في 6 خطوات.. كيف نتحدث مع أطفالنا عن الحرب دون الإضرار بصحتهم النفسية؟

إثر الحرب على غزة ومشاهد القتل والدمار

المستشارة النفسية د. وفاء أبو موسى تدعم الأطفال والمراهقين خلال نشاط تعريفي بفلسطين (الجزيرة مباشر)

في عالم يدور على أرضه العديد من الصراعات، ينتهي الأمر بالكثير من الأطفال إلى السماع حتمًا عن الحرب ورؤية لقطات إخبارية أو صور على شاشة التليفزيون أو مقاطع فيديو عبر الإنترنت، سواء عن قصد أو عن غير قصد.

يتأثر الأطفال سلبًا بهذه الأحداث خاصة مع تصعيد الهجوم والحصار التام لقطاع غزة بفلسطين منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ويبدو الأمر وكأن الأزمة تحيط بهم في كل مكان، ويشعرون بالخوف والحزن والغضب، حتى ولو لم يكن لديهم أي ارتباط شخصي بالأحداث.

الحرب في عيون الأطفال

دراسة أمريكية نشرتها دورية السلوك البشري عام 2021، أشارت إلى أن مجرد مشاهدة التغطية الإخبارية للكوارث والأزمات يمكن أن تثير مشاعر القلق، وتحفز استجابات في أدمغة الأطفال قد تعرضهم لأخطار اضطراب ما بعد الصدمة.

وحسب الدراسة، تنقل هذه الأخبار رؤية مشوَّهة للعالم في عيون الأطفال، وتفقدهم الشعور بالسلامة والأمان، وتعطل تنمية الشعور بالتفاؤل.

فكيف نتحدث مع أطفالنا عن قضايا الدول المجاورة دون الإضرار بصحتهم النفسية؟

للإجابة عن هذا السؤال، توضح المستشارة النفسية الدكتورة وفاء أبو موسى للجزيرة مباشر أن الأطفال الصغار لم يكتمل نموهم المعرفي بالقدر الذي يسمح بفهم أحداث ضخمة مثل الحرب ومشاهد الدمار والعنف.

وتضيف “مع حرص الوالدين على تنشئة تربوية سليمة لأطفالهم وتثقيفهم بما يحدث من حولهم ضمن تطوير بنائهم النفسي والمعرفي، ينبغي ربطهم بقضايا الدول المجاورة بشكل إنساني بعيدًا عن مشاهد التدمير والحرب قدر المستطاع”.

المستشارة النفسية الدكتورة وفاء أبو موسى (الجزيرة مباشر)

التركيز على الجوانب الإنسانية

وتقول المستشارة النفسية إنه من المهم عند الحديث عن القضية الفلسطينية مثلًا، البدء بتعريف الأطفال بالحياة المدنية لهذا الشعب وصولًا إلى الصورة الاستعمارية التي هو عليها الآن من خلال:

