أنس الشريف.. صوت غزة الذي أبكى الجميع ومضى

“كمّل.. أنت صوتنا يا أنس”، عبارة قصيرة هتف بها رجل غزاوي من خلف الكاميرا في منتصف بث مباشر، حين انهار مراسل الجزيرة أنس الشريف باكيا وهو يوثّق سقوط امرأة فلسطينية أرضا بسبب الجوع.
لخّصت الجملة الدور الهائل الذي اضطلع به أنس الشريف، كما كان المشهد كاشفا لثقل المعاناة التي يحملها مراسل من قلب الحرب، ملهما في الوقت نفسه ملايين الذين تابعوه على الشاشات.
اقرأ أيضا
list of 2 items- list 1 of 2بالفيديو والدموع.. اللحظات الأولى بعد استشهاد مراسلي الجزيرة في غزة
- list 2 of 2إسرائيل تحت “القصف الصحفي” بعد اغتيال مراسلي الجزيرة في غزة
وبقدر ما كان المشهد مؤثرا للملايين الذين تابعوه على الهواء مباشرة، كان مستفزا للاحتلال الإسرائيلي، الذي وثق أنس جرائمه، ليخرج المتحدث باسمه نهاية يوليو/تموز الماضي، ساخرا من أنس، ولم يمض سوى أسبوعين حتى انتقم الاحتلال.
واليوم الاثنين 11 أغسطس/آب، دُفن أنس بعد أن استُشهد في غارة إسرائيلية استهدفت خيمة صحفيي الجزيرة أمام مستشفى الشفاء في مدينة غزة.
اليوم، انتهى مشوار كاميرا لم تنطفئ، اليوم أُخرس صوت لم يعرف السكوت، طيلة عامين من التغطية الصحفية المكثفة تحت القصف.
ابن غزة البار
وُلد أنس جمال محمود الشريف عام 1996، في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، وقد درس الإعلام في جامعة الأقصى بالقطاع، قبل أن يبدأ حياته العملية من الميدان عبر التوثيق على وسائل التواصل الاجتماعي.
التحق بشبكة الجزيرة مراسلا ميدانيا مع بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة نهاية عام 2023، ليتحول إلى وجه بارز عرفه المشاهدون في تغطية الأزمة على مدى شهور الحرب.
في ديسمبر/كانون الأول 2023، استشهد والد أنس في قصف إسرائيلي على منزل العائلة في جباليا، ورغم الحزن العميق، عاد أنس إلى عمله بعد أيام فقط، حاملا ميكروفون الجزيرة، ومرددا “الصوت الذي لا يجب أن يُخرس”.
أب حنون
في مارس/آذار الماضي، خرجت كلمات صغيرة، لكنها كاشفة لحجم الخطر الذي يتهدد أنس وكل من يحمل شارة الصحافة في قطاع غزة، إذ قالت ابنته شام “أنا خايفة على بابا”.
وفي مقطع آخر مؤثر، ظهر أنس محتضنا ابنته شام، وهما يتعاهدان على البقاء في قطاع غزة، في رسالة ظهر فيها الحب والتمسك بالوجود، رغم العدوان المتواصل.
استفزاز الاحتلال
استفز أنس الاحتلال، عندما خرج المتحدث باسمه أفيخاي أدرعي ساخرا، على تغطية حادثة سقوط امرأة أرضا بسبب الجوع، وقال “فيلم اليوم من إنتاج هوليوود فرع غزة”، في تعليق عكس حجم الحقد الذي يكنه الاحتلال لأنس، وكل من يحاول كشف حقيقة ما يجري في القطاع.
وتلقى أنس تهديدات متكررة وحملة تشهير قادها أدرعي، المتحدث باسم الاحتلال، الذي سعى إلى نزع الصفة الصحفية عن الشريف، تمهيدا لاغتياله.
وقد قوبل تحريض الاحتلال بإدانة واسعة من المنظمات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة ولجنة حماية الصحفيين والاتحاد الدولي للصحفيين، لكن الاحتلال لم يتورع عن المضي في جريمته.
الكلمة الأخيرة
في 6 إبريل/نيسان 2025، كتب أنس الشريف كلماته الأخيرة، مشترطا أن تخرج إلى العلن “فقط إذا رحل وهو يؤدي واجبه”، وبعد استشهاده، نفذت إدارة صفحاته على مواقع التواصل وصيته، فنشرت رسالة وداعه.
وبقدر ما كانت كلمة أنس الأخيرة كاشفة عن وعيه بالخطر الذي كان يتهدده، بقدر ما كشفت عن عزمه المضي في طريقه الذي اختطه لنفسه.
وقال أنس “إذا وصلتكم كلماتي هذه، فاعلموا أن إسرائيل قد نجحت في قتلي وإسكات صوتي، لقد بذلت كل ما أملك لأكون سندا وصوتا لأبناء شعبي”.
خاطب أنس شعب غزة قائلا “أوصيكم ألا تُسكتكم القيود، ولا تُقعدكم الحدود، كونوا جسورا نحو تحرير البلاد والعباد، حتى تشرق شمس الكرامة والحرية”.
وختم “أوصيكم بقُرّة عيني ابنتي الحبيبة شام، وابني صلاح، ليكملا رسالتي”.
ادعاءات الاحتلال
ومساء الأحد، استهدفت غارة إسرائيلية خيمة مخصَّصة لعمل الصحفيين، واستُشهد مع أنس عدد من زملائه من طاقم الجزيرة؛ المراسل محمد قريقع والمصورون إبراهيم ظاهر ومحمد نوفل ومؤمن عليوة.
وبعد اغتياله، كرر الاحتلال مزاعمه بأن الشريف كان “قائد خلية”، لكن الجزيرة ومنظمات حقوقية وصحفية أكدت أن لا دليل موثوقا على هذه المزاعم، واعتبرتها استمرارا لنهج وصم الصحفيين لتبرير استهدافهم.