خبير دولي للجزيرة مباشر: أثر المجاعة على أهالي غزة سيمتد لعقود بعد الحرب (فيديو)

حذر خبير دولي في الصحة العامة والعمل الإنساني من أن التجويع الممنهج الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي على أهالي قطاع غزة منذ أشهر لن ينتهي بانتهاء الحرب، بل قد تمتد آثاره الصحية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية لعقود قادمة.

ووصف بول شبيغل، مدير مركز الصحة الإنسانية في جامعة جونز هوبكنز الأمريكية، وأحد أبرز الخبراء العالميين في الصحة العامة في مناطق النزاعات، في حوار للجزيرة مباشر، ما يحدث في قطاع غزة بأنه كارثة ممتدة وليس أزمة مؤقتة.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

وأكد شبيغل، أن حرمان أكثر من مليوني إنسان من الغذاء والماء والرعاية الصحية الأساسية، في ظل حصار وقصف العدوان الإسرائيلي، سيترك آثارا لا تُمحى على الأجيال الحالية والمقبلة.

الأطفال الأكثر تضررا

وأوضح شبيغل أن أكثر الفئات تضررا من التجويع هم الأطفال، إذ تؤثر المجاعة في أجسادهم وأدمغتهم، وهي في طور النمو، فتسبب توقفا للنمو الجسدي أو ما يُعرف بالتقزم مع ضعف تطور الدماغ.

ويتوقع الخبير أن ينعكس ذلك على القدرات المعرفية والقدرة على التعلم والتحصيل الدراسي مستقبلا، ويقود في نهاية المطاف إلى تراجع فرص العمل والدخل في حياة الأشخاص البالغين.

واستشهد شبيغل بنتائج الدراسات التي أُجريت على ناجين من مجاعات تاريخية، مثل شتاء الجوع الهولندي في الحرب العالمية الثانية، التي كشفت أن الأطفال الذين تعرضوا للجوع المبكر حققوا نتائج تعليمية متدنية، وحصلوا على فرص اقتصادية محدودة، وعانوا أمراضا مزمنة أكثر من أقرانهم.

وأوضح أن الجوع يترك تأثيرا خطيرا أيضا في الأجيال القادمة من خلال النساء الحوامل، إذ يؤدي سوء التغذية الشديد إلى مضاعفات خطرة لكل من الأم والجنين، مثل ضعف البنية الجسدية أو مشكلات النمو العصبي منذ الولادة.

وأفاد شبيغل بأن نقص المغذيات الدقيقة، مثل عنصر الحديد وحمض الفوليك، يزيد من احتمالات الإجهاض والولادة المبكرة، وأمراض مزمنة للأطفال لاحقا، مما يرسخ حلقة الفقر والمرض عبر الأجيال.

حكمت بدر طفل شهيد سوء التغذية مجاعة
استشهد الطفل حكمت بدر نتيجة الجفاف وسوء التغذية

أضرار لا يمكن إصلاحها

وشدد شبيغل، الذي شغل سابقا منصب رئيس الصحة العامة في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، على أن آثار التجويع المطول ليست قابلة للعلاج بسهولة، حتى بعد توفر الغذاء، فالجسم يدخل أثناء المجاعة في حالة انهيار شاملة تؤدي إلى ضعف الجهاز المناعي وفقدان الكتلة العضلية، وتلف الأعضاء الحيوية مثل الكبد والكلى والقلب.

وأضاف أن نقص المغذيات الدقيقة يشكل خطرا إضافيا، إذ قد يؤدي غياب فيتامين “أ” إلى العمى الليلي، كما يؤدي نقص الحديد إلى فقر الدم الحاد، بينما يُضعف نقص الزنك والفيتامينات الأخرى المناعة، ويتسبب في مشكلات للصحة الإنجابية.

ولا تقتصر هذه الأضرار على المدى القريب، بل تمتد مدى الحياة، بحسب شبيغل الذي استشهد بأمثلة موثقة من مجاعات سابقة في إفريقيا مثل إثيوبيا والصومال، حيث عانى الناجون أمراض القلب والسكري والاكتئاب وضعف الأداء المدرسي لعقود.

وأضاف أن ما يحدث في غزة اليوم يتسم بخطورة أكبر، لأنه ليس توقفا مفاجئا للغذاء لمرة واحدة، بل سلسلة من موجات التجويع التي تتكرر منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، مما يضاعف الضرر الجسدي والنفسي والاجتماعي.

وتابع قائلا “بالنسبة للأطفال، فإن الضرر الذي يلحق بالنمو الجسدي والعقلي لا يمكن إصلاحه، وسيظل يلاحقهم مدى الحياة، مع ضعف في مقاومة الأمراض وتراجع القدرة على التعافي حتى بعد انتهاء الأزمة”.

آلاف الأطفال في غزة مهددون بالموت جوعا
آلاف الأطفال في غزة مهدَّدون بالموت جوعا (رويترز)

سلاح الحروب

ويرى شبيغل، الذي يواجه اتهامات متلاحقة من داعمي إسرائيل “بخيانة إرثه اليهودي” لوقوفه ضد الاحتلال الاسرائيلي، أن ما يحدث في غزة هو نموذج واضح لاستخدام التجويع سلاح حرب ممنهجا، من خلال الحصار الخانق وتدمير المحاصيل واستهداف مصادر المياه والسيطرة على دخول المساعدات الغذائية.

وأوضح أن هذه الجرائم محظورة بشكل صارم بموجب القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ويصف ما يجري بأنه “انتهاك صارخ” لهذه القوانين وجريمة حرب مع سبق الإصرار.

وأكد شبيغل أن ما يجري اليوم في قطاع غزة سيحدد مستقبل الصحة العامة والقدرة على الحياة الكريمة لأجيال كاملة، قائلا “هذه ليست مجرد أزمة إنسانية، بل جريمة ستبقى آثارها محفورة في أجساد الناس وعقولهم لعقود”.

وشدد على أن إنقاذ الأرواح لا يتطلب فقط إيصال الغذاء بشكل عاجل، بل أيضا ضمان استمرارية الإمدادات، وتوفير رعاية صحية شاملة لمعالجة سوء التغذية الحاد والمضاعفات المرتبطة به، مع ضرورة محاسبة من يستخدمون الجوع سلاحا لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان