مؤسسة “غزة الإنسانية”.. مساعدات أمريكية بإشراف إسرائيلي أم مصيدة قاتلة للفلسطينيين؟

وسط أزمة إنسانية غير مسبوقة يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة، برز اسم “مؤسسة غزة الإنسانية” (Gaza Humanitarian Foundation – GHF) المدعومة من الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة.
وقال المؤسِسان إنهما يحاولان “إيصال المساعدات الغذائية إلى المدنيين”، لكن ملابسات نشأتها وترحيب الاحتلال بها أثارت الكثير من الشكوك حول أهدافها، كما تكفّل أداؤها في إيصال المساعدات للأهالي المجوّعين في غزة بنفي صفة “الإنسانية” التي ارتبطت باسمها.
اقرأ أيضا
list of 2 items- list 1 of 2مقطع فيديو يوثق لحظة إطلاق النار على فلسطينيين مجوعين قرب مركز مساعدات في غزة (شاهد)
- list 2 of 2بينهم 34 من منتظري المساعدات.. 145 شهيدا منذ فجر السبت في غزة (فيديو)
ولادة أمريكية عاجلة
أُنشئت مؤسسة غزة الإنسانية في فبراير/شباط 2025، على أنها شركة أمريكية غير ربحية مسجلة في ولاية ديلاوير، وسرعان ما توسعت لتُسجّل أيضًا في سويسرا.
وقال مؤسسوها في التعريف بها، إنها جاءت استجابة للانتقادات المتزايدة بشأن تباطؤ وصول المساعدات إلى غزة عبر القنوات التقليدية، في ظل تدهور الأوضاع المعيشية نتيجة الحرب المستمرة على القطاع.
حظيت المؤسسة منذ انطلاقها بدعم مباشر من الإدارة الأمريكية، وتم تخصيص ميزانية أولية قُدّرت بـ500 مليون دولار، منها 30 مليونا تم تحويلها رسميا في يونيو/حزيران الماضي، بحسب تقارير نشرتها وكالة رويترز ومجلة تايم الأمريكية.

مهامها وآليتها
تقول المؤسسة إنها تعتمد في عملها على توزيع وجبات غذائية جاهزة تحتوي على 1750 سعرة حرارية، ضمن ما تسميه “ممرات توزيع آمنة” في جنوب قطاع غزة، معتمدة على آليات رقابة بيومترية لمنع “استغلال المساعدات من قبل حماس”، وفقًا لتصريحات رئيسها التنفيذي، جوني مور، في مقابلات متعددة.
وفي أقل من شهرين، أعلنت المؤسسة توزيع أكثر من 66 مليون وجبة، لكن غالبية عملياتها بقيت محصورة في مناطق محدودة في الجنوب مثل رفح وخان يونس، في ظل غياب واضح للتنسيق مع الأمم المتحدة ووكالاتها.
“انتهاك الحياد”
أثارت المؤسسة الجدل مبكرًا بعد استقالة مديرها التنفيذي الأول، جيك وود، في مايو/أيار 2025، موجهًا انتقادات لاذعة لطريقة إدارة المؤسسة، ومتّهمًا إياها بتجاوز المبادئ الإنسانية لصالح أجندات سياسية.
وقالت الأمم المتحدة إن المؤسسة لا تلتزم بالمعايير الدولية للعمل الإغاثي، وتعمل “خارج إطار التنسيق الإنساني”، كما أكد مسؤولون أمميون أن “وجود المؤسسة ساهم في تعزيز بيئة خطرة، بدلًا من معالجتها”، في إشارة إلى وقوع حوادث مميتة قرب مراكز التوزيع.
وبحسب مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فقد قُتل نحو 800 فلسطيني منذ مايو/أيار الماضي أثناء محاولتهم الوصول إلى مراكز توزيع تتبع للمؤسسة، بسبب تعرضهم لنيران قوات الاحتلال أو الازدحام في مناطق منكوبة.
ووصفت منظمة “هيومن رايتس ووتش” عمل المؤسسة بأنه “تجربة محفوفة بالمخاطر”، وعبّرت عن قلقها من فرض بصمة العين شرطا لتسلّم الطعام، مما يضع السكان أمام خيارات صعبة بين الجوع والمخاطرة بالحياة.

دعم إسرائيلي
وأشارت تقارير لمؤسسات صحفية دولية، من بينها وكالة رويترز وصحيفة فايننشال تايمز، إلى أن مؤسسة غزة الإنسانية تحظى بدعم لوجستي وأمني من جهات أمريكية وإسرائيلية، في إطار شراكة خارج النظام الإغاثي التابع للأمم المتحدة، وهو ما أثار انتقادات واسعة بشأن حيادية المؤسسة ودوافع تأسيسها.
وقد زادت هذه الشكوك مع استقالة مديرها التنفيذي الأول، جيك وود، احتجاجًا على ما وصفه بـ”تخلي المؤسسة عن المبادئ الإنسانية”، إلى جانب تولي شخصيات ذات ارتباطات أمنية وسياسية بارزة مناصب قيادية فيها، مثل جون آيكري، وهو موظف سابق في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، والرئيس التنفيذي الحالي جونّي مور، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع دوائر صنع القرار الأمريكية والإسرائيلية.
وكشفت دراسة للبروفيسور الإسرائيلي ياكوف غارب نشرتها منصة “هارفارد داتافيرس” الأمريكية، أن تصميم نقاط المساعدات الأمريكية الإسرائيلية ومواقعها الجغرافية تشير إلى أنها مصممة بهدف تعزيز السيطرة العسكرية لجيش الاحتلال ودعم عملياته، وليس تقديم المساعدة الإنسانية للأهالي المجوّعين في القطاع المحاصر.
مصيدة محكمة
وأكدت الدراسة، التي نُشرت مطلع يونيو/حزيران، أن التصميم المادي لنقاط توزيع المساعدات وعملية التوزيع، تعطي الأولوية لحماية جنود الاحتلال، وقدرتهم على السيطرة والمراقبة الصارمة للأشخاص الذين يقتربون من نقاط توزيع المساعدات.
واستشهدت الدراسة بأن جميع نقاط توزيع المساعدات قريبة من نقاط محصنة للجيش الإسرائيلي. ورغم أن أغلبية سكان القطاع يتركزون في مدينة غزة، التي تضم نحو مليون شخص، فإن هؤلاء ليس لديهم أي إمكانية للوصول إلى نقاط المساعدات حيث يفصلهم عنها محور نتساريم الخطر الذي أُخلي من السكان.
وفي ظل استمرار عملها دون رقابة دولية، لا تزال المؤسسة محل ريبة من الفلسطينيين الذين يموتون بالعشرات بنيران الاحتلال يوميا أثناء تلقي المساعدات في مراكزها، ومنتقدين يصفونها بأنها أداة لتطويع المساعدات لخدمة أجندة الاحتلال، وهو ما ظهر في رفض منظمات دولية مرموقة -بينها برنامج الغذاء العالمي والصليب الأحمر- التعاون معها أو الدخول في أي تنسيق مباشر معها.

إطلاق النار عمدا
وأعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، السبت الماضي، ارتفاع حصيلة الضحايا من منتظري المساعدات الفلسطينيين الذين استهدفهم الجيش الإسرائيلي إلى 805 شهداء و5252 مصابا و42 مفقودا.
وقال المكتب، في بيان، إن “الجيش الإسرائيلي استهدف المدنيين المجوّعين قرب مراكز توزيع ما سماها “المساعدات الأمريكية الإسرائيلية”، منذ بدء عملها في 27 مايو/أيار الماضي، مما أسفر عن هذه الحصيلة الثقيلة من الضحايا”.
وأضاف: “ارتفع عدد ضحايا المساعدات الذين استهدفهم الاحتلال الإسرائيلي قرب مصائد الموت إلى 805 شهداء، و5252 إصابة و42 مفقودا”.
وكشف جنود إسرائيليون أنهم يطلقون النار عمدا ووفقا لتعليمات قادتهم على الفلسطينيين العزل الذين ينتظرون المساعدات الإنسانية قرب مواقع التوزيع، مما يؤدي إلى سقوط قتلى وجرحى، وفق تقرير نشرته صحيفة هآرتس العبرية الأسبوع الماضي.