عشية انطلاق أسطول الصمود.. من هي “الغريبة الغاضبة” غريتا ثونبرغ المبحرة نحو غزة مجددا؟

غريتا برفقة ناشطين آخرين تلتقي الصحفيين في كاتانيا في إيطاليا قبل التوجه إلى غزة في يونيو/حزيران 2025
غريتا برفقة ناشطين آخرين تلتقي الصحفيين في كاتانيا في إيطاليا قبل التوجه إلى غزة في يونيو/حزيران 2025 (أسوشيتد برس)

في تقاطع لافت بين النضال البيئي والتضامن الإنساني، تواصل الناشطة السويدية غريتا ثونبرغ توسيع دائرة اهتمامها من قضايا المناخ إلى القضايا الحقوقية العالمية.

وبعد أن رسخت اسمها رمزا عالميا لمكافحة التغير المناخي، اتجهت بخطوات جريئة نحو دعم القضية الفلسطينية، عبر الانضمام إلى أساطيل تهدف إلى كسر الحصار المفروض على غزة.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

وأعلنت ثونبرغ عزمها المشاركة مجددا في أسطول جديد لنقل المساعدات الإنسانية، بعد تجربة مماثلة قاسية خاضتها قبل شهرين انتهت باحتجازها لدى تل أبيب.

وأعلنت غريتا، في أغسطس/آب الجاري، عزمها المشاركة مرة أخرى في رحلة بحرية إنسانية تحمل اسم “أسطول الصمود العالمي”، تضم ناشطين ومتطوعين من 44 دولة.

ومن المقرر أن ينطلق الأسطول من إسبانيا، غدا الأحد، قبل أن ينضم إليه أسطول آخر من تونس وقوافل بحرية إضافية في 4 سبتمبر/أيلول المقبل.

من هي غريتا؟

وُلدت “غريتا تينتين إيلينورا إرنمان ثونبرغ” في ستوكهولم عام 2003، وبدأت نشاطها في سن 15 عاما، حين نفذت إضرابا مدرسيا منفردا أمام البرلمان السويدي للمطالبة بإجراءات عاجلة ضد التغير المناخي.

تحولت هذه المبادرة الصغيرة إلى حركة عالمية تُعرف باسم “Fridays for Future” (أيام الجمعة من أجل المستقبل)، وهي حملة يقودها الشباب لتنظيم احتجاجات دورية كل يوم جمعة في مختلف دول العالم، للضغط على الحكومات وصناع القرار لاتخاذ خطوات جدية للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري.

وبفضل ذلك، أصبحت غريتا رمزا لجيل الشباب المدافع عن البيئة.

تميزت غريتا بخطابها المباشر وصراحتها، ولعل أبرز لحظة لفتت أنظار العالم كانت في قمة الأمم المتحدة للمناخ عام 2019، حين وقفت أمام القادة السياسيين ووجهت إليهم انتقادا حادا بقولها “كيف تجرؤون؟ لقد سرقتم أحلامي وطفولتي بكلماتكم الفارغة”.

كانت عبارتها تعبيرا عن غضب جيل كامل يشعر بأن مستقبله يُهدَّد بسبب تقاعس الحكومات عن اتخاذ إجراءات حقيقية لمواجهة أزمة المناخ، والاكتفاء بالوعود والخطابات دون تنفيذ فعلي.

حصلت الطفلة على جوائز عالمي، وأُدرج اسمها في قوائم الشخصيات الأكثر تأثيرا، لكنها لم تكتف بالمناخ، ووسّعت نشاطها ليشمل قضايا حقوقية وإنسانية.

المشاركة الأولى في أسطول غزة

في يونيو/حزيران 2025، قررت غريتا خوض تجربة جديدة في العمل الإنساني، بانضمامها إلى سفينة مادلين، وهي إحدى السفن المشاركة في “أسطول الحرية”، الذي تنظمه منظمات مدنية دولية، بهدف كسر الحصار البحري المفروض على غزة منذ أكثر من 17 عاما وإيصال المساعدات إليها.

