إسرائيل وواشنطن تغليان.. ماذا يعني قرار ماكرون الاعتراف بفلسطين؟

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

في لحظة سياسية مفصلية تعكس تحولا في مواقف بعض القوى الكبرى تجاه القضية الفلسطينية، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، أن بلاده ستعترف رسميا بدولة فلسطين خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر/أيلول المقبل.

خطوة فرنسية منفردة لكنها مشحونة بالرمزية السياسية والدبلوماسية، أثارت ردود فعل غاضبة من إسرائيل وواشنطن، وفتحت باب التساؤلات حول ما إذا كان هذا القرار سيدفع بدول كبرى أخرى للحاق بركب الاعتراف، أو سيعمّق الانقسام داخل الغرب تجاه القضية الفلسطينية؟

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

فرنسا.. أول دولة من مجموعة السبع تعترف بفلسطين

رغم أن أكثر من 140 دولة حول العالم تعترف بدولة فلسطين، إلا أن فرنسا ستكون أول دولة من دول مجموعة السبع الصناعية الكبرى –التي تضم الولايات المتحدة، وبريطانيا، وكندا، وألمانيا، واليابان، وإيطاليا– تتخذ هذه الخطوة رسميا، ويُعد هذا تطورا لافتا نظرا للثقل السياسي والدبلوماسي الذي تمثله فرنسا، كدولة دائمة العضوية في مجلس الأمن وذات نفوذ كبير داخل الاتحاد الأوروبي.

ماكرون قال في رسالة نشرها عبر منصتي “إكس” و”إنستغرام”: “وفاء بالتزامها التاريخي بسلام عادل ودائم في الشرق الأوسط، قررتُ أن تعترف فرنسا بدولة فلسطين. سأُعلن ذلك رسميا خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول المقبل”، كما شدد على أن “الحاجة الملحة اليوم تكمن في إنهاء الحرب في غزة وإنقاذ المدنيين”.

إسرائيل تصف القرار بـ”مكافأة للإرهاب”

رد الفعل الإسرائيلي لم يتأخر، فقد وصف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قرار باريس بأنه “يكافئ الإرهاب”، مضيفا في بيان رسمي أن “الاعتراف بدولة فلسطينية في هذه الظروف سيكون منطلقا لإبادة إسرائيل”. أما وزير الخارجية جدعون ساعر، فقال عبر منصة “إكس”: “الدولة الفلسطينية ستكون دولة حماس“.

نائب رئيس الوزراء ياريف ليفين وصف القرار بأنه “نقطة سوداء في التاريخ الفرنسي”، معتبرا أنه يمثل “دعما مباشرا للإرهاب”، ودعا إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية.

واشنطن من جانبها أدانت القرار بشدة

الولايات المتحدة، الحليف الأقرب لإسرائيل، انتقدت خطوة ماكرون بشدة، وقال وزير الخارجية الأمريكي “الولايات المتحدة ترفض بشدة خطة ماكرون للاعتراف بدولة فلسطينية.. خطة ماكرون متهورة ولا تخدم سوى دعاية حماس، وتُعد انتكاسة لجهود السلام وصفعة في وجه ضحايا هجوم 7 أكتوبر”.

بوضوح أخرج إعلان فرنسا التوترات الغربية حول الملف الفلسطيني إلى العلن، خاصة أن العلاقات بين باريس وواشنطن شهدت توترا بسبب ملفات أخرى كأوكرانيا والرسوم الجمركية.

فرنسا تميّز نفسها عن الاعترافات السابقة

رغم أن إسبانيا، إيرلندا، النرويج، وسلوفينيا قد اعترفت بفلسطين خلال عام 2024، إلا أن باريس حرصت على التأكيد أن قرارها ليس رمزيا بل “مفيد وفعّال”، وعلى الرغم من أن ماكرون يقول إن الدولة الفلسطينية المستقبلية يجب أن تكون منزوعة السلاح إلا أن إعلانه جاء معاكسا تماما لخطط إسرائيل بضم الضفة الغربية وحذف أي خطة لإقامة دولة فلسطينية.

وأمس الأول الأربعاء، أقر 71 نائبا إسرائيليا نصا يدعو إلى ضم الضفة، وإلغاء أي خطة لإقامة دولة فلسطينية.

الرئيس الفرنسي شدد على أن الدولة الفلسطينية المستقبلية يجب أن تكون “منزوعة السلاح”، وأن تعترف بإسرائيل بشكل كامل، مشيرا إلى أن هذه المعايير ضرورية لكي تسهم الدولة الفلسطينية في استقرار المنطقة وأمن الجميع، بما فيهم الإسرائيليون.

في رسالة خطية موجهة إلى عباس في 9 يونيو/حزيران، قال ماكرون إنه “سيكون متابعا بدقة لمسار وقف إطلاق النار، وتحرير جميع الرهائن المحتجزين لدى حماس، وتجريد الحركة من سلاحها، وتعزيز سلطة السلطة الفلسطينية في كامل الأراضي الفلسطينية”.

