كيف يقدّر الخبراء أعداد حشود التجمعات؟ ولماذا تتضارب الأرقام؟

شهد جسر ميناء سيدني مسيرة حاشدة دعما لغزة، يوم الأحد الماضي، حيث اكتظت جنبات الجسر وطرقه بمئات الآلاف من المشاركين الذين رفعوا شعارات التضامن مع الشعب الفلسطيني.
ولكن، كالعادة في الفعاليات الجماهيرية الكبرى، اختلفت تقديرات عدد الحضور بشكل كبير: الشرطة الأسترالية أعلنت أن العدد بلغ نحو 90 ألفا، بينما أكد منظمو المسيرة أن العدد وصل إلى 300 ألف، في حين أشارت تقارير إعلامية وتقديرات خبراء إلى أرقام مختلفة تراوحت بين هذين الحدين.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4“صناعة الخونة”.. لماذا يكرر الاحتلال تجربة “أبو شباب” بعد مقتله في غزة؟ (فيديو)
- list 2 of 4من نيويورك إلى الجامعات.. كيف تضغط منظمة موالية لإسرائيل على المعارضين؟ (فيديو)
- list 3 of 4سخرية أم إساءة؟.. كوميدي إسرائيلي في مرمى الاتهام بعد صورة مثيرة للجدل (شاهد)
- list 4 of 4مندوب مصر السابق لدى الأمم المتحدة: لقاء ترامب ونتنياهو مفتاح المرحلة الثانية (فيديو)
فما السبب وراء هذا التفاوت؟ ولماذا يصبح تقييم أعداد الحشود نقطة جدل في كل حدث جماهيري؟
لماذا تثير أعداد الحشود هذا الاهتمام والجدل؟
يقول موقع “ذا كونفرسيشن” بنسخته الأسترالية إن تقدير أعداد المشاركين في التجمعات العامة ليس مجرد رقم إحصائي، فهو يحمل دلالات رمزية وسياسية واجتماعية، ويؤثر بشكل مباشر على صورة الحدث في وسائل الإعلام والرأي العام. فكلما كان العدد كبيرا، زادت قوة الرسالة التي يسعى منظمو الحدث لإيصالها، سواء كان ذلك في دعم قضية، أو رفض سياسات، أو حتى في الاحتفال بإنجازات.
الأسس العلمية لتقدير أعداد الحشود
لا توجد طريقة واحدة لتقدير الحشود، بل يستعين الخبراء بمنهجيات عدة، كل منها يناسب ظروفا معيَّنة ويعاني نقاط ضعف:
- 1. التقدير اليدوي البصري
تعتمد هذه الطريقة التقليدية على تقييم الكثافة السكانية (عدد الأشخاص في كل متر مربع) في مناطق عشوائية من الحشد استنادا إلى ملاحظات بشرية أو صور جوية، ثم ضرب الكثافة بالمساحة الكلية للحشد.
ورغم بساطتها فإنها عرضة لأخطاء كبيرة بسبب صعوبة تقدير الكثافة بدقة، وتفاوتها من منطقة إلى أخرى داخل الحدث نفسه، إضافة إلى احتمال الخطأ في حساب المساحات.
- 2. الرؤية الحاسوبية (Computer Vision)
تستخدم الصور الجوية الملتقطة بواسطة طائرات أو طائرات مسيَّرة (درون)، وتحللها برامج متقدمة أو أنظمة ذكاء اصطناعي، لتحديد الأشخاص أو قياس كثافة التجمعات.
هذه الطرق توفر دقة أعلى، وخاصة في الأماكن المفتوحة، لكنها تتأثر بشدة بظروف الطقس، الإضاءة، والمعوقات البصرية كالأعلام أو المظلات، ويمكن أن تواجه صعوبة في العد ضمن الحشود الكثيفة.
- 3. الاستشعار اللاسلكي
تستند هذه التقنية إلى قياس إشارات الواي فاي أو البلوتوث المنبعثة من هواتف الحاضرين، أو تحليل بيانات أبراج الاتصالات لمعرفة عدد الأجهزة النشطة في المنطقة.
قد توفر هذه الطريقة مؤشرا جيدا في الفعاليات الواسعة الانتشار أو تلك التي تضم مشاركين متحركين، لكنها تعتمد على مدى تفعيل الأجهزة، وحمل الحاضرين لهواتفهم.
- 4. الذكاء الاصطناعي والتعلم العميق
تعتمد تقنيات حديثة على الشبكات العصبية الاصطناعية، لترسم خرائط كثافة دقيقة للحشود عبر تحليل الصور وتقدير أماكن الأشخاص وحجومهم في المشهد، مع تصحيح التشوهات الناتجة عن زاوية التصوير والمسافة، لكن هذه الأنظمة تحتاج إلى بيانات تدريب دقيقة ومناسبة لكل نوع تجمُّع وظروفه.
لماذا يصعب الوصول إلى رقم دقيق؟
رغم التقدم التكنولوجي، تبقى التقديرات عرضة للخطأ والعوامل المتغيرة. فاختلاف شكل المكان، أو حركة الناس بين المساحات، أو تغير الكثافة في أوقات مختلفة، كلها تحديات رئيسية. كما تؤثر العوامل النفسية، حيث يميل جميع المراقبين -خاصة المنظمين أو المؤيدين- إلى تقدير العدد بشكل أعلى مما هو واقعي، وهو ما يُعرف بتضخيم أثر عاطفة الحشد.
التوقيت كذلك عنصر حاسم، فقد يختلف عدد الحاضرين بين بداية الحدث وذروته بشكل لافت، وأي رقم يُعلَن خارج السياق الزمني الدقيق يفقد الكثير من دقته.
وغالبا ما تكون أكثر التقديرات موثوقية هي التي تجمع بين أكثر من منهجية، وتحلل النتائج بنزاهة وشفافية، عبر توفير شرح واضح للطريقة المستخدمة والافتراضات المعتمدة.
الأبعاد الأمنية واللوجستية
يمتد أثر تقدير أعداد الحشود إلى الجوانب الأمنية والخدماتية، إذ إن التقليل من العدد الفعلي يمكن أن يؤدي إلى نقص في الاستعدادات، ويعرّض الحضور لخطر التدافع أو الاختناق، بينما قد تتسبب المبالغة في فرض قيود غير ضرورية أو حتى إلغاء فعاليات.
يبقى تقدير عدد المشاركين في الأحداث الجماهيرية فنا يتداخل فيه العلم مع تأثيرات بشرية واجتماعية، ولا يوجد عادة رقم نهائي قاطع.