تضم أكبر تجمُّع للدروز في العالم.. ماذا تعرف عن محافظة السويداء؟

لم تكن مدينة السويداء في يوم من الأيام مجرد محافظة سورية جنوبية تقع فوق تلال الحجارة البركانية السوداء، هذه المدينة التي توصف بـ”عاصمة جبل العرب” أو “عاصمة الدروز” تحمل إرثا سياسيا واجتماعيا جعلها على الدوام حالة استثنائية داخل الجغرافيا السورية.
فبعد سنوات من الهدوء النسبي والحياد عن خطوط المواجهات المباشرة بين المعارضة وقوات النظام السوري منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، تعود السويداء إلى الواجهة مجددا، ليس باعتبارها مدينة مهمَّشة، بل لتكون نقطة اشتعال جديدة تعكس تعقيدات الداخل السوري وتشابك المصالح الإقليمية المحيطة بها.
اقرأ أيضا
list of 2 items- list 1 of 2حكمت الهجري.. رحلة من التقلبات انتهت بالاستقواء بإسرائيل
- list 2 of 2اشتباكات في السويداء بعد إعلان العشائر السورية النفير العام
وجاء ذلك في أعقاب تصعيد أمني خطير شهده ريفها الشرقي في يوليو/تموز 2025، بين فصائل درزية محلية ومسلحين من عشائر البدو، في مواجهات وُصفت بأنها الأخطر منذ سنوات.
مدينة الجبل
تقع السويداء على السفوح الشرقية لجبل العرب، على بُعد نحو 100 كيلومتر جنوب العاصمة دمشق، وهي عاصمة محافظة تحمل الاسم ذاته، وتمتد المحافظة على مساحة تبلغ نحو 5550 كيلومترا مربعا، تضم تضاريس جبلية وبركانية وسهولا خصبة في غربها، وتشكل نحو 3% من مساحة سوريا.
وتُعرف بلون حجارتها السوداء التي منحتها اسمها الحالي، المشتق من الجذر “سود”، في إشارة إلى طبيعتها البركانية الفريدة.
يبلغ عدد سكان المحافظة نحو 500 ألف نسمة، يشكّل الدروز أكثر من 90% منهم، إلى جانب أقليات من البدو والمسيحيين.
ويُعَد المجتمع الدرزي في السويداء الأكثر تمركزا وتأثيرا في سوريا، إذ تُعتبر المحافظة المركز التاريخي والروحي للطائفة داخل البلاد.

تاريخ في المقاومة
عُرفت السويداء قديما باسم “ديونيسيوس”، ومرت عليها عصور حكم الأنباط والرومان والبيزنطيين، ولا تزال شواهد تلك العصور باقية في عشرات المواقع الأثرية المنتشرة في المحافظة. لكن الحضور الأبرز لها في التاريخ الحديث تمثل في قيادتها الثورة السورية الكبرى عام 1925 ضد الاحتلال الفرنسي، بقيادة سلطان باشا الأطرش، ابن السويداء، وأحد أبرز الرموز الوطنية في سوريا المعاصرة.
هذا التاريخ جعل من المدينة رمزا للمقاومة والانتماء القومي العربي، ورسَّخ لدى سكانها شعورا بالتفرد والاستقلالية عن السلطات المركزية المتعاقبة.
اقتصاد هش
تتميز السويداء بمناخ معتدل صيفا وبارد شتاء، مع تساقط للثلوج على المرتفعات، وأمطار موسمية بين الخريف والربيع، مما يجعلها بيئة مناسبة للزراعة.
ويقوم اقتصاد المدينة على الزراعة بشكل رئيسي، وخصوصا زراعة العنب والتفاح والزيتون والتين.
لكن هذا الاقتصاد تراجع في السنوات الأخيرة بفعل تدهور البنية التحتية، ونقص المحروقات، وغياب الدعم الحكومي، مما فاقم معدلات الفقر والبطالة.

مجتمع محافظ
تحظى السويداء بتركيبة اجتماعية متماسكة، تحكمها العلاقات العائلية والمرجعيات الدينية الدرزية. المجتمع تقليدي ومحافظ بطبيعته، ويميل إلى الحذر والانغلاق، وخصوصا في فترات الأزمات.
وقد حافظت المدينة، منذ اندلاع الأزمة السورية، على نمط احتجاجي مميز، تمثل في رفض الانخراط في الحرب، ورفض تجنيد شبابها قسرا، مع استمرار الاحتجاجات السلمية المطالبة بالخدمات والكرامة والعدالة.
الانفجار الأخير
خلال السنوات الماضية، بدت السويداء وكأنها تعيش في “كانتون” -تقسيم إداري- شبه مستقل، تغيب فيه الدولة المركزية، كما ظهرت فصائل محلية مسلحة تولت تنظيم الأمن وحل النزاعات.
لكن هذا التوازن الهش انهار في يوليو/تموز الجاري، حين اندلعت مواجهات بين فصائل درزية ومسلحين من عشائر بدوية في ريف السويداء الشرقي، على خلفية حوادث خطف وثأر.
وسرعان ما تطورت إلى اشتباكات بأسلحة متوسطة وثقيلة، امتدت إلى أطراف المدينة، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى من الجانبين، بينهم أفراد من وزارتي الدفاع والداخلية الذين حاولوا التدخل لفض النزاع بين الجانبين.
وأضاف ظهور تشكيل يُعرف بـ”المجلس العسكري في السويداء” بُعدا جديدا للأزمة، إذ أعلن سعيه إلى حماية الطائفة الدرزية من التهديدات، في ظل انفلات أمني وغياب سلطة حقيقية للدولة، مما رسَّخ صورة “الكانتون” الأمني الذي يديره أبناء المحافظة بأنفسهم.
وتصدَّر شيخ عقل الطائفة الدرزية حكمت الهجري الواجهة، بعد دعوته أبناء السويداء إلى مواصلة القتال حتى “تحرير كامل تراب المحافظة” من قبضة الحكومة السورية التي وصفها بأنها “عصابات مسلحة”.

تأثيرات خارجية
لم تكن التطورات في السويداء بمعزل عن المشهد الإقليمي المتشابك، ففي خضم التصعيد، نفذت إسرائيل غارات جوية على مواقع عسكرية قرب المدينة، بدعوى “حماية الدروز”، كما قصفت إسرائيل مقر وزارة الدفاع السورية في العاصمة دمشق.
وترافقت الغارات مع تحركات ومظاهرات محدودة في الجولان المحتل وفي الداخل الفلسطيني من قِبل دروز مؤيدين لأقربائهم في السويداء. وقد سعت قيادات درزية لبنانية ودبلوماسيون أمميون للقيام بدور الوساطة، في محاولة لتثبيت التهدئة، ومنع انزلاق المدينة نحو صراع أوسع.
وأسفرت المواجهات عن نزوح جماعي لعائلات بدوية إلى محافظة درعا، في حين تعيش أحياء السويداء في ظروف قاسية، مع انقطاع الكهرباء والماء، ونقص في الوقود والمواد الغذائية، وانهيار الخدمات الصحية.
وتتحدث تقارير حقوقية دولية ومحلية عن مقتل أكثر من 500 شخص في السويداء منذ بداية 2025 في اشتباكات متفرقة.