مؤتمر دولي في الأفق… وفرنسا والسعودية تتصدران المشهد

إلى جانب إعلان الاعتراف، أعلنت باريس أنها ستتشارك مع السعودية في رئاسة مؤتمر دولي على مستوى الوزراء في نيويورك يومي 28 و29 يوليو/تموز، يعقبه مؤتمر آخر على مستوى رؤساء الدول في باريس أو نيويورك، بهدف إطلاق مسار سياسي جديد لتنفيذ حل الدولتين.

وبحسب مصادر دبلوماسية فرنسية، فإن ماكرون قرر المُضي قدما في هذا المسار بعد تراجع زخم المؤتمر السابق الذي كان من المزمع عقده في يونيو، لكن تم تأجيله بسبب التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران.

رحّب الفلسطينيون على المستويين الرسمي والشعبي بإعلان ماكرون، وقال حسين الشيخ، نائب رئيس الوزراء الفلسطيني، إن هذا القرار “يمثّل التزام فرنسا بالقانون الدولي ودعمها لحقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره”، كما شكرت السلطة الفلسطينية، السعودية، على “الجهد الكبير الذي بذلته مع فرنسا للاعتراف بدولة فلسطين”.

من جهتها، اعتبرت حركة (حماس) القرار “تطورا سياسيا إيجابيا يعكس تنامي القناعة الدولية بعدالة القضية الفلسطينية”، ودعت دول أوروبا إلى أن تحذو حذو فرنسا.

السعودية، التي تشترك مع فرنسا في رئاسة المؤتمر الدولي، وصفت الإعلان بـ”القرار التاريخي”، وجددت دعوتها لباقي الدول إلى اتخاذ خطوات مماثلة تعزز التزام المجتمع الدولي بقرارات الأمم المتحدة وحقوق الشعب الفلسطيني.

ومن ناحيتها أكدت الخارجية الأردنية في بيان أن المملكة “تثمّن قرار الرئيس الفرنسي باعتباره خطوة هامة للتصدّي لمساعي إنكار حق الشعب الفلسطيني غير القابل للتصرف في تقرير المصير وتجسيد دولتهم المستقلة وذات السيادة على ترابهم الوطني”.

مواقف أوروبية منقسمة

رغم الدعم العربي وبعض الأوروبي، إلا أن مواقف دول القارة العجوز لا تزال منقسمة، فقد أعربت ألمانيا سابقا عن رفضها للاعتراف في الوقت الراهن، المستشار السابق أولاف شولتس كان قد صرح بأن “الاعتراف الرمزي ليس هو الطريق المناسب، ولا يوجد حتى الآن وضوح حول حدود الدولة الفلسطينية”.

أما المملكة المتحدة، فعبّرت عن اهتمامها بالملف، لكنها لم تتخذ أي خطوة عملية، وإن كانت تشارك إلى جانب فرنسا وألمانيا في محادثات “طارئة” لمناقشة الوضع في غزة، بحسب ما أعلنه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي أشار إلى أن “وقف إطلاق النار في غزة سيمهّد الطريق نحو الاعتراف بدولة فلسطينية”.

وعقب إعلان ماكرون نقلت شبكة “سي إن إن” عن مسؤول في الرئاسة الفرنسية قوله “تحدثت مع زملاء آخرين عبر الهاتف، وأنا واثق أننا لن نكون الوحيدين الذين سيعترفون بفلسطين في سبتمبر”.

وتعتقد “سي إن إن” أنه من المرجح أن تتجه الأنظار إلى المملكة المتحدة، وربما إلى ألمانيا أيضا للاعتراف بفلسطين.

لماذا القرار الفرنسي مهم؟

ما يجعل قرار ماكرون مختلفا هو توقيته، ومكانة فرنسا الدولية، والأثر السياسي الذي قد يترتب عليه، ففرنسا ليست فقط لاعبا رئيسا في أوروبا، بل هي طرف دائم في مجلس الأمن وصاحبة شبكة تحالفات واسعة في الشرق الأوسط، كما أنها الدولة الوحيدة من مجموعة السبع التي اتخذت هذه الخطوة حتى الآن، كما أن ماكرون لم يكتفِ بالإعلان، بل أرفق قراره بخريطة طريق سياسية واضحة تتضمن مؤتمرات دولية، ودعوة لإصلاح السلطة الفلسطينية، إضافة إلى أن القرار جاء في وقت تمارس فيه إسرائيل وواشنطن ضغطا على حركة (حماس) من أجل إطلاق سراح الرهائن جميعهم، إضافة إلى مخطط لتهجير الفلسطينيين من غزة.

وبينما تغلي إسرائيل وواشنطن من الغضب، يراهن ماكرون على أن الضغط السياسي والدبلوماسي يمكن أن يُحدث تحولا في مواقف المجتمع الدولي، ويُعيد حل الدولتين إلى مسار قابل للتطبيق بعد سنوات من الجمود.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان