للهرب من مديرك.. شركات في اليابان تستقيل بدلا عنك

ينضم الموظف في اليابان إلى الشركة فور تخرجه ويبقى فيها حتى التقاعد (غيتي)

في عالمنا العربي، حين يعجز أحدهم عن العثور على وظيفة، قد يتوجه إلى شركات التوظيف طلبا للمساعدة. أما في “كوكب اليابان”، كما يحب البعض أن يطلق عليه لغرابة ما يستجد فيه دائما، فالصورة معكوسة: إذا لم تستطع تقديم استقالتك بنفسك، فهناك من يتولى الأمر عنك.

وتُقدم الخدمة لقاء مبلغ قد يصل إلى 50 ألف ين ياباني، أي ما يعادل تقريبا 350 دولارا أمريكيا.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

هذا ما فعله الشاب الياباني توي إيدا، البالغ من العمر 25 عاما، الذي كان يعمل في شركة صيانة، ويشكو من ساعات العمل الطويلة والضغط المتواصل، لكن مديره لم يأخذ شكواه على محمل الجد، فقرر الاستعانة بإحدى وكالات الاستقالة لتقديم استقالته نيابة عنه.

بعد أن تلقى إيدا تأكيدا بإتمام الاستقالة، عبّر عن هذه اللحظة بقوله “شعرت بارتياح كبير ما إن تلقيت تأكيدا بأن استقالتي قد تمّت”.

ولأن التجربة كانت فارقة بالنسبة له، قرر لاحقا الانضمام إلى الشركة التي ساعدته في مشكلته، لمساعدة آخرين على اتخاذ الخطوة نفسها.

الالتزام في اليابان يعني العمل لساعات طوال وحضور اجتماعات في العطل الرسمية والانضباط بقوانين صارمة (غيتي)

“موظف مدى الحياة”

“موموري” اسم هذه الشركة، ويعني باليابانية “لم أعد أستطيع التحمل” هي واحدة من وكالات الاستقالة التي انتشرت بعد جائحة كورونا، التي شكلت نقطة تحول كبرى في ثقافة العمل اليابانية.

هزت هذه الوكالات نموذج “موظف مدى الحياة”، الذي ينضم إلى الشركة فور تخرجه، ويبقى فيها حتى التقاعد، وكان هذا السلوك في سوق العمل يعد نوعا من الولاء الذي اعتبر في سوق العمل الياباني مقدما على صفات تبدو أكثر أهمية في مجتمعات عاملة أخرى كالأداء المهني والطموح الوظيفي.

وتعود الثقافة إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبلغت ذروتها في فترة الازدهار الاقتصادي خلال ثمانينيات القرن الماضي، إذ كان الالتزام يعني العمل لساعات طويلة، وحضور اجتماعات بعد مواعيد العمل الرسمية (غالبا بلا مقابل إضافي)، والتمسك بانضباط صارم، يجعل الولاء للمؤسسة أهم من أي توازن بين الحياة والعمل.

غيرت كورونا الثقافة السائدة في سوق العمل منذ الثمانينات
غيّرت كورونا الثقافة السائدة في سوق العمل منذ الثمانينيات (الجزيرة مباشر)

كورونا غيّرت القواعد

ولكن بعد سنوات الجائحة، بدأ الكثير من الشباب في اليابان، إعادة النظر في منظومة القيم المتعلقة بالعمل، وتغيرت أولوياتهم نتيجة لذلك، وبدأت فكرة الاستقالة أو تغيير الوظيفة تأخذ حيزا أكبر من الجدية، ليصبح سوق العمل أكثر ديناميكية بكثير مما كان عليه في السابق.

وبات من الشائع أن يقدم شخص تخطى الثلاثين من عمره استقالته ويبحث عن فرصة جديدة، بعد أن كان ذلك في الماضي أمرا شبه مستحيل، في ظل عدم وجود فرص بديلة لهذا العمر، ولكن مع اكتساب سوق العمل مرونته الجديدة وتنوع فرص العمل التي أصبحت متاحة بعد هذه التغييرات لم يعد هذا مستحيلا.

من هنا، بدأت خدمات الاستقالة بالنيابة تجد رواجا واسعا، رغم التحديات القانونية التي لا تسمح بالتفاوض على طريقة التسوية المادية من شخص غير المحامي الموكل عنك، فتكتفي معظم هذه الشركات بتقديم الطلب نيابة عنك، لا سيما لمن يتحسبون لرد فعل عنيف، أو تنمر من المديرين، أو ضغط النفسي أو أخلاقي لإجبارهم على البقاء.

أصبح الموظفون اليوم في اليابان يتمتعون بخيارات أوسع (غيتي)

 

تطور كبير

وبحسب كاورو تسودا، الباحث الرئيس في مركز “إنديد” للأبحاث بطوكيو، فإن هذا التحوّل “يمثل تغييرا حقيقيا، فهناك اليوم طيف واسع من الفرص في سوق العمل، يمنح الموظفين حرية اختيار غير مسبوقة”.

ووفقا لأرقام حكومية أوردتها صحيفة “واشنطن بوست” في تقرير لها بتاريخ مطلع شهر يوليو/تموز الجاري 2025، فقد شهد عام 2024 انتقال نحو 3.3 ملايين موظف في اليابان إلى وظائف جديدة، ورغم أن هذا الرقم يُعدّ تطورا ملحوظا في سوق العمل الياباني، فإنه ما يزال يمثل نسبة صغيرة نسبيا، مقارنة بمجتمعات أخرى.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان