استغرق عاما كاملا.. تحقيق للغارديان يكشف شبكات اليمين المتطرف على “فيسبوك” في بريطانيا

قالت صحيفة “الغارديان” البريطانية إنها كشفت، عبر تحقيق استغرق عاما كاملا، عن “مجتمع إلكتروني يتبادل خطابا معاديا للمهاجرين ومعلومات مضللة”.
وأوضح التحقيق الذي نشرته الغارديان أن مجموعات يمينية متشددة تشكّل “محركا للتطرف” على “فيسبوك” في المملكة المتحدة، وذلك بنشر أفكار تمثل بيئة خصبة للمعلومات المضللة، الأمر الذي يدفع إلى التطرف في معاداة المهاجرين.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ستارمر يعلق على تصريحات ترامب بشأن تطبيق الشريعة في لندن
- list 2 of 4تحت ضغوط ملف الهجرة.. ستارمر يغير موقفه من قوانين تمنع ترحيل اللاجئين
- list 3 of 4مفكر أمريكي: فكرة حكم توني بلير لقطاع غزة “محزنة وتثير السخرية”
- list 4 of 4أسطول الصمود.. إسبانيا تستدعي القائمة بأعمال السفارة وبريطانيا “قلقة للغاية” بعد اعترض إسرائيل للسفن
وأشارت الصحيفة إلى أعمال الشغب التي قام بها اليمين المتطرف في عدد من المناطق في بريطانيا في صيف عام 2024، وتضمنت هجمات على مساجد وفنادق تؤوي طالبي اللجوء، وقعت بعد انتشار أخبار كاذبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بارتكاب “مسلم مهاجر” لعملية طعن جماعي لعدد من الأطفال، واتضح بعدها أنها معلومات كاذبة، إذ أعلنت الشرطة البريطانية أن من قام بقتل 3 فتيات صغيرات في مدينة “ساوث بورت” البريطانية هو أكسيل روداكوبانا، وهو شاب من أسرة مسيحية ذات أصول إفريقية، ولم يهاجر، بل ولد وتعلم في بريطانيا.
وكانت أعمال الشغب صادمة ومروعة، وخصوصا أنها نُفذت إلى حد كبير من قِبل سكان محليين لا ينتمون إلى منظمات يمينية متطرفة معروفة.
ورفض بعضهم أصلا وصفهم بـ”اليمين المتطرف”، ورفعوا لافتات كتب عليها “لسنا يمينا متطرفا، نحن فقط على حق”.
شبكات واسعة لليمن المتطرف
وقالت الصحيفة البريطانية إنها بدأت تحقيقها بتتبع نشاط نحو 24 شخصا، وُجهت إليهم اتهامات بجرائم إلكترونية مرتبطة بأحداث شغب صيف 2024، معظمها بسبب منشورات على “فيسبوك”.
وأوضحت أنها تتبعت الحسابات العامة لهؤلاء الأشخاص على “فيسبوك”، ووجدت أنهم ينشطون في مجموعات عامة، ومنهم أعضاء في 3 مجموعات بلغ عدد أعضائها 267 ألفا.
واكتشفت الصحيفة خلال تحقيقها شبكة أوسع تضم ما لا يقل عن 16 مجموعة مرتبطة بهؤلاء الأشخاص، يتجاوز مجموع أعضائها 600 ألف شخص، ويتزايد عدد أعضائها بشكل أسبوعي.
واستعانت “الغارديان” بنموذج لغوي ضخم للذكاء الاصطناعي، عبر أداة لشركة “أوبن أيه آي” الأمريكية، بغرض تحليل 51 ألف منشور في 3 من أكبر هذه المجموعات، قبل أحداث شغب صيف 2024، وأثناءها وبعدها، لفهم طبيعة النقاشات التي شارك فيها المتهمون أو المدافعون عنهم.
ورصدت الصحيفة في تحقيقها بعض السمات المشتركة بين مرتادي هذه المجموعات على “فيسبوك”، ومن أبرزها:
1- انعدام الثقة بالمؤسسات:
نحو 40% من المنشورات تضمنت انتقادات حادة للحكومة ومؤسساتها، مصحوبة بلغة ازدراء وتجريد من الإنسانية.
ووصفت هذه المجموعات الأحزاب الكبرى، ومن بينها حزب العمال وحزب المحافظين، بـ”الخونة”، فيما اتهمت الشرطة والقضاء بأنها أنظمة “ذات معايير مزدوجة”، وقالت إن الإعلام “تحت السيطرة”، وحتى هيئة الإنقاذ البحري وُصفت بأنها “خدمة تاكسي” للمهاجرين.

