المعهد المصري للدراسات: اقتصاد مصر في تراجع لا تعافٍ

أصدر المعهد المصري للدراسات، دراسة بحثية تتناول المخاطر المحيطة بالاقتصاد المصري الذي وصفته الدراسة بالمتراجع وليس المتعافي.
ويقول الباحث الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي الذي أعد الدراسة إنه من أجل الوقوف على حقيقة الوضع الاقتصادي بمصر، لابد من الإشارة إلى مجموعة من المؤشرات المهمة، والتي تعتبر مفسرة لأداء مصر الاقتصادي، ومدى إمكانية تحقيق استقرار اقتصادي، على المديين القصير والمتوسط.
وهي الفارق بين الإيرادات والنفقات العامة بالموازنة، حيث قدر العجز الكلي بـ 445 مليار جنيه مصري (ما يعادل 26 مليار دولار) في مشروع موازنة العام المالي 2019/2020، كما تمثل أعباء الدين العام المتصاعد بشكل كبير نحو 83% من الإيرادات العامة للدولة المصرية، ولا يتوقع أن تخرج مصر من مأزق عجز التمويل وزيادة المديونية في الأجلين القصير والمتوسط.
كما أن قيمة الدين العام في تزايد، حيث وصل الدين المحلي في ديسمبر/كانون أول 2018 إلى 4 تريليونات و100 مليار جنيه مصري، ووصل الدين الخارجي إلى 96 مليار دولار، فضلًا عن الاتجاه الصعودي لأعباء الدين من أقساط وفوائد.
تُمثل الفجوة الكبيرة بين صادرات وواردات مصر السلعية، واحدة من المشكلات المزمنة، وحسب أرقام ميزان المدفوعات للعام المالي 2017/2018، يتبين أن العجز التجاري بحدود 37.2 مليار دولار، فالصادرات السلعية بحدود 25.7 مليار دولار، بينما الواردات السلعية 63 مليار دولار، فضلًا عن أن الصادرات النفطية تمثل نحو 33.7% من إجمالي الصادرات السلعية.
وبالنظر إلى تصرفات الإدارة الاقتصادية بمصر، نجد أن توظيف الموارد المالية المحدودة، يتم بطريق الخطأ عبر توجيه هذه الموارد لمشروعات غير ضرورية من ناحية، وغير إنتاجية من ناحية أخرى، ما يعني أن مصر سوف تستمر في التبعية للخارج في استيراد الغذاء والعدد والآلات ووسائل المواصلات، وكذلك استيراد التكنولوجيا، ومن هنا سوف تتعمق الفجوة الإنتاجية في مصر على مدار الأجلين القصير والمتوسط.
يُعد التمويل المحلي أهم موارد تمويل مشروعات التنمية والأنشطة الاقتصادية، ولكن منذ انقلاب 3 يوليو في مصر، يلاحظ أن معدلات الادخار شديدة التواضع.
ووفق بيانات وزارة المالية المصرية، فإن المدخرات المحلية تمثل نسبة 6.2% من الناتج المحلي، بينما الاستثمارات تمثل 16.7% في عام 2017-2018 وبالتالي هناك فجوة تمثل نسبة 10% من الناتج المحلي يتم تمويلها من القروض. هذا فضلًا عن أن كون الاستثمارات المحلية تمثل 16.2% من الناتج لا يتناسب مع طبيعة معدلات النمو الاقتصادي المستهدفة، والتي تتطلب أن تصل نسبة الاستثمارات المحلية للناتج إلى 30%.
وفي ضوء الإجراءات التقشفية، واستهداف تحرير السلع والخدمات العامة، فلا يتوقع أن تزيد المدخرات المحلية، بالشكل المطلوب، ويستحيل القضاء على الفجوة بين المدخرات والاستثمار في الأجلين القصير والمتوسط.
