حزب العمال الكردستاني.. تعرف إلى مسيرة 40 عاما من العنف إلى السياسة

في نهاية رحلة امتدت لأكثر من 4 عقود من القتال، أعلنت مجموعة “السلام والمجتمع الديمقراطي” التابعة لحزب العمال الكردستاني، في محافظة السليمانية شمالي العراق، بدء عملية إتلاف أسلحتها، ودعت إلى دعم مسار الحل السلمي والديمقراطي الذي دعا إليه زعيم الحزب المعتقل في تركيا عبد الله أوجلان.
وتأتي خطوة إتلاف السلاح بعد دعوة أوجلان نهاية فبراير/شباط الماضي، حزب العمال إلى إلقاء السلاح وحل نفسه، منهيا بذلك أكثر من 4 عقود من النزاع المسلح ضد الدولة التركية، ومختتما أحد أكثر النزاعات دموية في تاريخ تركيا الحديث، الذي خلّف أكثر من 40 ألف قتيل.

التأسيس والأهداف
أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 في قرية “فيس” بولاية ديار بكر جنوب شرقي تركيا، على يد مجموعة من الأكراد اليساريين بقيادة عبد الله أوجلان، الذي أصبح لاحقا الزعيم التاريخي للحزب.
اقرأ أيضا
list of 2 items- list 1 of 2شاهد: مجموعة من حزب العمال الكردستاني تحرق أسلحتها على الهواء مباشرة
- list 2 of 2أول تعليق من “العدالة والتنمية” عقب تسليم حزب العمال الكردستاني سلاحه في العراق
وتبنى الحزب في بداياته أيديولوجيا ماركسية-لينينية، وهي نظرية سياسية واقتصادية واجتماعية تجمع بين أفكار كارل ماركس وفهم فلاديمير لينين للماركسية، وتعد أساسا للأحزاب الشيوعية في جميع أنحاء العالم، وخصوصا تلك التي اتبعت الاتحاد السوفييتي.
وطوّر الحزب أهداف الحركة القومية إبان فترة السبعينيات من القرن العشرين، التي كانت تطالب بالاعتراف بالحقوق الثقافية للأكراد، و”السماح لهم بحكم ذاتي لمناطقهم” تحت سيادة الدول القائمة التي يعيشون فيها، وهي: تركيا وإيران والعراق وسوريا.
وأصبح الحزب يهدف إلى المطالبة بالحكم الذاتي وإقامة “دولة كردستان الكبرى المستقلة” التي توحد الأراضي الكردية، وتنهي ما يعدّه “التقسيم الجائر” لكردستان بين 4 دول.

انطلاق العمل المسلح
وفي 15 أغسطس/آب 1984 شنت مجموعات الحزب هجومها الأول على القوات التركية في محافظة سيرت، جنوب شرق تركيا، ما أسفر عن مقتل جندي وإصابة 9 آخرين من بينهم 3 مدنيين.
كما شن الحزب هجمات في هكاري وشمدينلي، جنوب شرق تركيا، وأسفرت عن مقتل وإصابة عدد من عناصر الأمن التركي، ما دفع الحكومة التركية حينها إلى إطلاق حملة عسكرية واسعة في المناطق الكردية.
وأسست الدولة التركية عام 1985 مجموعات “حراس القرى” (القروجي) بمشاركة مدنيين أكراد لمساندة الجيش، لكن هذه المجموعات اتُهمت بارتكاب تجاوزات بحق السكان الريفيين.
وبين عامي 1984 و1991 قُدر عدد القتلى بسبب المواجهات بين الحزب والجيش التركي بنحو 2500 شخص، وارتفع إلى 17 ألفا و500 بحلول عام 1992 مع توسع الاشتباكات إلى مدن مثل بينغول شرق تركيا وأربيل العراقية.
وفي مايو/أيار عام 1993، أعدت عناصر مسلحة من الحزب كمينا لحافلة جنود أتراك بين إيلازيغ وبينغول، ما أسفر عن مقتل 33 جنديا.
وفي يوليو/تموز عام 1993، وقعت “مذبحة باشباغلار” في أرزنجان التي راح ضحيتها أكثر من 60 مدنيا كرديا.
وفي شهري مارس/آذار ومايو/أيار عام 1995، أطلقت القوات التركية عملية “قنديل” العسكرية بنحو 35 ألف جندي شمال العراق، هدفت إلى تدمير معسكرات الحزب دون إنهائه بالكامل.

اعتقال أوجلان والهدن المرحلية
تلقى الحزب ضربة موجعة بعد أن اعتقلت المخابرات التركية عبد الله أوجلان، زعيم الحزب، في 15 فبراير/شباط عام 1999 بالعاصمة الكينية نيروبي.
وقُدم أوجلان للمحاكمة وحُكم عليه بالإعدام في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1999 ثم خُفف الحكم إلى السجن مدى الحياة بعد إلغاء عقوبة الإعدام في تركيا عام 2002، وظل معتقلا منذ ذلك الحين في سجن شديد الحراسة بجزيرة إمرالي جنوب بحر مرمرة.
وأطلق أوجلان من سجنه دعوات متكررة للحوار، وأُعلنت هدنة من جانب واحد عام 1999، لكنها قُطعت مع بدء الاشتباكات مجدّدا عام 2004.
وشهدت الفترة من 2012 إلى 2015 محادثات سرية بين الدولة التركية وحزب العمال عبر أوسلو وأنقرة، أفضت إلى هدنة رسمية في 21 مارس 2013، لكنها انهارت بعد هجوم انتحاري وقع في مدينة سروج التابعة لمحافظة شانلي أورفة التركية.
ويقدر عدد ضحايا الهجمات التي نفذها حزب العمال ضد الدولة التركية بما يزيد عن 40 ألف شخص، خلال أكثر من 4 عقود من الصراع.
ويُصنف الحزب بأنه منظمة إرهابية في تركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول أخرى.

التحول التاريخي
وفي أكتوبر 2024، دعا دولت بهجلي رئيس حزب الحركة القومية، أوجلان إلى إلقاء خطاب في البرلمان التركي يدعو فيه حزبه للتخلي عن السلاح.
ووجّه أوجلان من سجنه في جزيرة إيمرالي في 27 فبراير 2025، نداء واضحا إلى قيادة الحزب بحل التنظيم المسلح، والتحول إلى “السياسة بدل السلاح”.
وفي مايو 2025 عقد الحزب مؤتمره الثاني عشر في شمال العراق، وأصدر قرارا رسميا بتفكيك هيكله العسكري والتنظيمي، ووقف العمليات القتالية جميعها.
وتتويجا لهذه الخطوة التاريخية أقيمت مراسم رمزية في 11 يوليو/تموز 2025، في جبال قنديل شارك فيها نحو 30 مقاتلا، قاموا بإلقاء أسلحتهم في حاوية معدنية ضخمة، في لقطات رمزية تؤكد قرار التحول نحو العمل السياسي، إذ يتوقع أن تكتمل عملية نزع السلاح خلال أشهر قليلة، مع توقع انتهائها بحلول سبتمبر/أيلول المقبل.