الضربة “الأقسى” في تاريخ حزب الله.. عام على اغتيال حسن نصر الله

لبنان نصر الله
حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله الذي اغتالته إسرائيل (رويترز)

في 8 أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، ومع انطلاق عملية “طوفان الأقصى” في قطاع غزة، فتح (حزب الله) جبهة الإسناد من الجنوب اللبناني.

لكن المنعطف الأخطر على الجبهة اللبنانية جاء في 17 سبتمبر/أيلول عام 2024 مع واقعة “تفجيرات البيجر”، التي أعقبها اغتيال الأمين العام للحزب حسن نصر الله في 27 سبتمبر/أيلول، فيما وُصف بأنها الضربة “الأقسى” في تاريخ الحزب.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

تغيّر موازين القوى

ومنذ ذلك الحين تغيّرت موازين القوى على مستويات عدة، من الجبهة الجنوبية إلى الساحة اللبنانية والحضور الإقليمي، واضطر الحزب لإعادة ترتيب أولوياته بعد فقدان قائده وتعرّضه لاختراقات أمنية.

واليوم، وبعد مرور عام، يفرض السؤال نفسه: ما الذي تغيّر فعليا في معادلات الحزب السياسية والعسكرية؟

مقاتلون من حزب الله خلال تدريبات عسكرية جنوبي لبنان (أسوشيتد برس – أرشيف)

حسابات خاطئة وتحولات إقليمية

اعتبر الكاتب والمحلل السياسي اللبناني بشارة شربل في حديث مع الجزيرة مباشر أن حزب الله ارتكب “خطأ استراتيجيا” بقراره خوض حرب الإسناد، وأضاف أن الحزب لم يكن قادرا على البقاء خارج المواجهة بعد “طوفان الأقصى”، إذ استند إلى مبدأ “وحدة الساحات”، لكنه أخطأ في تقدير حجم الرد الإسرائيلي.

وقال شربل إن الحزب كان مقتنعا بقدرته على فرض قواعد اشتباك جديدة عبر مشاغلة محدودة للاحتلال، غير أن “طوفان الأقصى” بدّل قواعد اللعبة، إذ تعاملت إسرائيل مع المواجهة باعتبارها “حربا وجودية” لا كساحة مناورة، بحسب تعبيره.

أما الأخطر، بحسب شربل، فكان الاختراق الأمني الداخلي، فاغتيال القائد فؤاد شكر كشف وصول الاختراقات إلى الحلقة الضيقة المحيطة بنصر الله، وهو ما جعل التهديد شخصيا له، ويؤكد أن الثغرات لم تكن نتيجة التكنولوجيا وحدها، بل أيضا بسبب تجنيد عملاء داخل بيئة الحزب.

إسرائيل حاولت لسنوات طويلة اغتيال حسن نصر الله الامين العام لحزب الله
إسرائيل حاولت لسنوات طويلة اغتيال حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله (رويترز)

غياب الكاريزما والقيادة المؤثرة:

وأضاف شربل أن نصر الله كان “شخصية ذات كاريزما عالية، وبرحيله، خسر الحزب زعيما قادرا على جمع البعدين العسكري والسياسي والشعبي”، وقال “خسارة نصر الله لم تكن مجرد ضربة مؤلمة، بل هزيمة كبرى”.

وأوضح شربل أن الحزب ما زال يناور داخليا بفضل احتفاظه بسلاحه في الداخل، لكنه سلّم عمليا سلاحه جنوب الليطاني بموجب اتفاق وقف العمليات العدائية في 27 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ويرى شربل أن “حزب الله تراجع من لاعب إقليمي مؤثر في ساحات العراق واليمن وسوريا، إلى فاعل محلي محدود”.

إصابة لبناني جراء انفجار البيجر
لبناني مصاب جراء انفجار جهاز البيجر (رويترز -أرشيف)

“البيجر”.. سابقة أمنية مذهلة

من جهته، وصف الخبير العسكري العميد المتقاعد حسن جوني حادثة تفجير “البيجر” بأنها “سابقة مذهلة وصادمة”، فقد أدّت إلى “تحييد” نحو 3 آلاف من كوادر الحزب ومقاتليه.

وقال إن ذلك انعكس سلبا على جاهزيته الميدانية، وأضاف أن المنظومات اللوجستية والإدارية المعنية بشراء هذه الأجهزة وفحصها كانت مخترقة بالكامل من المخابرات الإسرائيلية.

وأشار جوني، في حديثه للجزيرة مباشر، إلى أن نتائج ذلك لم تقتصر التفجيرات وحدها، بل شملت أيضا اغتيالات، واستخدام طائرات مسيّرة وسيارات مفخخة، وضربات جوية مكثفة على مواقع للحزب ومراكز له، مما يدل على أن إسرائيل كانت تملك معلومات دقيقة عن هذه الأهداف نتيجة الخرق الأمني.