ويرى الخبراء أن هذه اللغة لا تقتصر على النقد السياسي الطبيعي، بل تتجاوزه إلى نزع الشرعية عن المؤسسات واعتبارها أعداء للأمة.
ويشير ساندر فان دير ليندن، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة كامبريدج، إلى أن هذا الخطاب يعيد إنتاج أساليب الفاشيين عبر التاريخ في تقويض المؤسسات الديمقراطية.
2- شيطنة المهاجرين
شكّلت الهجرة أحد أكثر الموضوعات تداولا داخل هذه المجموعات، إذ احتوت عينة التحقيق على 4718 منشورا معاديا للمهاجرين، بعضها صوّر المهاجرين كخطر إجرامي أو ثقافي، فيما لجأ آخرون إلى لغة مشفرة مثل الحديث عن “عصابات الاستغلال” أو “غزو” البلاد.
وحذرت الباحثة جوليا إبنر، من أن هذا النمط من الخطاب يشكّل جزءا من “كوكتيل سام” يمكن أن يفضي إلى أعمال عنف.
ومن جانبها قالت أنكي ديو، من منظمة “أمل لا كراهية” الحقوقية، إن حزب الإصلاح، الذي يتزعمه نايجل فاراج، هو المستفيد الرئيس من فقدان الثقة بالمؤسسات وكراهية المهاجرين.
وأضافت أن الحزب جزء من منظومة أوسع نطاقا تضم قناة “جي بي نيوز”، ومؤثرين في مواقع التواصل الاجتماعي، وجماعات سياسية يمينية متطرفة تقوم بإلقاء اللوم على المهاجرين في مشكلات كثيرة.
3- التركيز على هوية البريطاني الأبيض
ركزت منشورات كثيرة على هوية “البريطاني الأبيض المسيحي” باعتبارها مهددة، مع تصوير البريطانيين البيض كأنهم “مواطنون من الدرجة الثانية”.
ويقول الخبراء إن تكرار هذه الرسائل “يعزز الأوهام ويحولها لحقيقة”، إذ يبدأ العقل بتصديق ما يُكرر مرارا.
ترى إبنر أن هذا الشعور بالتهديد الوجودي والاندماج الكلي مع الجماعة القومية يمكن أن يدفع بعض الأفراد نحو تبني العنف.

4- رفض صفة “اليمين المتطرف”
على الرغم من وجود إدانات محدودة لأعمال الشغب، برزت مئات المنشورات التي اعتبرتها “احتجاجا مشروعا”، أو دفاعا عن حرية التعبير.
ورأى كثيرون أن اتهامهم باليمين المتطرف ليس سوى وسيلة لإسكات أصواتهم، فيما ذهب آخرون إلى تبني الوصف وربطه بـ”الفطرة السليمة” أو “الفخر الوطني”.
ويشير الخبراء إلى أن الفضاء الإلكتروني منح هذه السرديات قوة مضاعفة بفضل الخوارزميات وسرعة الانتشار.
5- بوابة إلى نظريات المؤامرة
أحد أبرز الأنماط التي رصدها تحقيق “الغارديان”، هو انتشار نظريات المؤامرة مثل ما يعرف بنظرية “الاستبدال الكبير” التي تقوم على أنه يتم استبدال الأوروبيين البيض بمهاجرين من أعراق أخرى.
ويقول الباحثون إن هذه الأفكار تجد أرضًا خصبة بسبب طبيعة متلقيها، إذ يتشارك الأعضاء قناعاتهم مع آخرين متشابهين، قبل أن يقودهم بعض “القادة” نحو سرديات أكثر تطرفا.
وأفادت “الغارديان” أنه بحلول 29 يوليو/تموز 2025، بلغ عدد أعضاء هذه الشبكة من المجموعات أكثر من 611 ألفا، مع احتمالية تكرار العضويات عبر أكثر من مجموعة.
ويرى الخبراء أن ما يجري على “فيسبوك” يعكس حالة مقلقة من تطبيع الخطاب اليميني المتطرف، إذ تتحول هذه المنصات إلى ساحات تُضخّم الكراهية، وتغذي نزعات العداء والعنف.