيقى أكثر صعوبة. ويقول: “قد تكون هذه هي المشكلة الكبرى… كيفية توزيع الأموال”.

أما ليو سيدران، فقال إنه يشعر منذ الخريف الماضي بـ”تباطؤ قوي” في النشاط المهني داخل القطاع، وهو انطباع يشاطره فيه العديد من زملائه في المجال، مضيفًا: “أعتقد أن الذكاء الاصطناعي له دور كبير في ذلك. كثير من العملاء الذين كانوا يطلبون مني موسيقى مخصصة، أصبحوا يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد ما يحتاجون إليه”.

تحديات قانونية وفرص للتكيّف

وعلى غرار تحولات سابقة في تاريخ الموسيقى، من ظهور الراديو إلى انتشار برامج التسجيل ووصولًا إلى منصات البث، يعتقد البعض أن الذكاء الاصطناعي يشكّل المرحلة الجديدة من هذه الثورة. لكن الأستاذ في كلية بيركلي للموسيقى في بوسطن، جورج هاورد، يرى أن التحدي الحالي “لا يُقارن بأي تحول سابق”، واصفًا الذكاء الاصطناعي بأنه تهديد وجودي للنموذج الحالي لصناعة الموسيقى.

ويعول هاورد على المسار القانوني، حيث تنظر المحاكم الأمريكية حاليًّا في عدد من الدعاوى القضائية التي رفعها فنانون ومنتجون ضد شركات تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بسبب استخدامها بيانات ومقاطع موسيقية محفوظة الحقوق في تدريب خوارزمياتها. لكنه أشار إلى أن هذه القضايا قد تستغرق وقتًا طويلًا، وربما لا تصل إلى نتائج حاسمة قبل أشهر أو سنوات.

ورغم المخاوف، يرى بعض العاملين في المجال أن الذكاء الاصطناعي قد يُتيح فرصًا جديدة للفنانين بشرط التكيف. ويقول جيندرو، الذي اعتاد العمل في بيئة موسيقية غير مستقرة منذ أوائل القرن الحادي والعشرين، إنه تبنّى استخدام الذكاء الاصطناعي، ويتوقع أن يصبح “عنصرًا أساسيًّا دائمًا، لأنه غير مكلف وعملي”.

ولمساعدة طلابه على مواجهة الواقع الجديد، يدرّس جيندرو في محاضراته أن “الموسيقى ليست سوى جزء من المعادلة”، داعيًا إياهم إلى تنمية روح ريادة الأعمال، وتوسيع مهاراتهم، ومزاولة أنشطة متنوعة.

من جهته، يحاول ليو سيدران الحفاظ على روح إيجابية رغم التحولات المتسارعة، ويقول إن هذه التحديات تُمثل “فرصة للفنانين لإبراز ما يميزهم”، مضيفًا: “لا تحاولوا تقديم شيء متوقّع، لأن الذكاء الاصطناعي سيفعله أيضًا”.

المصدر: الفرنسية

إعلان