التحكيم وفق الشريعة الإسلامية في النمسا يشغل غضب اليمين المتطرف في أوروبا

المسلمون في النمسا يتعرضون لضغوط متزايدة من اليمين المتطرف
المسلمون في النمسا يتعرضون لضغوط متزايدة من اليمين المتطرف (رويترز)

أثار قرار محكمة الحقوق المدنية في فيينا عاصمة النمسا الاعتراف بالتحكيم وفق الشريعة الإسلامية في أحد النزاعات بين رجلين مسلمين، موجة انتقادات حادة في أوساط اليمين المتطرف في النمسا وأوروبا.

واعتبر الحزب الحر، وهو حزب نمساوي يميني متطرف يعادي المهاجرين، وحركات قومية أوروبية متطرفة القرار “تهديدا للهوية العلمانية” والقانونية للدولة، بينما يرى خبراء القانون أن التحكيم الخاص يظل مقبولا طالما لا يتعارض مع المبادئ الأساسية للنظام القانوني.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

“أسلمة المجتمع”

وذهب الحزب الحر النمساوي، إلى أن القرار تهديد مباشر للهوية العلمانية للدولة. ووصف النائب بالحزب مايكل شيلتشيغر، الحكم بأنه يُعزز وجود “المجتمعات الموازية الإسلامية” ويضعف القوى التي لا ترغب في الخضوع للقوانين الدينية.

وأكد شيلتشيغر أن الشريعة الإسلامية لا تتوافق مع الفهم النمساوي للقانون والمعايير الأخلاقية المعمول بها.

وأعربت الناشطة، إليزابيث ساباديش-وولف، عن مخاوفها من أن القرار قد يمهد الطريق لتطبيق قوانين دينية في مجالات مدنية أخرى، معتبرة أنه “تهديد لهوية النمسا العلمانية”.

النائب مايكل شيلتشيغر (يسارا) أحد أبرز السياسيين بحزب الحرية اليميني المتطرف
النائب مايكل شيلتشيغر (يسارا) أحد أبرز السياسيين بحزب الحرية اليميني المتطرف (غيتي)

على الصعيد الأوروبي، أبدت بعض الأوساط اليمينية المتطرفة قلقها أيضا، فقد وصف موقع “ذا ليبرتي بيكون” اليميني المتطرف القرار بأنه “خيانة للدولة العلمانية”، وحذر من أنه قد يؤدي إلى “تآكل سيادة القانون”.

وأشار موقع “ذا إكسبوز” -منصة رقمية مثيرة للجدل معروفة بنشر محتوى نقدي للمؤسسات الأوروبية- إلى أن القرار قد يشجع على “الإسلام السياسي”، ويُضعف القيم الأساسية في المجتمعات الأوروبية.

وعبّرت حركة الهوية النمساوية عن مخاوفها من أن القرار قد يُسهم في “أسلمة” المجتمع ويهدد الهوية الثقافية الأوروبية.

حكم بالشريعة

وقد اجتذبت محكمة الحقوق المدنية في فيينا أنظار الرأي العام والنخب القانونية والسياسية في النمسا، بعد صدور قرار غير معتاد يتعلق بالنزاعات المالية.

بدأت القصة بين رجلين مسلمين اتفقا مسبقا على حل خلافهما المالي عبر التحكيم وفق أحكام الشريعة الإسلامية، بعد وصول نزاع بينهما على مبلغ 320 ألف يورو إلى طريق مسدود.

واتفق الرجلان في بداية شراكتهما على تسوية أي نزاع مالي بينهما عبر التحكيم وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية، وتحديدا وفقا لمبادئ أهل السنة والجماعة، عند نشوب الخلاف بينهما.

ومن ثم، جرى تشكيل هيئة تحكيم إسلامية مستقلة، التي أصدرت حكما يُلزم أحد الأطراف بدفع المبلغ للطرف الآخر.

لكن المدعى عليه رفض هذا الحكم، مدعيا أن تطبيق الشريعة كان تعسفيا نظرا لاختلاف تفسيرات الفقهاء، وأنه يتعارض مع القيم الأساسية للقانون النمساوي، ثم لجأ إلى محكمة الحقوق المدنية في فيينا للطعن في قرار التحكيم.

تساؤلات قانونية واسعة

لم يكن اختيار الطرفين للتحكيم وفق الشريعة الإسلامية، مجرد مسألة شخصية، بل أثار تساؤلات قانونية واسعة حول مدى إمكانية تطبيق قوانين دينية ضمن دولة علمانية مثل النمسا.

وفي حكمها الصادر في 18 أغسطس/آب 2025، أكدت المحكمة أن الأفراد في النمسا لهم الحق في اختيار آلية تسوية نزاعاتهم، بما في ذلك التحكيم وفقا للقوانين الدينية، طالما أن النتيجة لا تتعارض مع المبادئ الأساسية للنظام القانوني النمساوي.

وأوضحت المحكمة أنها لا تملك سلطة تقييم مدى توافق الشريعة مع القيم النمساوية، واعترفت بصحة الحكم الصادر عن هيئة التحكيم الإسلامية بشرط عدم تعارضه مع القيم الأساسية للقانون النمساوي.

من القضاء إلى السياسة

وخرجت القضية من أروقة المحاكم لتدخل الساحة السياسية، فيما أكد خبراء القانون أن القرار ضمن الإطار القانوني المقبول. وأشار أستاذ القانون الدولي في جامعة فيينا، أوغست راينيش، إلى أن التحكيم الخاص الذي يختاره الأطراف يمكن تطبيقه طالما لا يتعارض مع القيم الأساسية للدولة.

وأوضحت القاضية السابقة في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، إليزابيث شتاينر، أن التحكيم يجب أن يحترم حقوق الإنسان والمبادئ الأساسية، وهو ما تحقق في هذه الحالة.

وانتشر القرار عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وأثار نقاشا واسعا بين مؤيد ومعارض. بعض الأصوات رأت فيه احتراما لحرية الأفراد في اختيار طريقة تسوية نزاعاتهم، بينما عدّه آخرون تهديدا لوحدة القانون الوطني وقدرة الدولة على الحفاظ على هويتها العلمانية.

وتعكس القضية تحديا أكبر تواجهه أوروبا اليوم، وهو التوازن بين التعددية الثقافية والدينية من جانب، والتمسك بالمفاهيم العلمانية من جانب آخر.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان