اعتقال مشاهير “تيك توك” في مصر لـ”حماية القيم والأخلاق”.. خبراء يوضحون الدوافع والأبعاد

شنت مصر حملة أمنية على عدد من مشاهير صناع المحتوى على منصة “تيك توك”، وامتدت إلى مصادر الدخل وربط بعض القضايا بحيازة مخدرات وأسلحة غير مرخصة.
وجاءت الحملة تحت شعار “حماية القيم والأخلاق”، طبقا لوزارة الداخلية التي قالت إن التحرك كان استجابة لنداءات اجتماعية متزايدة بعد تلقي الأجهزة الأمنية المختلفة العديد من الشكاوى بشأن “المحتوى غير اللائق”.
اقرأ أيضا
list of 2 items- list 1 of 2هل تنجح مصر في ضبط الفضاء الرقمي دون المساس بحرية التعبير؟
- list 2 of 2التعفن الدماغي.. هذا ما تفعله الفيديوهات القصيرة بالأطفال والبالغين (شاهد)
ووسط مطالبات بالتحرك لتطبيق استراتيجية أوسع لضبط الفضاء الرقمي، لم تقف الاتهامات عند “الإخلال بالقيم”، بل شملت تحقيق أرباح مالية عبر بث مباشر لـ”محتوى صادم”، وهو ما يضاعف العقوبات وفقا للقانون لتصل في بعض الحالات إلى السجن 15 عاما.

مهلة لتحسين المحتوى
وأمهلت مصر منصة “تيك توك” 3 أشهر لتحسين المحتوى بما يتماشى مع القيم المصرية “وإلا فسيكون مصيرها الحظر”، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية على لسان رئيس لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب أحمد بدوي، الذي كشف عن اجتماعات متواصلة مع المكتب الإقليمي للمنصة بمصر وشمال إفريقيا.
وقال بدوي إن المنصة “تسمح بنشر المحتوى المخالف، لما فيه من مكاسب مالية”، موضحا أن “قانون مواجهة الجرائم السيبرانية” تم تفعيله باعتقال مجموعة من المؤثرين عبر المنصة بسبب نوعية المحتوى.
لكن مستخدمين لمواقع التواصل الاجتماعي رأوا أن المنع ليس حلا “ولكن الحل يكون بالتوعية للتوقف عن متابعة أي محتوى غير مناسب”، بحسب يارا غريب، الباحثة في مجال تكنولوجيا المعلومات في جامعة مصر للعلوم.
ولم تستبعد الباحثة، في تصريحات للجزيرة مباشر، اللجوء إلى “خاصية تنقيح المحتوى”، وهي خاصية متاحة تقنيا، موضحة أن الصين على سبيل المثال تفرض نسختها، وتحدد المحتوى المناسب للمجتمع والقوانين الصينية.
في المقابل، رأى الواعظ بوزارة الأوقاف محمود عبد الرحمن أن المنع والحجب لهذا المحتوى بات ضروريا، وقال للجزيرة مباشر إن سيل المحتوى غير اللائق جعل مصر أمام “حالة من الضياع”، مشددا “هذا الانفلات الرقمي يجب أن يتوقف فورا”.

هل الحملة ممنهجة؟
وتحدَّث أستاذ الإعلام بجامعة رويال رودز الكندية ياسر أبو المكارم عن “حملة ممنهجة” لملاحقة صناع المحتوى، مشيرا إلى ضرورة الالتزام بالقانون، لكنه يرى أنه “كان الأولى تحذيرهم مسبقا”.
وأوضح أبو المكارم أن المنصة تتطلب مضمونا مختلفا عن “يوتيوب”، ووصف جمهور “تيك توك” بأنه مختلف نسبيا، ويوصف بأنه نشط ولديه القدرة على اختيار ما يناسبه.
وقال أستاذ الإعلام إن الحديث عن تأثير المنصة على قيم المصريين يتجاهل صلابة تقاليد المجتمع، كما رأى أن الحملة تبعث برسالة مفادها أن “القبضة الأمنية تطال كل محتوى لا يعجبها”. وأضاف “خنق التفاهة وكذلك المضمون السياسي وجهان لعملة واحدة”.
ويجد أبو المكارم أن فرض القيود سيعزز فرص نشر الشائعات “ولن يقضي على المحتوى غير الأخلاقي”، مشيرا إلى أن التعلل بالتصدي للمحتوى غير الأخلاقي قد يفتح الباب للحد من حرية التعبير.

