ميدل إيست آي: كيف أثرت العقوبات على الحياة في سوريا؟ وماذا سيحدث بعد رفعها؟

بعد 5 أشهر من نهاية حكم عائلة الأسد، شهدت المدن السورية احتفالات واسعة عقب إعلان الولايات المتحدة رفع العقوبات على دمشق.
وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الثلاثاء، رفع العقوبات المفروضة على سوريا، ما أثار موجة فرح عارمة في أنحاء البلاد.
وقال الناشط نضال العمري، المقيم في ألمانيا، لموقع “ميدل إيست آي”، إن عائلته وكل من يعرفهم خرجوا للاحتفال، في مشهد تكرر في معظم المدن السورية.
وجاء هذا القرار بعد 5 أشهر من إسقاط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول الماضي، وتشكيل حكومة جديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، وهي حكومة واجهت صعوبات اقتصادية خانقة بسبب العقوبات الغربية، خاصة الأمريكية.
تغيير مفاجئ في الموقف الأمريكي
وفي مارس/آذار الماضي، قدمت الإدارة الأمريكية شروطًا للحكومة السورية الجديدة مقابل رفع العقوبات، شملت حظر النشاط السياسي الفلسطيني وتوحيد الجيش السوري.
لكن المفاجأة جاءت عندما أعلن ترامب، خلال زيارته إلى السعودية، رفع العقوبات جميعها بشكل كامل، بعد جهود من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

تاريخ العقوبات
وبدأت العقوبات الأمريكية على سوريا عام 1979، عندما صنّفتها واشنطن “دولة راعية للإرهاب”، وتوسعت العقوبات لاحقًا في عهدي ريغان وبوش الابن، خصوصًا بعد اتهام سوريا بامتلاك أسلحة دمار شامل ودعم جماعات مثل (حزب الله) و(حماس).
وفي عام 2011، أعقبت حملة الأسد الدامية ضد المتظاهرين فرض عقوبات أوروبية وأمريكية شديدة، شملت حظر التعاملات الاقتصادية وتجميد الأصول، وحظر استيراد النفط والتكنولوجيا.
وفي 2019، صدر قانون “قيصر لحماية المدنيين السوريين”، الذي فرض عقوبات طالت حتى الشركات غير الأمريكية المتعاملة مع النظام السوري.
ورغم امتناع الأمم المتحدة عن فرض عقوبات بسبب “الفيتو” الروسي الصيني، تم تصنيف عدد من الجماعات كـ”منظمات إرهابية”، ومن بينها “جبهة النصرة” و”هيئة تحرير الشام”.
تأثير العقوبات في حياة السوريين
وفي تصريحات لـ”ميدل إيست آي”، قال بنجامين فيف، الخبير في الاقتصاد السياسي السوري، إن العقوبات لم تكن السبب المباشر في انهيار الاقتصاد، لكنها حالت دون تعافيه، وأضاف “العقوبات منعت إعادة إعمار البنية التحتية الحيوية، مثل المياه والطاقة”.
ومن جانبه، أكد الناشط نضال العماري أن الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والتدفئة والنقل كانت شبه معدومة، وأرجع ذلك إلى مزيج من حرمان النظام للشعب، والعقوبات التي منعت استيراد النفط والمعدات.
وأوضح عمر أوزكيزيلجيك، زميل في المجلس الأطلسي، أن سوريا كانت معزولة عن النظام المصرفي العالمي، ما منع المستثمرين من إدخال الأموال أو إخراجها، وأضاف “الدول الراغبة في المساعدة، مثل تركيا والدول العربية، لم تتمكن من دعم سوريا بسبب العقوبات”.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد السوري تقلص بنسبة 84% بين عامي 2010 و2023، وأن أكثر من 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، كما انهارت الليرة السورية من 47 للدولار قبل الحرب إلى 13 ألفًا في السوق السوداء مطلع 2025.

أولويات الحكومة السورية الجديدة بعد رفع العقوبات
ومنذ تولي حكومة الشرع السلطة، واجهت عجزًا في إجراء إصلاحات اقتصادية ومؤسسية بسبب شح الموارد والعقوبات، وقال فيف “الحكومة بلا مال عاجزة عن تحقيق أي إنجاز حقيقي”.
وأكد العماري أن الأولويات الآن هي توفير الوقود والكهرباء والمعدات الطبية الحديثة، إلى جانب خلق فرص عمل وتأمين الموارد التعليمية.
ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، تبلغ تكلفة إعادة إعمار سوريا نحو 250 مليار دولار، لكن خبراء يرون أن الرقم قد يكون أقل، إذا ما توفرت الإرادة والدعم الدولي، ويتوقع أن تتحول المساعدات الإنسانية المقدمة سابقًا، إلى دعم تنموي من الدول الأوروبية والعربية.
آمال واسعة رغم التحديات
ورغم إعلان ترامب رفع “جميع” العقوبات، يشير مراقبون إلى أن التفاصيل ما زالت غير واضحة، وأكد فيف أن بعض العقوبات الأمريكية المفروضة منذ عام 1979 لا تزال قائمة، ولم يُعرف بعد إن كانت ستُلغى بالكامل.
كما لا يزال تصنيف هيئة تحرير الشام كـ”منظمة إرهابية” قائمًا، رغم حلها مؤخرًا.
وأشار أوزكيزيلجيك إلى إمكانية شطبها من قائمة الإرهاب، لا سيما وأن أعضاء مجلس الأمن، بما فيهم روسيا والصين، يقيمون علاقات مع حكومة الشرع.
وحتى تصنيف الشرع نفسه كـ”إرهابي”، الذي يعود إلى عام 2013، يبدو أنه أصبح من الماضي، خاصة بعد لقائه ترامب، الذي وصفه بأنه “شاب جذاب ذو ماضٍ قوي”.
ورغم التحديات، يسود الأمل الشارع السوري بعد إعلان رفع العقوبات، وفي هذا السياق قال نضال العماري “الشعب السوري سعيد فعلًا في هذه اللحظات”، معبرًا عن آمال واسعة بفتح صفحة جديدة نحو التعافي الاقتصادي والبناء بعد سنوات الحرب والحرمان.