فنجان قهوة “مصري”.. إنجاز علمي ناجح أم سراب؟

يستهلك المصريون يوميا ملايين الأكواب من القهوة لاستعادة نشاطهم، أو للاستيقاظ بعد نوم غير كاف، أو باعتبارها عادة صباحية دافئة ولذيذة، ومع ذلك لم يعتد أحد منهم أن يتساءل عن نشأة وكيفية زراعة قهوته، أو لماذا لا تزرع مصر حبوب البنّ.

لكن هذا السؤال طُرح على نطاق واسع في الأيام الأخيرة، ففي ظل ارتفاع أسعار البنّ بنسبة تتخطى 60% عن العام الماضي، وانتشار مقاطع فيديو عن طرق تحايل بعض التجار على هذا الارتفاع بخلط البنّ بحبوب أخرى، نشر زراعيون وناشطون على منصاتهم صورًا لحبوب بنّ مصرية نجحت محطة بحوث البساتين بالقناطر الخيرية التابعة لمركز البحوث الزراعية في زراعتها وحصاد أول محصول منها بعد رحلة من البحث والتجريب.

لم يكن التريث سهلًا على الجمهور المتعطش لتوفر البنّ الجيد والرخيص، فراح بعضهم يتخيل مذاق القهوة المصرية، وتساءلوا: هل ستتجه الدولة إلى التصدير بدلًا من الاستيراد؟

الحماس نفسه على الأغلب كان وراء تسريب الخبر والصور مبكرًا من قبل العاملين بالمحطة، قبل الإعلان الرسمي، هذا ما أوضحه للجزيرة مباشر الدكتور عادل عبد العظيم رئيس مركز البحوث الزراعية، الذي قال إن الوزارة لا تعلن بشكل رسمي عن أية نتائج إلا بعد انتهاء التجربة.

وفي حالة محصول البنّ فإن التجربة بحسب عبد العظيم لم تنته بعد، فيجب أن تخضع الحبوب المنتجة لتحليلات كيميائية لمعرفة خواصها ومدى جودتها، إضافة إلى تحميصها وطحنها لاختبار مذاقها.

ويضيف عبد العظيم أن “ثورة المناخ” قد تمكن البلاد من زراعة محاصيل لم تكن تزرعها في السابق، مستدركًا بأن نجاح زراعتها لا يعني أن تكون جيدة الطعم أو مجدية اقتصاديًّا من حيث الكمية المنتجة وفاعليتها في الاستهلاك.

وشدد عبد العظيم على ضرورة دراسة هذه الجوانب قبل الإعلان الرسمي عن الإنجاز، حتى لا يُخدع المزارعون بأخبار أولية ويخوضوا على أساسها مغامرة غير محسوبة، ويستثمرون أموالهم وأراضيهم في تجربة قد لا تؤتي النتائج المرجوة منها.

ويؤكد نادر نور الدين الأستاذ بكلية الزراعة وجوب التريث قبل إعلان أي نتائج، ويقول إنه لا يرى احتمال صلاحية حبوب البنّ المزروعة في مصر للاستهلاك، مستشهدًا بفشل زراعتها قبل أكثر من ثلاثة عقود، حينما أهدى اليمن إلى مصر عددا من الشتلات، فتلف معظمها بسبب عدم ملاءمة البيئة، وعدم القدرة على توفير الظروف المثالية لزراعتها.

وأشار نور الدين إلى فشل تجربة لزراعة الشاي محليًّا، إذ نتجت عنها أوراق شاي ذات طعم غير مستساغ، مؤكدًا أن التوزيع الطبيعي للمحاصيل لا يمكن تعديله، فما هو استوائي سيظل استوائيًّا.

وصحح نور الدين مفهوم المناخ الاستوائي بأنه ليس الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، وإنما تتميز سماته بهطل الأمطار طوال العام، وبأمطار صيفية في درجات حرارة تتراوح بين 30 و35 درجة مئوية، وهذه ظروف لا توجد في مصر طبيعيًّا، وإذا تم توفيرها اصطناعيًّا فستكون تكلفة الإنتاج أعلى من تكلفة الاستيراد بحسب نور الدين.

وعلى مسافة ساعة ونصف شمال شرق القناطر الخيرية التي أجريت فيها تجربة زراعة البنّ، تقع في الإسماعيلية مزرعة أحمد الحجاوي، وهو مهندس إلكترونيات يهوى الزراعة، ويهوى تحديدًا إنجاح زراعة الثمار الاستوائية.

نجح الحجاوي بعد محاولات دامت 6 سنوات في حصاد محصول جيد كمًّا وكيفًا من البنّ، بحسب وصفه، في رحلة قامت على التجربة والخطأ.

ويحكي المزارع الهاوي تجربته للجزيرة مباشر، إذ بدأ بشتلات يمنية من نوعين، هما اليافعي والخولاني، لكن قلوية التربة المصرية كانت أولى التحديات التي واجهته، فنموّ البنّ يحتاج إلى تربة حامضة.

استخدم الحجاوي أسمدة خاصة للوصول إلى الحمضية المطلوبة، وبدأت الشجيرات تنمو لكنها كانت تحترق من أشعة الشمس المباشرة، فجرّب “الشمس المغربلة” أو غير المباشرة عبر زراعة الشتلات تحت أشجار دائمة الخضرة مثل أشجار المانغو، أو الاستعانة بشباك للتظليل.

في النهاية، نجحت تجارب الحجاوي بعد محاولات في إنتاج ما يصل إلى 5 كيلوغرامات من حبوب البنّ للشجرة الواحدة، وهو نفس معدل الإنتاج في مواطن البنّ الأصلية، أما عن جودة المحصول فيقول أحمد إن الثمرة الواحدة تحتوي على بذرتين فقط، وهو دليل على جودتها، مردفًا أنه جرّب تكثيف وتحميص الثمار وطحنها فكانت جيدة المذاق مقارنة بالبنّ المتوفر في الأسواق، إلا أنه أوضح أنه لا يستهدف بيع المحصول في هذه المرحلة، لافتًا إلى اكتفائه ببيع الشتلات والاحتفاظ بالحبوب لصعوبة الحصول على حبوب صالحة للزراعة، ليتمكن من التوسع في زراعة مساحة أكبر، ويحقق هدفه بإنتاج أول علامة بنّ مصري.

وفي المقابل علّق نادر نور الدين على تجربة الحجاوي نافيًا إمكانية الحكم على جودة المحصول أو ملاءمته إلا بعد عرضه على وزارة الزراعة لدراسته، ثم تسجيله رسميًّا إذا كانت النتائج مبشّرة، مشيرًا إلى أن ما دون ذلك يظل في نطاق الهواية والتجارب الشخصية التي لا يمكن القياس عليها.

المصدر : الجزيرة مباشر