تُقاس قوة الناتج المحلي الإجمالي بمدى اعتماده على المصادر الإنتاجية، وكذلك القيمة المضافة التي يحققها، والملاحظ أن مصر يعتمد ناتجها المحلي الإجمالي بشكل كبير على الاستهلاك، حيث يمثل الاستهلاك نسبة 93% من قيمة الناتج في عام 2017/2018.
وما لم تحقق مصر تعديلًا جوهريًا في هيكل الناتج المحلي، فسيكون الحديث عن زيادة قيمة الناتج، أو معدلات النمو مجرد استهلاك سياسي وإعلامي.
وبتحليل سياسات الحكومة المصرية في مجال التنمية، يتوقع أن تستمر هشاشة الناتج في الأجلين القصير والمتوسط. ولذلك أتى البيان الصحفي الصادر عن البنك الدولي مؤخرًا صادمًا، والذي أشار إلى وصول معدلات الفقر بمصر إلى حوالي 60%، وأن الطبقة المتوسطة التي تعتبر مصدر المدخرات، تزداد معاناتها بشكل كبير، وأن عدم المساواة في ازدياد.
ويستنتج من ذلك أن الحديث عن ارتفاع معدل نمو الناتج في مصر إلى نحو 5.5%، يفقد مصداقيته، لأن شرائح الطبقتين الفقيرة والمتوسطة لا تستفيد منه.
كما أن هذا المعدل تحقق من خلال التمويل بالدين، ولا تعلن الحكومة عن سياستها المالية المتعلقة بالخروج من هذه الدوامة، التي ستضع صانع السياسة المالية دومًا تحت ضغط التخلص من الممتلكات العامة (كما هو معلن من قبل الحكومة بإقدامها على خصخصة 23 مشروعا ومؤسسة على مدار الفترة 2018 – 2020، وفق الاتفاق مع صندوق النقد الدولي.
كثير ما تحدث السيسي ووزراؤه عن طموحاتهم الكبيرة في الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ولكن الواقع لم يعكس هذه الطموحات، لافتقار مصر إلى المقومات الإيجابية لجذب هذه الاستثمارات، فحسب بيانات البنك المركزي المصري، بلغت هذه الاستثمارات 7 مليارات و700 مليون دولار عام 2017/2018[9]، متراجعة عما تحقق في العام السابق عليه بنحو 200 مليون دولار.
والثابت من بيانات البنك المركزي أن غالبية هذه الاستثمارات تأتي في قطاع النفط والغاز، مما يضيع على مصر فرص دعم التنمية من خلال هذه الاستثمارات.
الخطاب الاقتصادي للنظام السياسي في مصر يروج مع بعض المؤسسات الدولية، لنجاح برنامج الاصلاح الاقتصادي، ولكن بتحليل مضمون هذا الخطاب نجد أن ارتفاع الاحتياطي مرتبط بزيادة الدين الخارجي لمصر، وأن انخفاض التضخم ناتج عن انتهاء موجة سابقة وليس نتيجة تحسن الإنتاج وتحسن الدخول الحقيقية للأفراد، أما عن تراجع معدلات البطالة فهو مجرد تلاعب بالإحصاءات، حيث يتعمد ذكر أرقام الداخلين الجدد لسوق العمل بأقل من قيمتها.
والحديث عن تراجع نسبة الدين العام للناتج يفقد مصداقيته أمام الفجوة التمويلية بالموازنة العامة للدولة، وكذلك تحسن سعر صرف الجنيه، يعود بنسبة كبيرة إلى استثمارات الأجانب في الدين العام المحلي، فضلًا عن شبهة دور البنك المركزي بالتدخل في سعر الصرف.
وتختتم الدراسة بأن الدعم المقدم لنظام السيسي من خلال القروض والتسهيلات الائتمانية من قبل بعض دول الخليج والصين، هو الداعم لمساندة صورته الاقتصادية حاليًا، وليس صواب السياسات الاقتصادية المتبعة، أو الأداء الاقتصادي في مختلف القطاعات، وعلينا أن ندرك أن هذا الدعم ليس مجانيًا، لكن مصر تدفع ثمنًا له على حساب وضعها السياسي والاقتصادي.