صغار بأربعة أرجل.. الإيطاليون يستبدلون الأطفال بالكلاب والقطط ويفرطون في تدليلها

في إيطاليا، حيث تراجعت أعداد المواليد وامتدت أعمار الشيوخ، وجدت الكلاب والقطط طريقها وسط العائلة.
ولم تعد مجرد حيوانات أليفة، بل غدت في مقام الأبناء، وبين الطعام الفاخر والرعاية المبالغ فيها والإنفاق بسخاء، تعادل مشاعر الإيطاليين نحو حيواناتهم الأليفة الحب لطفل غائب، وربما أكثر.
اقرأ أيضا
list of 2 items- list 1 of 2حديقة حيوان دنماركية تحث السكان على التبرع بحيواناتهم الأليفة لإطعام الأسود
- list 2 of 2تركيا.. ماذا وراء أزمة “كلاب الشوارع” بين الحكومة والمعارضة؟
فنادق فاخرة للكلاب
افتتح مطار روما في يوليو/تموز الماضي، فندقا فاخرا للكلاب، يحمل اسم “Dog Relais”، مجهزا بأرضيات باردة وعطور طبيعية كزيوت اللافندر والنعناع، إضافة إلى مساحات خضراء خاصة بكل غرفة، وخدمات تدليك بأعشاب الأرنيكا.
الفندق، الذي يتسع لـ40 نزيلا، وفق صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، يوفّر بيئة آمنة ومريحة للكلاب أثناء سفر أصحابها، سواء كانوا من طواقم الطيران أو رجال الأعمال أو السياح.
ويؤكد مديره، روبرتو تورتوريلا، أن الهدف هو “منح الكلاب أفضل تجربة ممكنة في غياب أصحابها، حيث يمكنها اللعب والتواصل والشعور بالحب”.
أوضحت الصحيفة البريطانية، أن الفندق جزء من صناعة خدمات للحيوانات الأليفة المتنامية في إيطاليا، وتشمل حضانات مع خدمات توصيل، ومختبرات طبية متخصصة، وحتى تنظيم جنازات رسمية للحيوانات.
وبلغ إنفاق الإيطاليين على رعاية الحيوانات الأليفة 6.8 مليارات يورو في 2022، وفق بيانات “نوميزما” وهي شركة أبحاث واستشارات اقتصادية إيطالية.
لم يعد الأمر يقتصر على إطعام الكلاب بقايا الطعام، بل أصبح كثيرون يطهون لها وجبات خاصة ويحرصون على جودة غذائها.

انخفاض الولادات
ووفقا لمنصة “الإيطالية نيوز”، سجّل عام 2023 انخفاضا جديدا في عدد المواليد ليصل إلى 379 ألفا فقط، بمعدل 6.4 مواليد لكل ألف نسمة، وهو الأدنى تقريبا منذ عام 1995.
وتراجع متوسط عدد الأطفال لكل امرأة إلى 1.20، مقتربا من الحد الأدنى التاريخي (1.19) منذ عام 2008، فقدت البلاد 197 ألف ولادة، أي بانخفاض نسبته 34.2%.
ويبلغ عدد سكان إيطاليا 58.9 مليون نسمة، ويستمر الاتجاه نحو الشيخوخة، إذ يشكل من هم فوق 65 عاما نسبة 24.3% من السكان، بينما تجاوز عدد من هم فوق الثمانين عدد الأطفال دون العاشرة.
بيانات المعهد الوطني الإيطالي للإحصاء الصادرة في مارس/آذار 2024، أكدت أن عدد المواليد في 2024 انخفض أكثر ليبلغ حوالي 370 ألف طفل، وأن معدل الخصوبة تراجع إلى 1.18 طفل لكل امرأة، وهو أدنى مستوى منذ توحيد إيطاليا عام 1861، مع تجاوز عدد الوفيات عدد المواليد بنحو 281 ألفا.
وتوقع المعهد أن يتراجع عدد السكان من نحو 59 مليونا حاليا إلى حوالي 54.7 مليونا بحلول عام 2050.

الحيوانات بدل الأطفال
تشير منصة “الإيطالية نيوز” إلى أن أسباب اختيار الحيوانات بدل الأطفال متعددة، منها ارتفاع تكاليف المعيشة وتقصير السياسات الحكومية في دعم الأسر، والرغبة في الحفاظ على الحرية الشخصية وتجنّب الالتزامات الثقيلة التي تفرضها الأبوة والأمومة.
كما تلعب العوامل النفسية دورا، بما في ذلك الخوف من الفشل في العلاقات أو تجارب الانفصال، مما يدفع البعض لملء الفراغ العاطفي بتربية الحيوانات.
حاليًا، تحتضن إيطاليا أكثر من 10 ملايين قطة ونحو 9 ملايين كلب، إضافة إلى أنواع أخرى مثل الطيور والأرانب والأسماك، والتي يرى الكثيرون أنها تحسّن المزاج وتمنح شعورا بالأمان وتساعد على نمط حياة نشط.
دراسة مشتركة أُجريت بين مجموعة التأمين الإيطالية “يونيبول” وشركة الأبحاث العالمية “إبسوس”، أظهرت أن 28% من الإيطاليين يرون أن الحيوانات الأليفة قد تكون بديلا عن الأطفال، خاصة بين الأجيال الشابة، بينما يرفض 63% الفكرة تماما”.
حيوانات مدللة
وتظهر بيانات “تشيركانا” -شركة أبحاث سوق عالمية مختصة برصد المبيعات وتحليل اتجاهات السكان- أن مبيعات أغذية الحيوانات الأليفة بلغت 3 مليارات يورو بين يناير وأكتوبر 2023، بزيادة 15% عن العام السابق، رغم التضخم.
أصحاب القطط هم الأكثر إنفاقا، إذ بلغت مصروفاتهم نحو 1.2 مليار يورو، مع ارتفاع كبير في مبيعات مستلزمات النظافة مثل الرمل وصناديقه.
وتسمح الثقافة المحلية في روما باصطحاب الكلاب إلى أماكن عامة، بما في ذلك المطاعم ومحلات الطعام، على عكس قيود موجودة في دول أخرى مثل الولايات المتحدة.
كما وصلت الظاهرة إلى البرلمان، حيث حصلت عضو مجلس الشيوخ، ميكايلا بيانكوفوري، على حق اصطحاب كلبها معها إلى العمل، مؤكدة أن “الجليس لا يستطيع توفير الرعاية اللازمة له”.

انتقادات البابا ودعم الحكومة
ورغم انتقاد البابا الراحل فرنسيس للأسر التي تفضل تربية الحيوانات على إنجاب الأطفال، واعتباره ذلك “يُضعف الإنسانية”، فإن الحكومة الإيطالية الحالية تتبنى توجها مغايرا، إذ خصصت 250 ألف يورو سنويا كمكافأة لدعم أصحاب الحيوانات الأليفة من كبار السن ذوي الدخل المحدود، وشددت العقوبات على الجرائم ضد الحيوانات.
بين رفاهية الفنادق الفاخرة للكلاب وأرقام المواليد المتراجعة، تعكس إيطاليا اليوم تحوّلا اجتماعيا عميقا نحو اعتبار الحيوانات الأليفة شركاء حياة أساسيين.
وفي بلد يشيخ سكانه ويقل أطفاله، يبدو أن الكلاب والقطط أصبحت أبناء المستقبل، تحظى بالحب والرعاية وربما حتى بالدلال الذي كان يوما من نصيب الأطفال.