تأثير الضربات في القدرات الميدانية:

وقال جوني إن الضربات الإسرائيلية أضعفت قدرة الحزب على الردع الصاروخي، وتساءل: “هل تعطّلت المنظومة بسبب إصابة عناصرها في عملية البيجر، أم لأن إسرائيل نجحت في تحديد مواقع الصواريخ وتدميرها؟”.

والنتيجة، بحسب الخبير العسكري، أن الردع الصاروخي تراجع، فيما ظلّت القوة البرية للحزب فاعلة، وهو ما جعل إسرائيل تتردد في تنفيذ توغل واسع خشية تكبدها خسائر فادحة.

وأضاف جوني، أن الحزب أصبح حاليا غير قادر على شنّ عملية عسكرية واسعة بعد الضربات القاسية التي تعرّض لها، لكنه لا يستبعد أن يكون الهدف من تصاعد الضربات الجوية الإسرائيلية ومحاولات الضغط على بيئته والدولة اللبنانية هو استدراج الحزب للرد أو إضعافه.

وقال “الآن، يكتفي الحزب بتكليف الدولة بإدارة الجنوب ما يؤشر على تراجع دوره المباشر عن الرد المفتوح، مع الاحتفاظ بالقدرة والرغبة في المقاومة عند الضرورة.

(حزب الله) بعد الضربات الكبرى

من جهة أخرى، يوضح الباحث السياسي اللبناني الدكتور وسيم بزي أن الفترة الممتدة بين 17 سبتمبر/أيلول و3 أكتوبر/تشرين الأول 2024 مثّلت أخطر المراحل في موقف الحزب، حيث تعرض لضربات متتالية شملت اغتيالات وضربات جوية كثيفة وصلت إلى أكثر من ألف غارة في يومين فقط.

وقال الباحث السياسي إن أي نظام آخر كان سينهار تحت هذا الضغط، لكن (حزب الله) صمد لأنه بُني على قاعدة “مرنة”، ما سمح له بامتصاص الصدمات وإعادة التشكل.

وأوضح أن حسن نصر الله شكّل مؤسسات داخل الحزب تقوم على هذه المرونة، وهو ما منح الحزب قدرة استثنائية على التكيّف مع الأزمات.

الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم
الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم (رويترز)

صعود نعيم قاسم

واعتبر الباحث السياسي أن الحرب فرضت على الحزب التعايش سريعا مع غياب نصر الله، وقد أظهر سرعة لافتة في إبراز الأمين العام الجديد الشيخ نعيم قاسم، الذي نجح في فرض حضوره رغم فقدان “الأيقونة” المتمثلة في نصر الله.

ورأى أنه رغم خسارة الحزب لهذه “الأيقونة”، فإن “سرعة الدفع بالشيخ نعيم قاسم إلى الواجهة وسرعة التعبئة تحت النار منحته صلابة وقوة إضافيتين”.

وهنا، يبقى السؤال: هل يستمر الحزب لاعبا إقليميا أم ينحصر دوره محليا؟ بحسب وسيم بزي، الإجابة مرتبطة بأسس المشروع الذي جعل الحزب استثنائيا في الصراع مع إسرائيل، والذي لا يزال قائما.

ورأى الباحث السياسي أن الحزب لن يتخلى عن دوره في القضية الفلسطينية، حتى وإن فرض عليه اتفاق 27 نوفمبر/تشرين الثاني مرحلة صمت مؤقتة، مع استمرار العدوان الإسرائيلي ومنح ما سُمّي “فرصة للدولة اللبنانية”.

حزب الله تمكن من إلحاق خسائر كبيرة بالجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان
حزب الله خاض جولات من القتال مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)

عملية ترميم شاملة

لكن هذا الصمت، بحسب الباحث السياسي، ليس إلا “فترة تعافٍ وإعادة بناء، لأن تمدد المشروع الإسرائيلي يشكّل تحديا وجوديا ليس للحزب وحده، بل لكل من يواجهه في المنطقة”.

وأضاف أن “الصمت الحالي هو مرحلة مراكمة قوة تهيئ لعودة الفعل في لحظة حتمية قادمة، قد تكون قريبة أو بعيدة، ليس بالضرورة عبر حرب شاملة، بل عبر فرض حضور جديد في ميزان المعادلة، وخصوصا إذا استمرت إسرائيل في انتهاك الاتفاقات وعدم احترام القوانين وعجز الدولة عن حماية لبنان“.

وأشار إلى أن الحزب يخوض حاليا “ورشة ترميم” عسكرية وأمنية وتنظيمية، شبيهة بإعادة هيكلة واسعة تأخذ بعين الاعتبار التحديات الجديدة.

ويواجه في الوقت نفسه 4 حروب متوازية: أمنية وعسكرية ومالية واجتماعية، ورغم ذلك، فإنه يستند إلى قاعدة شعبية متينة داخل حاضنته الشعبية وحلفائه السياسيين، إضافة إلى رصيد عائلات الشهداء.

وختم “وبذلك يثبت الحزب أنه لا يقتصر على إثبات وجوده فحسب، بل يسعى لاستثمار قدراته لتحقيق نتائج ملموسة حتى في أصعب الظروف”.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان