مصر تتوسع في تحلية مياه البحر لتعويض العجز.. ما رأي الخبراء؟

أثار قرار الحكومة المصرية بالتوسع في تحلية مياه البحر ومعالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها تساؤلات وقلقا بخصوص الخيارات المتاحة لمواجهة الشح المائي المتوقع على خلفية النمو السكاني المتزايد، وتعثر الحلول في أزمة “سد النهضة” الإثيوبي.
ووفق رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي “تستهدف مصر إنتاج 10 ملايين متر مكعب من المياه المُحلاة يوميا، خلال السنوات الخمس المقبلة، مقارنة بإنتاج 1.4 مليون متر مكعب يوميا حاليا”.
وقال الخبير في وكالة “ناسا” الفضائية، المصري عصام حجي، للجزيرة مباشر إن” خيار تحلية مياه البحر لا يناسب مصر، ولا يمكن أن يسد العجز المائي الذي تسببه السدود المقامة على النيل، والمقدر بمليارات الأمتار المكعبة”.
وأشار إلى أن “ما تنتجه دول الخليج، الأقدم في تحلية المياه، مجتمعة يساوي ما يمكن أن تحتاجه مصر لسد جزء بسيط من العجز”.
ويرى حجي أن إنتاج المياه المحلاة يحتاج الطاقة والتكنولوجيا المتقدمة وبنية تحتية، “غير موجودة حاليا في مصر لإنتاج الكميات الضخمة من المياه الكافية لسد العجز”، على حد قوله.
ويرى حجي أن تلك المشاريع تصلح في البلدان ذات العدد السكاني المحدود، لافتا إلى أن الأزمة تتعلق بالمياه المخصصة للزراعة التي تلتهم نحو 80% من الموارد.
أما الخبير بمعهد بحوث المياه، أسامة صبري، فيرفض التقليل من أهمية مشاريع تحلية المياه، ويرى في حديث للجزيرة مباشر أنها “تمثل خطوة متقدمة للتعامل مع موارد المياه المحدودة، التي تواجه تهديدات كبرى”.
وقال صبري إن خطة الدولة القومية للمياه حتى عام 2050، تمثل إطارا استراتيجيا طويل الأمد يربط بين إدارة الموارد المائية وتحقيق التنمية الشاملة.
وذكر أن التوسع في هذه المشاريع، “يضع مصر في صدارة الدول التي نجحت في إعادة تدوير ومعالجة المياه كمورد اقتصادي مستدام”.
توسع في مشروعات التحلية
وقال وزير الري، هاني سويلم، في تصريح تلفزيوني الشهر الماضي، إن مصر تتوسع في مشروعات تحلية مياه البحر وتعدّ من أكثر الدول في إعادة استخدام المياه.
وأضاف أنه كان لا بد من التوسع في هذا المجال لمواكبة الزيادة السكانية وتأمين احتياجات المحافظات الساحلية في ظل ثبات حصة مصر من مياه النيل.
وفي المقابل، يبدو ثلاثي تحلية مياه البحر ومعالجة الصرف الصحي ثم ترشيد الاستهلاك، أكثر ما يقلق المصريين، وفق ما يقول مهندس الري السابق في منطقة القناطر الخيرية بدلتا مصر، سامي سنبل، للجزيرة مباشر، مضيفا أن جريان النيل بات مهددا.
وأفاد أن ترشيد الاستهلاك مفهوم وضروري، قبل أن يستطرد “لكن المصريين لم يألفوا الاستخدام المنزلي لمياه البحر”.

وتحدث المهندس بإحدى منصات النفط في منطقة خليج السويس على البحر الأحمر، سعيد سويلم، عن “فرق كبير” بين مياه القاهرة وبين المياه المحلاة.
وقال للجزيرة مباشر “يبقى النيل هو الأفضل، لكن التحلية خيار ضروري”، معبّرا عن تخوفه من “ترشيد الاستهلاك الإجباري، عبر رفع سعر مياه الاستهلاك المنزلي”.
ويقدر نصيب مصر من مياه النيل بـ55.5 مليار متر مكعب سنويا، وفقا لاتفاقية تقسيم المياه عام 1959، وهي كمية كانت مناسبة في ذلك الوقت، لكن مع الزيادة المتسارعة للسكان، أصبح نصيب الفرد من مياه النيل أقل من 500 متر مكعب، وهو نحو نصف المعدل العالمي للفقر المائي.
وقال أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، عباس شراقي، للجزيرة مباشر إن مشاريع التحلية “ضرورية وليست رفاهية على ألا توجه للزراعة”.
وأفاد أنها مشاريع تتلاءم مع النمو العمراني وتناسب السياحة والصناعة التي تستطيع تحمل التكلفة الزائدة.
وذكر أن دول العالم، تعتمد على 70% من المياه، التي يتم تحليتها في كل من الاستخدامات المنزلية والشرب، والنسبة الباقية في الصناعة.
وأضاف أستاذ الموارد المائية، أن “أزمة المياه بمصر تتعلق بالزراعة وليس الشرب”، لافتا إلى أنه من الضروري استمرار الدولة بتحلية مياه البحر.
وذكر أن مصر تحتاج 105 مليارات متر مكعب سنوي-ا من المياه، موضحا بأن النيل يوفر 55 مليار متر مكعب، كما تتوافر 5 مليارات متر مكعب من مصادر أخر مثل الأمطار، “لكن مصر تحتاج ضعف هذه الكمية”.
ولفت إلى أن تحلية مياه البحر رفعت نصيب المواطن إلى 800 متر بدلا من 500، وقال إن النسبة المتبقية لتجاوز عتبة الفقر يمكن تعويضها بترشيد الاستهلاك وتقليل الفاقد.

كلفة عالية
ورغم أن الباحث الاقتصادي، محمد إبراهيم، يرى أن مشاريع التحلية والمعالجة “قفزة نحو المستقبل”، إلا أنه يقول للجزيرة مباشر إن التكلفة العالية لإنشاء تلك المحطات سترفع سعر المياه المخصص للاستخدام المنزلي، وإن الدولة لن تستطيع الاستمرار بدعم الأسعار.
وأفاد أن التكلفة النهائية لسعر المتر الواحد، قد تتجاوز 50 جنيها (دولار واحد تقريبا)، موضحا بأن ذلك يفوق قدرات الناس. وألمح إلى أن ذلك يعني “ترشيدا إجباريا للاستهلاك”.
كما شدد على ضرورة ربط الرؤية الاقتصادية للدولة بما سماه الأمن المائي والغذائي والاستثماري.
ولفت إلى أن عمليات تحلية المياه موجودة بأكثر من 160 دولة، على رأسها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي تعاني أكثر من غيرها من ندرة المياه.
وتشير تقديرات البنك الدولي، إلى أنها تحتوي على 1% فقط من موارد المياه العذبة وتعتمد على نصف طاقة تحلية مياه البحر عالميا.
وتمتلك مصر حاليا نحو 100 محطة تحلية، بطاقة 1.2 مليون متر مكعب يوميا، بحسب بيانات رسمية تتحدث عن مستهدفات بنحو 10 ملايين متر مكعب يوميا خلال السنوات الخمس المقبلة، وهو معدل يقول الخبراء إنه لا يقارن بمليارات الأمتار من المياه المجانية التي تتدفق عبر النيل.