غياب السعادة في عصر الرفاهية.. لماذا يتصاعد الشعور بعدم الرضا رغم الوفرة؟

نشر موقع “إف بي دوت آر يو” الروسي، تقريرا، ذكر فيه أنه في العالم المعاصر يتمتع معظم الناس بإمكانية الوصول إلى التكنولوجيا والسلع والخدمات، لكن تبقى السعادة موضوعا شائكا.
وأشار التقرير إلى أنه يتم قياس النجاح الاقتصادي بنسب نمو الناتج المحلي الإجمالي، ويقاس مستوى المعيشة بتصنيفات الجودة، لكن الشعور بالرضا عن الحياة غالبا لا يتطابق مع الأرقام.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4عادة مالية بسيطة تزيل القلق وتجلب الرضا مهما كان دخلك
- list 2 of 4كيف تؤثر الاضطرابات النفسية على العلاقات الاجتماعية؟
- list 3 of 4شاب مصاب بمتلازمة داون ينشر البهجة في دروس القرآن بتركيا (فيديو)
- list 4 of 4ثلاثية السعادة النفسية.. وصفة علمية تقلب حياة الشباب رأسا على عقب
فهل يمكننا أن نتعلم كيف نكون أكثر سعادة؟ يجيب علماء النفس بثقة “نعم”، على الرغم من أن “مشاعرنا، في أحيان كثيرة، تحكمها الجينات والعوامل الخارجية”، لكن يؤكدون أن السعادة هي مهارة، ويمكن أن ندرب أنفسنا على نكون أكثر سعادة.
إحصاءات جودة الحياة
وتنشر الأمم المتحدة سنويا مؤشر التنمية البشرية الذي يقيم جودة الحياة في مختلف البلدان بناء على مستوى التعليم ومتوسط العمر المتوقع والمؤشرات الاقتصادية.
وعادة ما تأتي دول غربية، مثل النرويج وسويسرا وأستراليا وأيرلندا وألمانيا في صدارة مثل هذه المؤشرات، فيما تأتي دول تعاني من الفقر الشديد، مثل جنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى والنيجر، في مؤخرة مؤشرات جودة الحياة.
ومع ذلك، هناك تصنيفات أخرى. على سبيل المثال، يظهر مؤشر “الكوكب السعيد” أن الناتج المحلي الإجمالي مرتبط بشكل ضعيف بالإحساس بالسعادة. حيث إنه في هذه القائمة، لا تتصدر الدول الأغنى، بل دول أمريكا اللاتينية قائمة الدول التي يشعر مواطنوها بالسعادة.
من المفارقة أن لوكسمبورغ -إحدى الدول ذات أعلى دخل للفرد- كانت من بين الدول غير المشمولة في مؤشر السعادة. الاستنتاج واضح، وهو المال والاقتصاد لا يضمنان دائما الرفاهية الداخلية للفرد.
لماذا يصعب على الكثيرين الرضا عن حياتهم؟
ووفق الموقع الروسي، أكدت عالمة النفس الأمريكية جين توينج، أن الأشخاص غير السعداء غالبا ما يعانون من أسباب متشابهة، والعديد منها لا يعتمد بشكل مباشر على الظروف الخارجية.
وأوضحت جين توينج أن “الوراثة والمزاج والميول الفطرية تؤثر على كيفية إدراك الشخص للعالم، البعض يرى الفرص، والآخر يرى التهديدات، لكن هذا لا يعني أننا لا نستطيع تغيير إدراكنا”.
وأضافت “نادرا ما تكون الحياة مثالية. يشعر الناس بخيبة أمل أحيانا، والعمل مرهق، والظروف أحيانا تخرج عن السيطرة، لكن يمكننا اختيار كيفية قضاء وقت الفراغ وإلى أين نوجه انتباهنا؟ هنا يكمن مفتاح تشكيل الشعور بالسعادة”.

