عضو بعثة تقصي الحقائق في السودان: فظائع الفاشر تفوق كل ما شهدناه من قبل (فيديو)

أكدت منى رشماوي، عضو بعثة تقصي الحقائق في السودان، أن ما وصل إلى البعثة من شهادات حول الجرائم المرتكبة في مدينة الفاشر يبعث على القلق الشديد، مشيرة إلى وصول تقارير مباشرة وأخرى منشورة على منصات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى شهادات حية من ناجين وشهود عيان، وكذلك تحقق البعثة من عدد من المقاطع المصورة.
وأوضحت، في حديثها للجزيرة مباشر، أن ما كشفته هذه المصادر يعكس وضعًا بالغ الخطورة، إذ تتكرر الأحاديث عن عمليات قتل جماعي، وإعدامات ميدانية، واغتصابات في أماكن عامة، ونهب واسع للممتلكات، وتدمير ممنهج للبنية التحتية، فضلًا عن التعذيب والاختفاءات القسرية واعتقالات عشوائية تركت كثيرين لا يعلمون مصير أبنائهم.

فظائع الفاشر
واعتبرت أن الوضع في الفاشر مأساوي، خاصة مع نزوح ما يقارب مئة ألف شخص من المدينة التي ما زالت تضم مئات الآلاف، مؤكدة القلق العميق على المدنيين وما يتعرضون له هناك.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4المستشار القانوني لقائد الدعم السريع: الجيش السوداني يرتكب الجرائم ثم ينسبها إلينا (فيديو)
- list 2 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 3 of 4أنطوني غوتيريش يدين الهجوم على قوات حفظ السلام في مدينة كادقلي
- list 4 of 4ديوان السودان.. كرة القدم متنفس يعيد الإحساس بالهوية والانتماء
وفي ما يتعلق برد قوات الدعم السريع على هذه التقارير، أشارت منى رشماوي إلى جلسة مجلس حقوق الإنسان التي عقدت يوم الجمعة الماضية والتي صدر عنها قرار بالإجماع يطالب المجتمع الدولي والبعثة بالتحقق من الادعاءات المذكورة.
وأضافت أن البعثة تعمل بالفعل على التحقيق في الانتهاكات وسترفع تقريرها إلى المجلس مطلع العام القادم. وأكدت أن الأولوية الملحّة الآن تتعلق بوقف سفك الدماء، وحماية المدنيين، وإدخال المساعدات الإنسانية، ووقف المجاعة، ووقف الاعتداءات على المستشفيات والمراكز الطبية، إضافة إلى توفير المياه والمواد الطبية والأمن لسكان الفاشر.
ورأت منى رشماوي أن هذه التزامات يمكن لقوات الدعم السريع الوفاء بها لو أرادت، مشيرة إلى أن ما تورده التقارير من أفعال منسوبة إليها يمثل جرائم بالغة الخطورة تستوجب التوقف الفوري.
مسؤوليات الأطراف
وعند سؤالها عن ما إذا كانت التقارير تحمل المسؤولية لطرف واحد فقط أم للطرفين، أوضحت منى رشماوي أن البعثة أجرت التحقيقات على مراحل مختلفة منذ بداية الحرب، وأن الانتهاكات التي وثقتها في بدايتها كانت بالفعل خطيرة، لكن ما يجري اليوم أبشع بكثير.
وخلال عامين من التحقيقات خلصت البعثة إلى وجود جرائم حرب واضحة، خصوصًا من جانب قوات الدعم السريع، حيث تترافق أماكن انتشارها مع عمليات قتل خارج نطاق القانون، وإعدامات، واغتصابات تستهدف النساء والفتيات وحتى الفتيان والرجال، بالإضافة إلى عمليات تجويع ونهب وتدمير للممتلكات، وكل ذلك يتكرر في كل منطقة مرت بها هذه القوات، وبصورة أسوأ في كل مرة.
وفي المقابل، توضح أن المشكلة الأساسية في أداء الجيش تتمثل في القصف، وهو في بعض الأحيان عشوائي ويصيب مناطق مدنية كالأسواق، مع تسجيل حالات اعتداء انتقامية على بعض المجتمعات بعد استعادتها من يد قوات الدعم السريع، كما حدث في قضية “”الكنابي”. ومع ذلك، تؤكد أن فظاعة ما سمعوه من شهادات حول ما قامت به قوات الدعم السريع لم يسبق أن صادفته في حياتها المهنية، وذكرت أن شهودًا تحدثوا عن مشاهد مروعة في المستشفى السعودي وفي جامعة الفاشر، إلى حد اضطرار أشخاص للسير فوق الجثث لعبور الطرق.
وأشارت منى رشماوي إلى أن متابعة الشأن السوداني تُظهر أن كثيرًا مما يجري يتكشف بشكل شبه فوري، وأن نفي الانتهاكات بعد أقل من 24 ساعة من وقوعها يفتقر إلى المصداقية، مؤكدة أن التعامل الجاد مع هذه الحقائق يتطلب التحقيق ووقف الانتهاكات والتعاون مع المجتمع الدولي ومحاسبة المسؤولين، لا إنكار ما تؤكده شهادات حيّة ومئات أو ربما آلاف التجارب المؤلمة، مشددة على أنها تتمنى ألا تكون هذه الوقائع صحيحة، إلا أن الشهادات التي استمعت إليها تتسم بمصداقية عالية.
و شددت على أن الحكومة مطالبة بالتصرف بمسؤولية تجاه شعبها، خاصة أن المجازر وقعت في الفاشر، وهي منطقة لا تسيطر عليها الحكومة.
تحقيق محايد
ورأت أن الحاجة ملحة إلى لجنة تحقيق دولية ومحايدة لتحديد ما جرى. وأوضحت أن الحكومة لم تقدم حتى الآن أي رد مفصّل أو تفنيد لما ورد في تقارير البعثة، مكتفية بالاعتراض على قرار مجلس حقوق الإنسان، بينما ترى أن البعثة ليست طرفًا في قرار تأسيسها بل أتت نتيجة قرار دولي أعقبته عملية تعيين أعضائها.
وأضافت أنها لم تسمع حتى الآن أي دليل ينفي مصداقية التقارير، بل على العكس، تجد أن السودانيين أنفسهم يرون في تقارير البعثة صوتًا يعبر عنهم، وأن الدعم الكبير الذي يقدمه المجتمع المدني السوداني يعكس الثقة في عملها. وأشارت إلى أن الدول في مجلس حقوق الإنسان أيدت تجديد ولاية البعثة بالإجماع، باستثناء السودان ودولتين أخريين أبدوا تحفظًا، بينما يدعم المجتمع الدولي جهود البعثة ويثني على عملها.
أما بخصوص التوصيات المرفوعة لمجلس حقوق الإنسان، فتؤكد منى رشماوي أن الأولوية القصوى هي وقف نزيف الدم، إلى جانب إدخال المساعدات الإنسانية ورفع أي عراقيل تعترض وصولها.
وشددت على أهمية المساءلة من خلال التعاون الصادق مع المحكمة الجنائية الدولية ومع بعثة تقصي الحقائق، وإنشاء محكمة خاصة تعمل إلى جانب المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة الآلاف المتورطين في الانتهاكات والجرائم في السودان.
كما تؤكد ضرورة تقديم الدعم للضحايا، لافتة إلى أن نصف سكان السودان أصبحوا نازحين داخل البلاد أو خارجها، وأن معاناتهم مضاعفة. وعبرت منى رشماوي، في ختام حديثها، عن شعورها العميق بمعاناتهم، مستندة إلى تجربتها الشخصية كونها فلسطينية عايشت النزوح واللجوء والانتهاكات، ما يجعلها تتفهم ما يمر به الشعب السوداني اليوم.
