السودان.. اكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة وحالات انتحار.. آثار نفسية سلبية للحرب على المدنيين

من داخل إحدى دور الإيواء بشرق السودان تجلس نفيسة، وهي تلوذ بالصمت في عزلةٍ خلف جدران الدار، تفكر في تداعيات مقتل جميع أفراد أسرتها في إقليم دارفور على أيدي قوات الدعم السريع، رافضة كل محاولات الحديث معها.

ونفيسة ليست سوى نموذج لعشرات القصص التي تراوحت بين الإصابة بالاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، حيثُ يعيش بعض السودانيين تداعيات الحرب التي اندلعت منذ منتصف إبريل/نيسان 2023.

وكشف أطباء نفسيون تحدثوا للجزيرة مباشر عن زيادة معدل ارتياد العيادات النفسية وارتفاع حالات الاكتئاب ومعدل تعاطي المخدرات وإدمانها.

آثار مباشرة للحرب

وأكد وزير التنمية والرعاية الاجتماعية بولاية الخرطوم، صديق فريني، في حديث للجزيرة مباشر، وجود آثار مباشرة وغير مباشرة للحرب في السودان، بينها حالات انتحار، لكنه أشار إلى عدم وجود إحصائيات واضحة.

وقال المسؤول السوداني “هنالك حالات انتحار نتيجة التداعيات النفسية والتعرض للانتهاكات، سواء كانت انتهاكات شخصية أو لأحد أفراد الأسرة، وأعني هنا اغتصاب النساء وانتحارهن، أو انتحار الأب، أو الزوج أو الأخ، نتيجة تعرض نساء بيته للانتهاك أمامه”.

من جانبها، كشفت رئيسة قسم الصحة النفسية بولاية الخرطوم، ناهد عبد الرحمن، عن ارتفاع أعداد مرتادي العيادات النفسية والإصابات بالاكتئاب والعزلة، وإدمان المخدرات، واصفة آثار الحرب النفسية بأنها كبيرة.

وقالت للجزيرة مباشر: “هناك خطة يتم من خلالها تنفيذ زيارات لدور الإيواء وتقديم الإرشاد النفسي لتقليل الأثر النفسي للحرب”.

حالات انتحار وسط النساء

وفي ظل العنف الذي عانته النساء خلال الحرب وارتكاب جرائم اغتصاب لـ331 امرأة على الأقل، على يد الدعم السريع، وفقًا لآخر إحصائية لوحدة مكافحة العنف ضد المرأة، لجأ عدد من النساء إلى الانتحار.

وقالت هالة الكارب، المديرة الإقليمية لشبكة “نساء القرن الإفريقي” (صيحة)، للجزيرة مباشر، إن الأثر النفسي للحرب كبير، وسيظل عالقا لأجيال، مؤكدة أن غياب الدعم النفسي والاجتماعي يؤدي إلى ظهور العديد من حالات ما بعد الصدمة والاكتئاب الذي قد يؤدي إلى الانتحار.

وكشفت هالة الكارب عن توثيق ما لا يقل عن 10 حالات انتحار لنساء وفتيات أغلبيتهن من ولاية الجزيرة وسنار وحالة انتحار من دارفور، وقالت “نعتقد أن تأثير صدمة الاعتداء الجنسي قد تؤدي إلى حالات انتحار أو حالات رفض للعلاج أكبر بكثير مما تم توثيقها”.

وقالت مديرة إدارة الصحة النفسية بولاية الجزيرة، سلوى عوض دفع اللّه، إنه يتوقع بعد الحرب زيادة مشاكل الصحة النفسية، حيثُ يعيش الجميع حالات من الخوف والضغوط النفسية نتيجة الخسائر الفادحة في الأرواح والممتلكات، والنزوح والإعاقات الجسدية.

وكشفت مديرة إدارة الصحة النفسية بولاية الجزيرة، التي عانى سكانها انتهاكات واسعة على يد قوات الدعم السريع، للجزيرة مباشر، عن وقوع 4 حالات انتحار بمراكز الإيواء بولاية الجزيرة وحالتي شروع في الانتحار، بعد توافد نازحين من الخرطوم.

وأضافت “هنالك عدد من حالات الاكتئاب والقلق المرضي واضطراب الشخصية وذهان ما بعد الولادة، وحالات إدمان، بينما يعاني المرضى النفسيون من توقف الخدمات العلاجية والرعاية النفسية”.

وقالت إن قوات الدعم السريع أخرجت كل المرضى من مستشفى علوب للصحة النفسية، إلى الطرقات من دون أيّ رعاية اجتماعية أو نفسية، واتخذت من المستشفى وقتها ثكنة عسكرية.

