نيويورك تايمز: أزمة غزة اختبار أخلاقي لترامب يذكّر بأخطاء رؤساء سابقين

US President Donald Trump speaks before signing the VA Home Loan Program Reform Act in the Roosevelt Room of the White House in Washington, DC, on July 30, 2025.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (الفرنسية)

ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في تحليل لها بشأن الوضع في غزة أن المجاعة المتفاقمة في القطاع المحاصر تشكل اختبارًا أخلاقيًّا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، شبيهًا باختبارات إنسانية واجهها رؤساء أمريكيون سابقون.

إرث التدخل الإنساني لدى الرؤساء الأمريكيين

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وأضافت الصحيفة “مرات عديدة، وجد الرؤساء الأمريكيون أنفسهم يشاهدون معاناة الشعوب في بلدان بعيدة، وهم يدركون أن بإمكانهم اتخاذ خطوات لإنقاذ أرواح الأبرياء. صور الموت والبؤس من مناطق مثل البلقان ورواندا ودارفور وسوريا طاردت ضمائرهم، وأحيانًا دفعتهم إلى التحرك، ولكن كثيرًا ما كانت تنتهي بالأعذار”.

وأوضحت الصحيفة أن صور الأطفال الجوعى في غزة تثير موجات جديدة من الدعوات إلى التحرك العاجل، وقد أقر ترامب نفسه بتأثره بهذه المشاهد حين قال في اسكتلندا مطلع الأسبوع: “بعض هؤلاء الأطفال يعانون من الجوع الحقيقي. أراهم، ولا يمكنك التظاهر بذلك. لذلك، سننخرط أكثر في الأمر”.

ورغم أنه لم يحدد المقصود بـ”الانخراط أكثر”، فإن قراره السابق بسحب مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف من مفاوضات وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس بدا وكأنه تراجع عن أي دور مباشر. لكن ويتكوف سيزور إسرائيل الخميس لمناقشة الوضع في غزة، وقد يزور أحد مراكز توزيع الغذاء هناك، بحسب تقارير إسرائيلية.

ويأتي ذلك في وقت تشير فيه تقارير منظمات الإغاثة إلى وصول الجوع في غزة إلى مستويات كارثية. فقد ذكرت مجموعة تابعة للأمم المتحدة أن سيناريو المجاعة الأسوأ يتحقق بالفعل، وقال مسؤولون صحيون في غزة إن عشرات من السكان -بينهم أطفال- ماتوا جوعًا في الأسابيع الأخيرة. وقد عززت صور الأطفال الهزيلين والمواطنين الذين يتقاتلون من أجل الطعام هذا الانطباع القاتم.

من جانبها، تنفي إسرائيل مسؤوليتها عن أزمة الغذاء، معتبرة أن حماس تبالغ في تصوير الأزمة. وقال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: “لا توجد سياسة تجويع في غزة، ولا توجد مجاعة في غزة”، مضيفًا أن حماس “تسرق هذه المساعدات الإنسانية وتتهم إسرائيل بعدم تقديمها”. لكن حماس تنفي ذلك، وقد أقرّ مسؤولون في الجيش الإسرائيلي سرًّا بعدم وجود أدلة على سرقة منهجية للمساعدات من قبل حماس.

ورغم هذه التصريحات، يتزايد الغضب العالمي. فقد أعلنت فرنسا نيتها الاعتراف بدولة فلسطين في الأمم المتحدة في سبتمبر، وقالت بريطانيا إنها ستفعل مثل ذلك ما لم توافق إسرائيل على وقف لإطلاق النار.

انتقادات من داخل معسكر ترامب وخيارات محدودة أمامه

وفي واشنطن، أقدمت النائبة الجمهورية مارجوري تايلور غرين، المعروفة بولائها لترامب، على وصف ما تفعله إسرائيل في غزة بأنه “إبادة جماعية”.

وبحسب تحليل “نيويورك تايمز” فإن خيارات ترامب محدودة، فالولايات المتحدة تزود إسرائيل، حليفتها الوثيقة، بمساعدات عسكرية تقدّر بمليارات الدولارات سنويا. وحتى إن كانت حماس تعرقل دخول المساعدات، فإن ترامب لا يملك تأثيرا مباشرا فيها. خياره الحقيقي الوحيد هو مطالبة إسرائيل، التي تسيطر على حدود غزة، ببذل المزيد لتسهيل وصول المساعدات وحماية القوافل الإغاثية.

وقد يتطلب حلٌّ طويل الأمد استخدام المساعدات الأمريكية ورقة ضغط على نتنياهو للقبول بوقف إطلاق النار بشروط أقل مما كان يطالب به سابقًا.

تشابه مع مواقف رؤساء سابقين

ونقلت الصحيفة عن ستيفن ويرتهايم، كبير الباحثين في برنامج السياسة الأمريكية الخارجية بمؤسسة كارنيغي للسلام، أن هذا الوضع يُذكر بتاريخ تردد الرؤساء الأمريكيين في مواجهة الأزمات الإنسانية، قائلًا إن “تبريرات ترامب بشأن غزة تشبه سلسلة طويلة من الرؤساء الذين تعرضوا لضغوط للتدخل في كوارث إنسانية”.

وأشارت الصحيفة إلى أنه سابقا كان هناك شعور متنامٍ لدى الولايات المتحدة بالتزامها الأخلاقي اتجاه الشعوب المحتاجة، ونوهت إلى أن رؤساء محافظين مثل هربرت هوفر أمروا بتقديم مساعدات للمجاعة في روسيا السوفيتية عام 1921 رغم اختلاف الأيديولوجيا، مؤكدًا حينها أن “الجوعى يجب أن يُطعموا مهما كانت معتقداتهم السياسية”.

وأضافت أن الحرب الباردة عززت هذا التوجه، حيث استخدمت الولايات المتحدة المساعدات أداةً لتعزيز نفوذها العالمي. لكن مع ذلك، فإن العديد من المحافظين يؤمنون بأن الولايات المتحدة ليست جمعية خيرية، ويجب أن تكون مساعداتها مشروطة بالمصلحة القومية. ويتبنى ترامب هذا المبدأ في سياسته الخارجية المعروفة بـ”أمريكا أولًا”، التي تضمنت تخفيضات كبيرة في ميزانيات المساعدات الخارجية، وتقويض دور الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.

وفي هذا السياق قال ستيفن بومبر مدير السياسات في مجموعة الأزمات الدولية لنيويورك تايمز إن رئيسًا يروج لمبدأ “أمريكا أولًا” إنما يقوّض النظام الدولي الذي ساهمت الولايات المتحدة في بنائه لمنع الفظائع الإنسانية.

وأضاف بومبر: “الولايات المتحدة اليوم تبدو وكأنها ترفض المبادئ المؤسسة للنظام الدولي الذي ساعدت هي نفسها في إنشائه”.

وذكّرت الصحيفة بأمثلة من التاريخ، منها تردد الرئيس بيل كلينتون في التدخل لوقف مجازر رواندا عام 1994 رغم أنه تولى الرئاسة بشعارات حقوق الإنسان. كما رفض حينها دعوات إلى التدخل في البوسنة، إلى أن وقعت مجزرة سريبرينيتسا عام 1995، التي راح ضحيتها ٨ آلاف مسلم بوسني، مما دفعه إلى التدخل العسكري الذي مهّد لاتفاق سلام.

وفي أوائل 2000، ضغط نشطاء ومشاهير على إدارة جورج بوش الابن للتدخل في دارفور، وبعد أن صنفت الخارجية الأمريكية ما يحدث هناك على أنه “إبادة جماعية” عام 2004، رفض بوش إرسال قوات أمريكية، مبررًا ذلك بتداعيات الحربين في العراق وأفغانستان.

أما الرئيس باراك أوباما، فقد تبنى نهجًا جديدًا قائمًا على منع الفظائع الجماعية كأولوية للأمن القومي. وطبّق ذلك في ليبيا عام 2011 عبر ضربات جوية لمنع مجزرة وشيكة في بنغازي، لكنه ندم لاحقًا على تحول التدخل المحدود إلى حملة عسكرية طويلة الأمد أغرقت البلاد في الفوضى.

وفي سوريا، ورغم الدعوات للتدخل ضد نظام الأسد، رفض أوباما شن ضربات جوية، واكتفى بتدخل محدود ضد “تنظيم الدولة”.

غزة اختبار متجدد لرؤساء أمريكا

وقالت الصحيفة إن الوضع في غزة يمثّل اختبارًا صعبًا لترامب كما كان لبايدن قبله. فقد واجه الأخير انتقادات لاذعة بسبب دعمه لإسرائيل، وتعرض لمقاطعات من ناشطين وصفوه بـ”المتواطئ في الإبادة الجماعية”. ورغم محاولاته المتكررة للضغط على نتنياهو، فإنه لم يقطع العلاقات معه.

وبحسب مسؤولين في إدارة بايدن، فإن حماس كانت تتشدد في مواقفها التفاوضية كلما شعرت بوجود خلاف أمريكي إسرائيلي، وهو ما جعل بايدن يتردد في اتخاذ مواقف أكثر حدة.

ومع ذلك، لجأ بايدن إلى إجراءات رمزية مثل إسقاط مساعدات جوًّا، وبناء رصيف بحري بقيمة 230 مليون دولار لإدخال المساعدات. غير أن منتقدين رأوا أنها مجرد عروض إعلامية لا ترقى إلى ضغوط حقيقية على إسرائيل.

ستيفن ويرتهايم، الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، قال لنيويورك تايمز إن “المأزق ليس جديدًا على رؤساء الولايات المتحدة”، مضيفًا: “تبريرات ترامب بشأن غزة تذكرنا بسلسلة طويلة من الرؤساء الذين تعرضوا لضغوط للتدخل في كوارث إنسانية”.

وأضاف ويرتهايم: “المشكلة الحقيقية في غزة ليست ما يفعله الآخرون، بل ما تفعله أمريكا. فهذه ليست مجرد حالة يسود فيها الشر، بل حالة تشارك فيها الولايات المتحدة مباشرة في سلوك إسرائيل”.

المصدر: الجزيرة مباشر + نيويورك تايمز

إعلان