تقرير: هذه المدينة قد تصبح أول عاصمة حديثة تستنزف مياهها الجوفية

في قلب الريف الأفغاني، لم تعد معاناة السكان مرتبطة فقط بعقود من الحروب والنزاعات، بل أصبحت الكوارث المناخية تضرب حياتهم وسبل عيشهم بعنف متزايد.

في إقليم ميدان وردك، اجتاحت الفيضانات قرى كاملة، فجرفت المنازل وأغرقت الماشية، تاركة مئات العائلات في العراء.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

لم يسبق لها مثيل

وقال الشاب وحيد الله (18 عامًا)، وقد خسر منزله وكل ما تملك أسرته “لقد أكلنا ما تبقى لدينا من طعام، الفيضانات أخذت كل شيء؛ الطعام والأثاث وحتى بيتنا أصبح كومة طين وأنقاض، ولم يعد صالحًا للسكن”.

ويصف الزعيم المحلي في قرية تشينزاي، محمد قاسم، ما جرى بأنه غير مسبوق في ذاكرة أهل المنطقة، قائلا “عندما تغيّر المناخ، جاء معه الجفاف، الجبال والقمح وباقي المحاصيل جفت تمامًا، عمري 54 عامًا، ولم نشهد في حياتنا مثل هذه الكوارث”.

وفي الشمال، يواجه سكان إقليم بلخ مصيرًا مختلفًا لكنه لا يقل قسوة، إذ دفع الجفاف الأهالي إلى التفكير في الرحيل عن أراضيهم.

وأشار المزارع الخمسيني معروف إلى أرضه القاحلة، قائلًا “منذ 6 سنوات لم نحصد شيئًا مما زرعنا، لا محصول ولا مردود، في ظروف كهذه لا يبقى أمام الناس سوى الهجرة”.

وأضاف بحسرة “اتخذنا قرارنا بالفعل، اليوم أو غدًا سنترك القرية، عندما يكون لديك أطفال ومسؤولية إعالتهم، فماذا تفعل في هذا الخراب؟”.

رجل أفغاني يقول إن هذه الكارثة غير مسبوقة في بلاده
رجل أفغاني يقول إن هذه الكارثة غير مسبوقة في بلاده (الفرنسية)

الجفاف يهجّر السكان

وروى جاره، غول محمد، قصة أشد وقعًا، قائلا “عندما لا يكون هناك ماء ولا عمل، وأنت تعيل 12 فردًا، كيف تبقى؟ أطفالنا يبكون جوعًا، ولا ماء صالحًا للشرب، حتى الماء الذي نشربه من الخزان يُمرض الأطفال”.

هذه الشهادات تعكس واقعًا متكررًا في أنحاء أفغانستان، حيث تُهجّر الكوارث المناخية سنويًّا مئات الآلاف.

ورغم أن أفغانستان لا تكاد تساهم في انبعاثات تغير المناخ عالميًّا، فإنها من أكثر الدول تأثرًا بآثاره، كما يؤكد رئيس إدارة التغير المناخي في الوكالة الوطنية لحماية البيئة، روح الله أمين.

وقال إن “تغير معدلات الأمطار وارتفاع درجات الحرارة ساهما في موجات جفاف وفيضانات وعواصف ترابية، تدفع الناس للنزوح”.

هجّر الجفاف عددا من الأفغان من بيوتهم وقراهم
هجّر الجفاف عددا من الأفغان من بيوتهم وقراهم (الفرنسية)

أزمة تتوسع إلى العاصمة

وإذا كانت القرى تواجه الفيضانات والجفاف، فإن العاصمة كابل بدورها تقف أمام أزمة تهدد سكانها البالغ عددهم نحو 6 ملايين.

وحذرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، من أن المدينة قد تصبح أول عاصمة حديثة تستنزف مياهها الجوفية كليًّا بحلول عام 2030.

وتحولت المياه في أحياء المدينة، إلى سلعة نادرة يتقاتل عليها السكان.

ويقول أمان كريمي، الخياط في كابل، وهو يجر عربة محملة بالمياه “نحن نتشاجر يوميًّا، فالماء أصبح كالذهب بالنسبة لنا، عائلتي المكونة من 5 أفراد تعيش على 40 غالونا نأتي بها كل يوم من مسجد قريب”.

ورغم أن كابل محاطة بجبال ثلجية وتعبرها 3 أنهار، فإن النمو السكاني الهائل خلال 25 عامًا، إلى جانب غياب أنظمة إدارة فعالة، كل ذلك جعل المدينة تستنزف مواردها بوتيرة أسرع من تجددها.

وأفادت منظمة “ميرسي كور” الإغاثية الأمريكية غير الحكومية، أن المياه الجوفية في كابل تُستنزف بمعدل يقارب الضعف مقارنة بمعدل إعادة تغذيتها.

وقد تفاقم الوضع بعد انسحاب القوات الأمريكية عام 2021، إذ توقفت معظم مشاريع السدود والبنية التحتية التي كان يمولها المجتمع الدولي.

يجد الأفغانيون صعوبة كبيرة في الحصول على الماء
يجد الأفغانيون صعوبة كبيرة في الحصول على الماء (الفرنسية)

واقع قاتم ومستقبل مهدد

واليوم، لا يحصل سوى خُمُس سكان كابل على مياه عبر الشبكات العامة، وتعتمد البقية على الآبار أو خدمات بيع المياه المتنقلة التي تجوب الشوارع.

وقال المهندس المتقاعد والرئيس السابق لمجلس المدينة، الحاج محمد ظاهر، إن “المياه العامة لا تصل إلا كل 3 أيام”، وطالب الحكومة بالتحرك، مستطردا “لكن السؤال: من أين سيأتون بالمال؟”.

وأفادت الأمم المتحدة أن تغير المناخ يتسبب في تهجير أكثر من 700 ألف أفغاني سنويًّا، في حين يفتقر ثلث السكان إلى مياه شرب آمنة.

وحذر الخبراء من أن الأزمة ستتفاقم إذا لم يتم توفير حلول عاجلة، كربط كابل بالسدود القريبة أو إنشاء أنظمة تنظيمية لوقف الاستنزاف العشوائي.

وبين قرويين غمرت الفيضانات بيوتهم أو جفّت أراضيهم، وسكان عاصمة يقتتلون يوميًّا للحصول على بضعة لترات من الماء، يبدو أن أفغانستان تقف في الخطوط الأمامية لأزمة مناخية عالمية، تدفع ملايين البشر نحو النزوح واليأس، في بلد لم يعرف الاستقرار منذ عقود.

المصدر: الجزيرة مباشر + الفرنسية + نيويورك تايمز

إعلان