أبحرت السفينة من ميناء كاتانيا الإيطالي محملة بمساعدات رمزية مثل المواد الغذائية وحليب الأطفال والمستلزمات الطبية.

توقفت الرحلة بعد أن اعترضتها البحرية الإسرائيلية في المياه الدولية، حيث صعد جنود مسلحون واحتجزوا جميع من كانوا على متنها، ومن بينهم غريتا.

جرى اقتياد السفينة إلى ميناء أشدود، ورُحّلت غريتا و4 آخرون إلى بلدانهم، بينما احتُجز ناشطون آخرون في سجن “جيفون”.

وصفت غريتا ما حدث بأنه “اختطاف” وانتهاك للقانون الدولي، مؤكدة أنها كانت على علم بالأخطار لكنها أرادت توجيه رسالة أن التضامن الإنساني لا يعرف حدودا.

تصريحات ترامب

أثارت مشاركة غريتا وتعليقاتها بعد الإفراج عنها ردود فعل سياسية وإعلامية، من أبرزها تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وصفها بـ”الفتاة الغريبة والغاضبة”، واقترح عليها “الالتحاق بدورة لإدارة الغضب”.

لم تتأخر غريتا في الرد، وقالت لدى وصولها إلى باريس بعد ترحيلها من تل أبيب “أعتقد أن العالم يحتاج إلى المزيد من النساء الشابات الغاضبات بصراحة، لا سيما مع كل ما يحدث الآن”.

هذا الرد عكس ثقتها في دور الشباب، خاصة النساء، في قيادة التغيير رغم الانتقادات أو السخرية التي قد تواجهها.

تلتحف غريتا في كل خرجاتها بالكوفية الفلسطينية
ترتدي غريتا الكوفية الفلسطينية في كل خرجاتها (الفرنسية)

العودة إلى البحر

يهدف الأسطول الذي يُبحر غدا من إسبانيا إلى كسر الحصار البحري المفروض على غزة، وفتح ممرات إنسانية عبر البحر لإيصال المساعدات.

ويجري تنظيمه بتنسيق بين منظمات دولية عدة، أبرزها “تحالف أسطول الحرية” (Freedom Flotilla Coalition) و”الحركة العالمية إلى غزة” (Global Movement to Gaza).

ويُعَد هذا أكبر تحرك مدني بحري نحو غزة منذ سنوات، إذ يشارك فيه ناشطون من دول متعددة على متن سفن مدنية محمَّلة بالمساعدات، في رسالة تهدف إلى لفت أنظار المجتمع الدولي إلى معاناة سكان القطاع، وحثه على إنهاء الحصار البحري المستمر منذ أكثر من 17 عاما.

وأكدت غريتا أنها تدرك حجم الأخطار التي قد تواجهها، لكنها ترى أن الصمت أمام المآسي الإنسانية جريمة أكبر من الاعتقال نفسه، وأن التضامن الحقيقي يقاس بالجرأة على مواجهة العواقب لا بالخوف منها.

نشطاء أسطول الحرية في سفينة مادلين للإبحار إلى غزة، في يونيو/حزيران 2025 في كاتانيا
ناشطو “أسطول الحرية” قبل الإبحار إلى غزة على سفينة مادلين، في يونيو/حزيران 2025 في كاتانيا (غيتي إيميجز)

مشاركتها في أسطول غزة، وما تعرضت له من احتجاز وترحيل، لم تُضعف عزيمتها، بل زادتها إصرارا على المضي قدما، لتعود هذه المرة أكثر تصميما عبر مشاركتها في أسطول الصمود العالمي، في محاولة جديدة لكسر الحصار عن غزة.

ومع اقتراب موعد الإبحار، تقدّم غريتا رسالة واضحة إلى العالم: النضال من أجل العدالة، سواء تعلق بالمناخ أو بحق الشعوب في الحياة والحرية، هو التزام لا يقبل المساومة.

وفي نظرها، المعركة واحدة، والميدان واحد، والإنسانية هي البوصلة التي تحدد الاتجاه، مهما كانت الرياح معاكسة.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان