المطلب الجديد القديم.. هل تتجه تركيا نحو دستور جديد بعد تصريحات أردوغان؟

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (الأناضول)

عام حافل في تركيا، شهد أقوى انتخابات رئاسية وبرلمانية، الصيف الماضي، إضافة إلى الانتخابات البلدية، في ربيع العام الجاري، ولا تزال الأجواء ساخنة بالحديث عن الحاجة إلى وضع دستور جديد للبلاد، حسب اتجاه التحالف الحاكم.

تحالف حاكم يقال إنه يسعى لحشد الدعم لتعديلات دستورية عبر تشكيل تحالفات حزبية، تساعد على تمرير المشروع، من خلال تأمين موافقة ثلثي أعضاء البرلمان المكون من 600 عضو، لإتمام الخطوة.

دستوريًّا، يستلزم طرح استفتاء على مسودة الدستور، موافقة 360 نائبًا على الأقل من أعضاء الجمعية التشريعية الكبرى (البرلمان التركي)؛ ولذلك فلا يمكن التحالف الحاكم تمريرُ مسودة التعديلات الدستورية عبر كتلته النيابية وحدها.

فلدى التحالف الحاكم 323 عضوًا فقط في البرلمان؛ مما يجبره على البحث عن داعمين لمشروع التعديلات، الذي لا يحظى بإجماع حزبي برلماني، في ظل اعتراض قوى حزبية وسياسية على ما يطرحه التحالف الحاكم.

مطلب أردوغان

جدد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، دعوته إلى تغيير الدستور الحالي، الذي كتبه “الانقلابيون” بدستور آخر مدني، تجري صياغته باتفاق من قبل الأحزاب السياسية المختلفة والحكومة، قائلًا: “دساتير الانقلابات لم تعد تليق بتركيا الجديدة”.

تصريحات أردوغان جاءت على هامش ندوة “دستور القرن التركي.. الدستور المدني وتركيا القوية”، في جزيرة الديمقراطية والحريات، غرب إسطنبول، على هامش الذكرى الـ64 لانقلاب 27 مايو/أيار 1960 ضد حكومة عدنان مندريس.

أكد أردوغان أنه من الإحراج أن تمر الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية بدستور انقلابي: “لا يمكننا أن نلحق هذا العار بأمتنا بعد الآن، اليوم تتمتع الديمقراطية التركية بالنضج والقوة، وهي تمكننا من وضع دستور مدني من خلال البرلمان”.

يرى أردوغان أن تركيا، تعاني مشكلات عدة بسبب الدستور الحالي، خاصة المناقشات بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، حتى ظهرت بعض التوترات بين الهيئات القضائية العليا، إذ يقول أردوغان: “سمح لأحد بأن ينصب كمينًا لديمقراطيتنا وإرادتنا الوطنية”، مشددا على أن الدستور الحالي لم يراع هموم الأمة: “حكومتنا، تعرضت لأكبر عدد من المحاولات الانقلابية في التاريخ السياسي”.

مطلب المعارضة

مع بداية شهر مايو 2024، فوجئ الجميع بزيارة زعيم حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزال، للرئيس أردوغان، بمقر حزب العدالة والتنمية في أنقرة، ووصف الطرفان اللقاء بأنه إيجابي، إذ ناقشا ملفات داخلية وخارجية ذات أهمية كبرى.

واستحوذ تغير الدستور الجديد على أولويات الرئيس أردوغان، وهو يطالب بوضع دستور مدني ليبرالي جديد، عبر الحوار مع أحزاب المعارضة، وأشار أوزال إلى أن محادثات الدستور الجديد يجب أن تكون مبنية على حسن النية.

وأوضح رئيس أكبر أحزاب المعارضة التركية أنه سيدعم دستورًا ينسجم مع قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

رغبة قديمة

أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بهشتة شهير، محمد تشليك، قال للجزيرة مباشر: “رغبة تركيا في وضع دستور جديد ليست مطلبًا جديدًا، فطوال الـ200 عام الماضية، ظلت تركيا تحاول أن تصبح دولة دستورية”.

ويشير تشليك إلى أن “هذا الاتجاه جزء من عملية التحديث السياسي، لذا، فالمطالبة بتغيير الدستور ليست وليدة اليوم، فالدستور الحالي، مواده صناعة انقلابية.. تم وضعه داخل هيكل بعد انقلاب عام 1980 ضد الهيكل الديمقراطي في تركيا”.