بدوره، أعرب أحمد أيمن، وهو صانع محتوى متخصص في الآثار الإسلامية، عن تخوفه من التعرض لمزيد من التضييق، وقال للجزيرة مباشر إنه يجب التفرقة بين المحتوى التعليمي الهادف و”سيل البذاءة”.
ولا يرى أيمن عيبا في جني أرباح من وراء المقاطع المصورة، محذرا من تجريم “المكسب المشروع”.
وذهب أستاذ الاجتماع بجامعة حلوان وليد عبد الفتاح إلى اعتبار “المحتوى الهدام” تهديدا مباشرا لتماسك المجتمع يستوجب تدخلا حاسما، ورأى أن الحل يبدأ بتشريعات صارمة بالتوازي مع توعية مجتمعية مكثفة.
وقال أستاذ الاجتماع، في تصريحات للجزيرة مباشر، إن مصر تفتقد ما سماه “الإعلام البديل” الذي يمكنه ملء فراغ “تيك توك” وتقديم محتوى مناسب للمجتمع الذي يعاني “تفككا لافتا بسبب الإنترنت”، على حد تعبيره. وأضاف “الأمر تجاوز الترفيه إلى سباق لا يتوقف من أجل الانحطاط الأخلاقي”.
“تيك توك” في الدول العربية
وأزالت منصة “تيك توك” نحو 16.5 مليون فيديو مخالف من 5 دول عربية خلال الفترة من يناير/كانون الثاني حتى مارس/آذار 2025، حسب تقرير حمل عنوان “إنفاذ إرشادات المجتمع للربع الأول من 2025”.
وتشير الباحثة يارا غريب إلى أن المنصة أزالت أكثر من 19 مليون بث مباشر مخالف على مستوى العالم خلال الفترة نفسها، سجلت مصر من بينها حذف 2.9 مليون فيديو مخالف خلال الربع الأول، بمعدل إزالة استباقي بلغ 99.6% بمجرد الإبلاغ عنه.

وتحدثت الباحثة للجزيرة مباشر عن تطوير أدوات “تيك توك” بشأن بلاغات المحتوى بأن المنصة تلجأ إلى أنظمة حديثة ومؤمَّنة مع مراجعة بشرية مستمرة، كما تلجأ إلى إطلاق حملات توعية من أجل “التثقيف الرقمي وهو أمر مفقود في مصر”، على حد تعبيرها.
ورأت يارا غريب أن المعركة مع “تيك توك” تختلف في مصر عن نظيرتها في الغرب حيث التركيز هناك على “خصوصية البيانات”.
وفي مواجهة الانتقادات المتزايدة، يَعُد “تيك توك” حذف ملايين الفيديوهات على مستوى العالم دليلا على التزام المنصة بتوفير فضاء يضمن الأمان الرقمي.
وحسب منصة “داتا بورتال” (Data Portal) للبيانات الرقمية، فقد بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في مصر حتى يناير الماضي نحو 96.3 مليون مستخدم بنسبة انتشار 81.9% من السكان.
كما بلغ عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي نحو 50.7 مليون مستخدم، ما يعادل 43.1% من إجمالي السكان. أما عدد مستخدمي “تيك توك” في مصر (18 عاما فأكثر) فقد وصل إلى 41.3 مليون مستخدم، بينهم 64.2% من الذكور و35.8% من الإناث، بزيادة 25.4% عن العام السابق.