“الجلد بالكرباج”.. احتفال قرية في مصر بذكرى المولد النبوي يثير جدلا (شاهد)

أثارت مشاهد في “فيديو” متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، من مصر، حالة من الجدل والاستنكار، إذ أظهرت طقوسا غريبة وغير مألوفة للاحتفال بالمولد النبوي.
ويُظهر “الفيديو”، الذي لم تتجاوز مدته الدقيقة ونصف الدقيقة وتسبب في ردود فعل غاضبة، مجموعة من الأشخاص –أغلبهم من الشباب– في مركز تلا بمحافظة المنوفية (دلتا مصر) يحتفلون بطريقة عنيفة تشمل الضرب والجلد، تزامنا مع احتفال المصريين بذكرى المولد النبوي.
وخلال “الفيديو” ظهر أحد الأشخاص مرتديا لباسا أزرق اللون وهو يقوم بضرب عدد من الشباب باستخدام سوط (كرباج) بطريقة وصفها منتقدون بـ”الوحشية”، بوصفها سلوكا غير معتاد في احتفالات المصريين، لا الدينية ولا الاجتماعية، خاصة المولد النبوي الذي يشتهر في مصر بتناول الحلوى وتبادل التهاني.
استنكار وغضب
وأبدى متابعون تداولوا “الفيديو”، حالة من الغضب على منصات التواصل تجاه تلك الممارسات الغريبة على المجتمع المصري، التي تبتعد عن روح المناسبة الدينية في بلد سني المذهب.
وذكر ناشطون أن هذه الطريقة في الاحتفال تُمارس بين بعض أهالي القرية، خصوصا الشباب، منذ سنوات، دون تدخل أو تعليق من الجهات الرسمية أو الدينية.
وتساءل آخرون: هل أصبحت مثل هذه الطقوس غير المألوفة مقبولة في المجتمع؟
ونقلت وسائل إعلام محلية عن بعض أهالي القرية التي شهدت الاحتفال الصاخب، بأنه مرتبط بعادة قديمة لدى بعض أهالي القرية، تُعرف باسم “الحمولي”، يقوم خلالها شخص أو أشخاص بضرب بعض الشباب بـ”الكرباج” مزاحا دون إلحاق الأذى بهم.
وذكر هؤلاء أن تلك العادات وإن كانت خطأ فهي موروث تكرر سابقا خلال احتفالات المولد النبوي، وفيها يتجمع الشباب حول “الحمولي” ويدفع كل منهم مبالغ زهيدة لضرب صديق لهم، ليقوم الأخير بدفع مبلغ مماثل لرد الضربة، في أجواء من المزاح بينهم، رغم الجدل الكبير الذي تثيره بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي.
بيان الداخلية
بدورها قالت وزارة الداخلية المصرية في بيان: “بالفحص أمكن تحديد وضبط الشخصين الظاهرين بمقطعي الفيديو، مقيمين بنطاق محافظتي القاهرة والمنوفية، وبحوزتهما سوطان، وبسؤالهما قررا بقيامهما بالتعدي بالضرب على الآخرين برضا منهما بقصد المزاح”.
تهذيب سلوكيات العنف
منتقدا تصاعد مظاهر العنف في المجتمع، قال الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، للجزيرة مباشر إن “الاحتفال بالمناسبات الدينية الأصل فيه الاقتداء والسمو الروحي، لا العنف”.
وتابع “هذه المناسبات فرصة لتجديد طاقتنا الروحية بما ينفع المجتمع”.
وأشار هندي إلى أن “تهذيب سلوكيات العنف التي تشبّع بها المجتمع المصري، أصبح ضرورة ملحة، خاصة مع ما نسميه نظرية (فقدان القيمة)، نتيجة الإغراق في مشاهد العنف المتكررة حتى يفقد الشخص الإحساس بخطورتها، بل يسعى لتقليدها وممارستها بوحشية”.
وأضاف “الأسوأ أن يتوحد الشباب مع هذه السلوكيات لدرجة أن تصبح جزءًا من شخصيتهم، فيحتفلون بالعنف وينشرونه على المنصات الاجتماعية، بينما الأصل أن يكون التعبير عن الفرح بالرحمة والسلام، خصوصا في يوم مولد رسول الرحمة”.
محاولة للشهرة
وأظهر “الفيديو” المتداول أيضا، مشهدا يشبه المشاجرة الجماعية، إذ انهال بعض الشباب على بعضهم بالضرب، قبل أن يمسك 4 منهم بخامس من يديه وقدميه، ويقدموا على جلده بـ”الكرباج” مرارا، وهو ما أثار انزعاج المشاهدين.
وعلّق أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور سعيد صادق على المشاهد، قائلا “هذه السلوكيات لا تعبر عن طقوس دينية ولا اجتماعية، بل هي مجرد محاولة من أصحابها للفت الأنظار وتحقيق الشهرة، وهذا أصبح سمة عالمية، إذ يسعى البعض وراء (الترند) حتى بارتكاب أفعال شاذة أو جرائم غريبة”.
وأوضح صادق للجزيرة مباشر أن “ما ظهر في الفيديو لا يمكن اعتباره ظاهرة مصرية، فالمجتمع السني في مصر لم يعتد ممارسة العنف في احتفالاته”.
وذكر خبير الاجتماع السياسي أنها “سلوكيات فردية، الأجدى مواجهتها بالتوعية الدينية والثقافية، لا بالإجراءات الأمنية التي قد تمنحها حجما أكبر من واقعها”.
ناقوس خطر
وقال الداعية الإسلامي إبراهيم رضا –أحد علماء الأزهر– للجزيرة مباشر “لم أشاهد الفيديو لكن سمعت عن محتواه من بعض الشباب، وأراه ناقوس خطر بشأن ضرورة الاهتمام بتربية النشء الذي يفتقد للجرعة الدينية الكافية لتقويم سلوكه وحياته”.
وأضاف “نحن أمام جيل يشبه اليتيم، لا يتردد على المسجد فيجد من ينصحه، ونظامنا التعليمي لا يزال يعتمد على التلقين لا الفهم، لذلك تظهر مثل هذه المشاهد العنيفة التي لا ترتبط بدين ولا حضارة”.
وحذر الشيخ إبراهيم رضا من أن تكرار هذه المشاهد وانتشار العنف في الشارع يدق ناقوس الخطر، وأن على الدولة بكل مؤسساتها أن تنتبه وتدرك أن هذا الجيل يحتاج إلى رعاية أعمق، في ظل انتشار وسائل الاتصال واتساع تأثيرها.
وشدد على أن المسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية لبناء وعي ديني وسلوكي صحيح لدى الشباب.