وأردف: “مواد الدستور الحالي لا تناسب تركيا الأكثر نضجًا اليوم، المطالبة بتغيير الدستور ليست فقط مطلب حزب العدالة والتنمية، فالدستور الأكثر مدنية وديمقراطية في الأساس مطلب جميع الأحزاب تقريبًا”.

ونبه تشليك إلى أنه بطبيعة الحال، فإن المطالبة بوضع دستور جديد لا تعني أن نتخلص تمامًا من الدستور الحالي ونستبدله بدستور جديد، لكن ما يتم الآن هو محاولة لجعل الدستور الحالي أكثر ملاءمة لظروف اليوم.

كما أكد أن تعديلات الدستور الجديد لن تتم عبر حزب العدالة والتنمية بمفرده، لذلك يقوم رئيس مجلس النواب نعمان قورتولموش بزيارة الأحزاب واستطلاع آرائهم حول الدستور الجديد، فالمسألة في الحقيقة مسألة قانونية وفنية وليست سياسية، من وجهة نظره.

وأوضح تشيلك أن النقطة الأكثر أهمية هنا، هي أنه رغم تغيير مواد دستورية عدة، فإن العقلية العسكرية هي التي صنعت الدستور الحالي، لذلك ينبغي أن يكون هناك فكر مشترك وتتم صياغة دستور مدني.

واستدرك: “حتى تواصل تركيا قرنها الثاني على أسس دستورية أكثر ديمقراطية، على جميع الأطراف المشاركة في صياغة دستور جديد، وفق متطلبات ومتغيرات اجتماعية وسياسية واقتصادية، حتى تتمتع تركيا بمستقبل أكثر ديمقراطية تحافظ فيه على الحريات والحقوق بشكل أكثر قوة”.

مطالب الأحزاب المختلفة

وتباينت مواقف الأحزاب السياسية المعارضة المختلفة، لكنها اتفقت على ضرورة تغيير الدستور الحالي مع بعض الشروط، فزعيم حزب الجيد الجديد موساوات درويش أوغلو صرح بضرورة العودة من النظام الرئاسي الذي أقره استفتاء عام 2017 إلى النظام البرلماني.

وبشأن تصريحات الرئيس أردوغان بنقد الذات، قال درويش أوغلو: “إذا كان المقصود بالنقد الذاتي العودة إلى الديمقراطية البرلمانية، فسننظر إلى الأمر بشكل مختلف، لكننا لن نسمح بمراجعة من شأنها ترسيخ النزعة الواحدة”.

ووفق وسائل إعلام تركية فإن هناك خلافات بشأن حرية اللباس والمعتقدات، خاصة فيما يتعلق بصيغة الجملة المتعلقة بالحجاب، إذ أوضحت مصادر مطلعة داخل حزب الشعب الجمهوري ضرورة أن تكون الجملة “بما في ذلك تغطية رأسها من عدمه”، والبعض الآخر يرى أن تكون “تغطية رأسها بسبب معتقد ديني”.

أما فيما يخص الوظائف الحكومية وموضع الحجاب فيها، فهناك مقترحات مفادها جملة “أخذ الاحتياطات اللازمة على ألا تمنع المرأة من تغطية رأسها”.

مواد غير قابلة للتعديل أو النقاش

وسيتم طرح الدستور كاملًا للنقاش والتجديد، باستثناء المواد الأربع الأولى، وهي المادة الأولى التي تنص على أن تكون تركيا دولة جمهورية، والمادة الثانية المتعلقة بخصائص الدولة وتنص على أن جمهورية تركيا دولة قانون ديمقراطية علمانية واجتماعية تقوم على المبادئ الأساسية المنصوص عليها فيما يخص سلام المجتمع والتضامن الوطني ومفهوم العدالة، وتحترم حقوق الإنسان ومخلصة لقومية أتاتورك.

والمادة الثالثة التي تتعلق بوحدة الدولة ولغتها الرسمية وعلمها ونشيدها الوطني وعاصمتها، وتنص على أن دولة تركيا بشعبها وأرضها وحدة لا تتجزأ، ولغتها هي التركية، وشكل علمها محدد في القانون وهو علم أحمر بهلال أبيض ونجمة، ونشيدها الوطني هو “نشيد الاستقلال”، وعاصمتها أنقرة.

والمادة الرابعة التي تتعلق بأحكام لا يمكن تغييرها وتتمثل في المواد الثلاث الأولى من الدستور التركي، ولا يمكن التقدم بمقترح لتغييرها.

المصدر : الجزيرة مباشر