  • تعريفهم بالمعالم الحضارية لفلسطين وما تشتهر به، بداية من نباتات الأرض مثل الزيتون والحمضيات والعنب والتمر وعطر المرامية والزعتر، ويمكن إحضار ثمار وأوراق لهذه الأشجار واختبارها بأنفسهم أو الاعتماد على صور من الإنترنت.
  • مناقشة “الفولكلور” والتراث الشعبي الفلسطيني، ويشمل أكلاتهم الشعبية وأزياءهم المميزة والمطرزات الفلسطينية، والدبكة الشعبية، مع تشغيل الموسيقى الخاصة بها ومحاولة تقليد حركاتها.
  • الحديث عن أهم مدينة بفلسطين وهي مدينة القدس، وكذلك المسجد الأقصى ومكانته الدينية، ومن ثم إحضار خريطة مجسمة للعالم العربي وتوضيح موقع فلسطين بالنسبة لبلدهم.
  • الانتقال إلى حياة الأطفال وكيف يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي ومدى حرمانهم من أبسط حقوقهم في الذهاب إلى مدارسهم أو اللعب أو ممارسة هواياتهم، وكيف حُرموا من منازلهم، مع توضيح المعنى المبسط لكلمة “احتلال”، ويُفضَّل التعبير باستخدام كلمة “حرمان” بدلًا من عرض مشاهد دامية.
  • توجيه الطفل إلى تبني استراتيجيات الدعم والتضامن مع أطفال الحرب، إذ يشعر الأطفال بالأمان والثقة عندما يكون في استطاعتهم تقديم المساعدة ولو بالدعاء كأبسط وسيلة، ومن أشكال التضامن، المشاركة بجزء من أموال الطفل الخاصة أو بعض ملابسه وألعابه أو تنظيم حملة جمع مواد غذائية مع باقي زملائه أو المشاركة في الأعمال التطوعية لتعزيز سلوك مساعدة الآخرين، مثل التعرف على أطفال اللاجئين الذين سمحت لهم الظروف بالخروج من بلدهم ومشاركتهم الأنشطة والألعاب الجماعية.
  • منح الطفل فرصة التعبير عما بداخله من خلال الكتابة أو الفن، كالمشاركة في تقديم العروض الغنائية والمسرحية أو الرسم، مثل رسم المسجد الأقصى وتدوين مشاعر الطفل تجاهه، أو رسم العلم الفلسطيني والتعرف على ألوانه بجوار العلم الوطني كدليل على الأخوة والتضامن.
أطفال فلسطينيون يحاولون تدبير احتياجاتهم من مياه الشرب مع استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة (رويترز)

الأثر النفسي لمشاهد الحرب والدمار

وفي تعليقها على بكاء الصغار وتأثرهم إثر مشاهدة مقاطع فيديو لأطفال غزة عقب عمليات قصف، تعترض أبو موسى على متابعة الأطفال أقل من 12 عامًا لأخبار الحرب والقصف بشكل مباشر لما له من انعكاسات سلبية أبعد من مجرد البكاء، ومنها:

  • آثار معرفية، وتشمل ضعف التركيز والشرود الذهني وتراجع التحصيل الدراسي.
  • آثار سلوكية، إذ يميل الطفل إلى السلوك العدواني وقد يصير انطوائيًّا أو يعاني اضرابات النوم والكوابيس الليلية والقلق المستمر الذي يظهر في صورة قضم الأظافر أو مص الإصبع.
  • آثار نفسية، ومنها القلق والاكتئاب، مع مراعاة أن الأطفال أكثر عرضة لتجسيد ضائقتهم النفسية، وقد يظهر قلقهم على شكل ألم في المعدة أو صداع.

عوامل تشتيت إيجابية

وتلفت أبو موسى إلى ضرورة إجراء تفريغ نفسي للطفل حال تعرضه لمشاهد الحرب عن طريق تعزيز عوامل تشتيت إيجابية مثل اللعب معه أو الذهاب في نزهة على الأقدام معًا أو قراءة قصة، ويساعد ذلك في بناء مشاعر الأمان والتواصل، ويمثل فرصة لاستعادة الطفل هدوءه إذا أثارت الأخبار أيًّا من مشاعر الخوف والقلق، وكذلك يمكن ممارسة تمارين التنفس وتقنيات الاسترخاء.

وتستكمل “أمّا الأطفال في عمر 12 عامًا فأكثر، فتكون قدراتهم الفكرية والعاطفية قد بدأت بالتطور، ويمكنهم متابعة التغطيات الإخبارية، والتعرف على القضية بشكلها الواقعي بالتدريج مع التعريف بالمستعمر والمعتدي والحديث عن الحق في الأرض وتاريخ مقاومة الشعب الفلسطيني نحو 70 عامًا، حتى يتمكن الطفل من تحليل الحقائق وربط الأحداث ببعضها وممارسة التفكير النقدي بما يعزز تكوين رأي إنساني حقوقي تجاه الأحداث”.

وتختم المستشارة النفسية بنصيحة الوالدين كليهما بعدم المبالغة في إظهار مخاوفهما والانتباه إلى تعبيرات الوجه والكلمات، لأن الأطفال يتلقون إشاراتهم العاطفية من الكبار، مع تذكير الطفل أنه في مأمن من أي خطر، وأنه يمكنه دائمًا مشاركة أفكاره ومشاعره مع أحد الوالدين.

المصدر : الجزيرة مباشر