تأثير التكنولوجيا الرقمية
منذ أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، يدرس علماء النفس بنشاط كيف تؤثر التكنولوجيا الرقمية في الحالة العاطفية للمراهقين، وقد أظهرت أبحاث واسعة النطاق في الولايات المتحدة أنه كلما قضى الشباب وقتا أطول أمام الشاشة، تراجع رضاهم عن الحياة.
وعلى النقيض فإن الأطفال الذين يكثرون من الالتقاء بأصدقائهم، أو ممارسة الرياضة، أو شاركوا في الفعاليات الدينية، شعروا بسعادة أكبر من أولئك الذين قضوا أمسياتهم على وسائل التواصل الاجتماعي أو في ألعاب “الفيديو”.
كما أن المراهقين الذين يجلسون أمام شاشات “الكمبيوتر” والهواتف لأكثر من 5 ساعات يوميا كانوا أكثر حزنا بمرتين من أولئك الذين استخدموا الأجهزة الإلكترونية لأقل من ساعة.
وأكدت التجارب أن التخلي عن مواقع وسائل التواصل الاجتماعي يحسن المزاج. على سبيل المثال، المشاركون الذين تخلوا عن “فيسبوك” لمدة أسبوع أصبحوا أقل شعورا بالوحدة، وأكثر شعورا بالرضا عن الحياة.

العواقب السلبية على الأجيال
وبحسب التقرير، غيّرت الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي نمط حياة جيل كامل. في عام 2012، أصبح معظم المراهقين الأمريكيين يمتلكون هواتف ذكية، وفي الفترة نفسها سجل انخفاض حاد في تقدير الذات ومستوى الرضا عن الحياة بين المراهقين، وأصبحوا يلتقون بأصدقائهم بشكل أقل، ويعانون من الاكتئاب ويشعرون بالوحدة بشكل أكبر.
ولم يقتصر هذا التوجه على المراهقين فحسب، بل بدأ البالغون أيضا في تقليل لقاءاتهم الشخصية، ودخولهم في علاقات عاطفية أقل، وحتى ممارسة العلاقة الحميمة بشكل أقل.
ومن المثير للاهتمام أن الغياب التام للأجهزة الإلكترونية لا يزيد من سعادة الناس أيضا. تظهر الأبحاث أن الخيار الأمثل هو قضاء وقت محدود أمام الشاشة.
السعادة حالة يمكن تطويرها
السعادة ليست مجرد مشاعر تأتي من الخارج، ولكنها حالة يمكن تطويرها تدريجيا، كما يقول علماء النفس، ويؤكدون أن مستوى الرضا عن الحياة يعتمد جزئيا فقط على الظروف، فالعادات وطريقة التفكير وما نركز عليه يوميا له تأثير أكبر بكثير.
هذا هو السبب في أنه يمكن جعل السعادة مهارة، فهي تتطلب تدريبا منتظما واهتماما دقيقا بعاداتنا الخاصة، وغالبا ما نشعر بنقص الفرح ليس لأننا نفتقر إلى الفرص، بل لأننا نقضي معظمها في أنشطة سلبية لا تحقق رضا حقيقيًا.
وعلى سبيل المثال إذا استبدلنا جزءا من الوقت الذي نقضيه أمام شاشات الهواتف وأجهزة “الكمبيوتر” بالتواصل الحي، أو ممارسة الرياضة، أو القراءة، أو الإبداع، فإن الخلفية العاطفية تبدأ في التغير نحو الأفضل.
ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الامتنان والقدرة على ملاحظة اللحظات الإيجابية في الحياة اليومية، إذ يشير علماء النفس إلى أن من يدونون مذكرات الامتنان أو ينتبهون ببساطة لما يجلب لهم السعادة يوميا يصبحون أكثر قدرة على تحمل التوتر ويشعرون بسعادة أكبر مع مرور الوقت.
كيف يشكل المجتمع الشعور بالسعادة؟
وخلص التقرير إلى أن الدعم الاجتماعي يلعب دورا رئيسا، فالأشخاص الذين لديهم دائرة تواصل موثوقة يشعرون بسعادة أكبر، حتى لو كانت دخولهم متواضعة.
يسمي علماء النفس هذه الظاهرة اسم “تأثير المجتمع” الشعور بالانتماء إلى مجموعة يقلل من القلق، ويساعد في التعامل مع التوتر ويعطي إحساسا بالمعنى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن مستوى الثقة في المجتمع له أهمية كبيرة. في البلدان التي يثق فيها الناس بجيرانهم ودولتهم ومؤسساتهم، يكون مستوى السعادة عادة أعلى.
وهذا يفسر لماذا في الدول الاسكندنافية -النرويج والسويد وفنلندا والدنمارك– تظل مؤشرات الرضا عن الحياة مرتفعة باستمرار.