دفن الموتى داخل الأحياء في الخرطوم (الجزيرة مباشر)

صدمات نفسية متفاوتة

وأشارت وصال آدم التجاني، الأخصائية في علم النفسي السريري بمركز الصدمة النفسية بولاية القضارف، إلى أن 50% من النازحين يعانون من صدمات نفسية متفاوتة، ووصفت ذلك بأنه وضع يستعصي على الوصف، في ظل تردد كثيرين على المراكز النفسية، مع آثار طويلة الأمد على الناجين والأسر والأطفال.

وقالت إن “الانتهاكات والاعتداءات الجنسية كانت أكبر أسباب الصدمة النفسية للنساء، ومن بين كل 5 أشخاص يوجد مصاب بالصدمة النفسية، ومن أهم الأمراض النفسية التي تسببها الحرب القلق والتبول اللاإرادي للأطفال، والاكتئاب والعزلة والانسحاب الاجتماعي واضطراب ما بعد الصدمة”.

ووفقًا لفياض محمد نور، وهو نائب اختصاصي بقسم الطب النفسي بمستشفى القضارف التعليمي، فقد ارتفعت نسبة الأمراض والاضطرابات الحديثة التشخيص بنسبة 20% إلى 25% خلال الفترة من يونيو/حزيران وحتى نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وسجلت عدد الحالات الواردة إلى قسم الطب النفسي زيادة قدرت بأربعة أضعاف.

وأوضح نور في حديثه للجزيرة مباشر، أن حالات الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة تضاعفت بنحو 3 إلى 4 أضعاف وشكلت نسبة 20% من العدد الكلي للحالات الواردة لقسم الطب النفسي، مشيرا إلى أن 90% منها من النساء والأطفال.

وأكد نور ارتفاع حالات الإصابة بالاكتئاب الحاد، مشيرا إلى أن غالبيتهم من النازحين والمقيمين بالمخيمات وسجل قسم الطب النفسي ضعف العدد المشخص بالاكتئاب بزيادة 100%، ومثلت نسبة 25% من العدد الكلي للحالات.

كما ارتفعت، بحسب نور، نسبة الإصابة باضطرابات القلق ونوبات الهلع من يونيو/حزيران إلى نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، ومثلت نحو 20% في حين كانت لا تتعدى قبلها نسبة 5%.

وقال المسؤول بقسم الطب النفسي “بالنسبة للسلوك الانتحاري بلغت نسبته 15% تتراوح بين الذين يعانون من أفكار انتحارية إلى أشخاص حاولوا فعلا الانتحار، أما حالات تعاطي المخدرات والكحول فقد ارتفعت بنسبة 5%”.

إدمان المخدرات

أمّا مديرة إدارة الصحة النفسية بولاية البحر الأحمر رشا محمد طاهر فقد كشفت عن تسجيل حالة انتحار بالولاية، وقالت إن نسبة تعاطي المخدرات ارتفعت بين النازحين والشباب من الفئة العمرية 15 إلى 25 عاما، وخصوصا في مراكز الإيواء.

وقالت المسؤولة بإدارة الصحة النفسية إن الإصابة بالأمراض النفسية منذ بدء الحرب في منتصف إبريل/نيسان 2023 حتى يوليو/تموز 2024 ارتفعت بنسبة 67.5% لمرض الفصام، و86% للاكتئاب، و33.5% للإدمان، و37% للقلق، و6.5% لاضطراب ثنائي القطب، و7% للاضطرابات العقلية و1% للوسواس القهري، و9% للصرع، و5% لاضطرابات تعاطي المخدرات.

الحرب الأهلية في السودان أجبرت الملايين على النزوح من ديارهم
الحرب الأهلية في السودان أجبرت الملايين على النزوح من ديارهم (رويترز)

المطلوب برامج للتوعية

ومع تنامي تداعيات الحرب، قالت الطبيبة النفسية والناشطة في مجال التوعية بالصحة النفسية، فاطمة عربي، للجزيرة مباشر إن الإقبال على مقدمي الصحة النفسية بغرض الدعم والعلاج النفسي زاد بشكلٍ ملحوظ.

وأضافت أنه من خلال العمل الميداني بدور الإيواء والاحتكاك المباشر مع “المقيمين والنازحين” لوحظت زيادة حالات اضطراب القلق والتوتر، وخصوصا للقاطنين في مناطق الاشتباكات، وزيادة حالات الاكتئاب.

كما تفاقم وضع مرضى الاكتئاب، وزادت حالات اضطراب ما بعد الصدمة بنسبة 90% بين النازحين والقادمين من مناطق الاشتباكات، إضافة إلى زيادة معدل انتكاس مرضى الاضطرابات النفسية بنسبة 25%، وزيادة معدلات تعاطي المخدرات والممنوعات بنسبة قد تصل إلى أكثر من 50%.

وطالبت فاطمة بتكثيف برامج التوعية بأهمية الصحة النفسية وتطبيق برامج الدعم النفسي والاجتماعي على مدى واسع حتى يشمل كل المجتمع السوداني، في ظل استمرار الحرب وتداعياتها.

المصدر : الجزيرة مباشر

إعلان