البسمتي.. حرب بين الهند وباكستان على العلامة التجارية للأرز الأشهر عالميا

الأرز البسمتي يحظى بشعبية كبيرة في أسواق كثيرة
الأرز البسمتي يحظى بشعبية كبيرة في أسواق متعددة (رويترز)

منذ استقلال الهند وباكستان عن بريطانيا عام 1947، خاض البلدان حروبًا عدة، لكن ثمة معركة لم يستخدم فيها البلدان السلاح، ولم تُحسم حتى الآن، وهي المعركة حول الأرز البسمتي.

في مختلف أنحاء العالم، يظل الأرز البسمتي برائحته العطرية وحبوبه الطويلة الخيار المفضل لدى كثير من المستهلكين، ويحظى البرياني وغيره من الأطباق التي تعتمد على الأرز بشعبية واسعة.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

ومع الإقبال الكبير على الأرز البسمتي، تتنافس الهند وباكستان، وهما من أكبر منتجي هذا النوع من الأرز، على الحصول على الاعتراف الحصري بملكيته في الأسواق العالمية، وإثباته منتجًا وطنيًّا معترفًا به دوليًّا، مما يؤجج نزاعًا سياسيًّا واقتصاديًّا مستمرًّا.

صراع على ملكية “العلامة”

مؤخرًا، ظهرت تقارير تفيد بمساعي السلطات الهندية للحصول على الاعتراف الحصري بالأرز البسمتي بوصفه “منتجًا هنديًّا” في الأسواق العالمية، وهي خطوة تعارضها باكستان بشدة، وتؤكد إسلام آباد أن الأرز البسمتي يمثل جزءًا من التراث المشترك بين البلدين، مما يجدد النزاع على ملكية علامته التجارية.

وتتكرر المعركة ذاتها كل عام حيث تتصادم الهند وباكستان في الأسواق الدولية حول وضع العلامات التجارية وتصدير الأرز البسمتي، دون أي حسم حتى الآن.

في أوروبا.. القرار معلق

وفي أوروبا، لا يزال القرار بشأن وضع  المؤشر الجغرافي حصريًّا للأرز البسمتي معلقًا.

وكانت الهند قد تقدمت بطلب إلى الاتحاد الأوروبي للحصول على هذه العلامة التجارية، وهو ما اعترضت عليه باكستان رسميًّا، مؤكدة أن الأرز البسمتي لا يخص الهند وحدها.

وكشف وزير التجارة والصناعة الهندي بيوش جويال أمام البرلمان، نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2024، عن جهود هيئة تنمية صادرات المنتجات الزراعية والغذائية في حماية المؤشر الجغرافي للأرز البسمتي داخل الهند وخارجها.

وأوضح جويال أن الهيئة التابعة للوزارة اتخذت إجراءات قانونية متعددة عالميًّا لحماية علامة الأرز البسمتي، ونجحت في تسجيل المؤشر الجغرافي في 20 دولة، وحصلت على علامات الاعتماد في 9 دول، بينما تستمر الإجراءات في 34 دولة أخرى.

كما أكد جويال أن ثمة إجراءات قانونية جارية لمنع التسجيل غير القانوني لعلامات تجارية تنتهك حقوق “بسمتي”، موضحًا أن الهند تصدت لأكثر من 1200 محاولة تسجيل غير شرعي في 50 دولة، بهدف منع باكستان من المطالبة بالعلامة التجارية للأرز البسمتي عالميًّا.

التوسع في زراعة الأرز البسمتي أدى إلى تراجع جودته
التوسع في زراعة الأرز البسمتي أدى إلى تراجع جودته (رويترز)

إرث تاريخي

ورغم دعوات الهيئات التنظيمية الدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا، إلى إيجاد حل متفق عليه، فإن كلا الطرفين يرفض التراجع.

وفي حين رفضت أستراليا ونيوزيلندا طلب الهند بالحصول على حقوق ملكية الأرز البسمتي، لا تزال القضية في الاتحاد الأوروبي دون حل.

النزاع بين البلدين على الأرز البسمتي له أبعاد تاريخية، إذ يقول الباكستانيون إنه زُرع لأول مرة في منطقة البنجاب، وتحديدًا في مدينة حافظ آباد عام 1933، لكن البنجاب كانت في ذلك الوقت جزءًا من الهند البريطانية، مما دفع الهند إلى الادعاء أن لها الحق في المطالبة بالأرز البسمتي.

وأكد ساتيش جول، رئيس جمعية تصدير الأرز الهندية، للجزيرة مباشر أن الأرز البسمتي يُعَد من أشهر وأغلى أنواع الأرز عالميًّا، بفضل رائحته الفريدة وحبوبه الطويلة والنحيلة.

وأوضح جول أن الهند وباكستان ونيبال تُعَد من أبرز الدول المنتجة للأرز البسمتي، مشيرًا إلى تنوع أنواعه، وكل نوع يحمل رقمًا خاصًّا لتمييزه في الأسواق.

وأفاد جول بأن كلمة بسمتي معناها “عطري”، وتحمل أهمية ثقافية عميقة في الهند وباكستان.

ويُعتقد أن زراعة الأرز البسمتي في منطقة البنجاب تعود إلى أكثر من 2000 عام، وتشير السجلات إلى أن المغول في القرن السادس عشر اعتبروه طعامًا فاخرًا للملوك.

وفي ثلاثينيات القرن العشرين، اعترفت الإدارة الاستعمارية البريطانية رسميًّا بأول صنف قياسي من الأرز البسمتي. ولاحقًا، اكتسب هذا النوع من الأرز شعبية عالمية، بداية في الشرق الأوسط، ثم في أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث استهلكه المهاجرون القادمون من جنوب آسيا.

وخلال الحرب الهندية الباكستانية عام 1965، زعم مزارعون باكستانيون أن الجنود الهنود سرقوا بذور “بسمتي”، بينما ادعت الهند لاحقًا أن باكستان كانت تستنسخ أصناف الأرز الهندية الشهيرة.

ارتفاع الطلب على الأرز الباكستاني

تُعَد الهند اليوم أكبر منتج ومصدّر للأرز البسمتي في العالم، إذ تنتج ما بين 8 ملايين و12 مليون طن سنويًّا، تصدّر نحو ثلثيها.

في المقابل، تنتج باكستان نحو 9 ملايين طن من الأرز سنويًّا، منها 4.5 ملايين طن من الأرز البسمتي، تصدّر منها 1.5 مليون طن فقط، حسب مسؤول في “مؤسسة الأرز البسمتي”، الذي قال للجزيرة مباشر إن بيانات الأمم المتحدة تشير إلى أن الهند تحقق إيرادات سنوية تبلغ 6.8 مليارات دولار من صادرات الأرز العالمية، بينما تصل إيرادات باكستان إلى نحو 2.2 مليار دولار سنويًّا.

ولكن مع انخفاض إنتاج الهند من الأرز البسمتي في العام الماضي، ارتفع الطلب العالمي على الأرز الباكستاني، حسب الخبير في الشؤون الزراعية أفیناش تشاندرا.

وقال تشاندرا للجزيرة مباشر “ارتفعت صادرات باكستان بنسبة 95% بين يوليو/تموز 2023 وإبريل/نيسان 2024، لتصل إلى 5 ملايين طن، بقيمة 4 مليارات دولار، مقارنة بـ3.2 ملايين طن بقيمة 2.12 مليار دولار في العام السابق”.

وأضاف تشاندرا مستشهدًا ببيانات نشرتها وسائل إعلام باكستانية “شهدت صادرات الأرز الباكستاني إلى الأسواق الأوروبية ارتفاعًا ملحوظًا في الآونة الأخيرة، كما تضاعفت صادراتها من الأرز البسمتي إلى الاتحاد الأوروبي تقريبًا خلال السنوات الخمس الماضية”.

الأرز البسمتي ضحية المعركة

ومع استمرار النزاع التجاري بين الهند وباكستان بشأن الأرز البسمتي، يبدو أن الأرز نفسه أصبح ضحية لهذه المعركة، إذ بدأ يفقد رائحته العطرية المميزة التي اشتهر بها لعقود. وبينما أسهم التنافس بين البلدين في زيادة الإنتاج، تراجعت الجودة بشكل ملحوظ.

فيجيندر سينغ، مالك شركة “دلي باساند” وتاجر الأرز العطري في نيودلهي، أوضح للجزيرة مباشر أن الهند وباكستان شهدتا طفرة زراعية بعد التقسيم، مما عزز إنتاج الأرز البسمتي.

غير أن سينغ أشار إلى أن الاستخدام المكثف وغير المنضبط للمواد الكيميائية، إضافة إلى ارتفاع مستويات بقايا المبيدات الحشرية، أدى إلى تلاشي رائحة الأرز تدريجيًّا.

وأضاف سينغ “في الماضي، كانت رائحة طهي الأرز البسمتي تملأ المكان. أما اليوم، فيضطر الطهاة إلى الاقتراب من القدر لاستنشاقها”.

ودفعت هذه المخاوف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة إلى إصدار تحذيرات لكل من الهند وباكستان تتعلق بسلامة الأغذية.

ومع استمرار هذه التحديات، يبدو أن السباق بين البلدين لم يعد مقتصرًا على الأسواق، بل امتد إلى الحفاظ على هوية وجودة الأرز البسمتي الذي طالما شكل جزءًا من تراثهما الغذائي.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان