بعد ارتفاع الأسعار.. هل يأكل المصريون “الكاسافا” بديلا للخبز التقليدي؟

نبات الكاسافا

تحت عنوان “محصول القرن”، كثفت وسائل إعلام مصرية في الترويج للتخلي تدريجيا عن الخبز التقليدي بالاعتماد على “الكاسافا”، بخلاف القمح الذي اعتاد عليه المصريون منذ آلاف السنين.

و”الكاسافا” هو اسم ربما لم يسمع به الكثيرون من قبل، كما يقول المزارع بمنطقة القناطر الخيرية بوسط الدلتا سيد السنيطي، الذي أفاد للجزيرة مباشر بأنه يستعد منذ فترة للذهاب إلى منطقة الوادي الجديد جنوب غربي مصر، حيث التوجه الحكومي لزراعة المحصول الجديد.

وعقب القرار الحكومي برفع سعر الخبز المدعوم بنسبة 300% بدءا من أول يونيو/حزيران الجاري، جاء الترويج لما سمتها وسائل الإعلام المحلية “بشرى” نجاح مركز بحوث الصحراء في زراعة وتوطين “الكاسافا” بمنطقة الوادي الجديد، بديلا للقمح الذي تُعَد مصر أكبر مستورديه على مستوى العالم بنسبة 5.3% من الإنتاج العالمي.

“الكاسافا” التي تشبه البطاطا، كما أوضح الباحث بمجال كيمياء النبات بوزارة الزراعة رمضان عبد الشافي، تنتمي في الأصل إلى أمريكا الجنوبية، وتُزرع على نطاق متزايد في بعض البلدان الإفريقية مثل نيجيريا وغانا وكوت ديفوار، وتُطحن لتُخلط مع القمح لإنتاج الخبز وسد الفجوة الغذائية.

ويتفق الشافعي مع الرأي القائل بأن “الكاسافا” هي محصول الفقراء، فهي تصلح بنسبة تصل إلى 65% للاستهلاك الآدمي، و21% منها لتغذية الحيوان، وتُستخدم نسبة 1% منها في صناعة النشا.

فجوة غذائية

وفي هذا السياق، قال رئيس مركز بحوث الصحراء حسام شوقي إنه نفذ برنامجا متخصصا تحت عنوان: التنمية المستدامة لمحصول “الكاسافا” بديلا للمحاصيل الاستراتيجية كالقمح، إذ أكدت النتائج التطبيقية بعد عامين من العمل نجاح إنتاج محصول القرن، حسب وصفه.

وذكر شوقي في تصريح للصحف المحلية أن زراعة محاصيل غير تقليدية تسهم في سد الفجوة من احتياجات الدقيق، مشيرا إلى أن “الكاسافا” ستؤدي دورا مهمّا في توفير الأمن الغذائي مع التغيرات المناخية.

ونقل التلفزيون المصري عن نائب رئيس مركز بحوث الصحراء صفي الدين متولي أن “الكاسافا” لن يكون بديلا كاملا عن القمح، وأن زراعته ستقتصر على المناطق الصحراوية الهامشية القليلة المياه والتسميد.

وتحتوي جذور “الكاسافا” -وفق خبراء مركز بحوث الصحراء- على 3 أضعاف النشا الموجود في البطاطس، وتُستعمل في أغراض صناعية كإنتاج البسكويت والحلوى والفواكه المعلبة والمربى، ويُستخرج منها دقيق يُخلط بالقمح بنسبة 10% إلى 20% لصناعة الخبز، كما تُستخدم درنات الكاسافا في صناعة رقائق البطاطس “الشيبسي”.

بدوره، تحدث المرشد الزراعي بمنطقة الدلتا مصطفى هيبة عن أن جودة الدقيق المستخرَج من “الكاسافا” لا تقل كثيرا عن مثيله المستخرَج من القمح، وأضاف أنه يحتاج إلى أسمدة تقل كثيرا عن تلك المستخدَمة في زراعته، إضافة إلى تحمُّله الحرارة العالية، واحتياجه المحدود إلى المياه، لكنه لا يمكن أبدا أن ينافس القمح بوصفه محصولا غذائيا استراتيجيا، رغم أنه يُعَد من أهم 10 محاصيل غذائية في البلدان الإفريقية الفقيرة وآسيا وأمريكا اللاتينية.

جدل الأخطار الصحية

يأتي ذلك بينما يشتعل الجدل بشأن الأبعاد الصحية لنبات “الكاسافا”، إذ يتحدث خبراء عن فوائده كامتصاص السموم من الأمعاء، والوقاية من السرطان، وعلاج الإسهال، وتنشيط عملية الهضم، وتنظيم مستوى السكر، بينما يربط آخرون الاستهلاك الآدمي بأخطار متعددة.

ويتوقع المؤيدون أن يصبح هذا المحصول في المستقبل القريب واحدا من المكونات الرئيسية لسلة غذاء العالم.

ويتفق مع هذا الرأي خبير كيمياء النبات بمركز بحوث الصحراء السيد الشاذلي، موضحا أن الجزء الصالح للتناول من النبات يتمثل في جذوره أو درناته التي تُتناول كاملة أو تُطحن إلى دقيق يُصنع منه الخبز والمعجنات، لكنه ليس بديلا عن الخبز التقليدي الذي تعوَّد عليه المصريون “هذا التحول يحتاج إلى بعض الوقت رغم أن الكاسافا مفيد للأشخاص المصابين باضطرابات الهضم لخلوّه من بروتين الجلوتين”.

وفضلا عن إمكانية استخدامها علفا للحيوان، يشير الشاذلي إلى جذور غنية بالكربوهيدرات مع أوراق بمكون بروتيني يصل إلى 22%، إضافة إلى عنصرَي الحديد والكالسيوم، وفيتامينَي “أ” و”ج”.

وعلى الموقع الرسمي لمركز بحوث البساتين في القناطر الخيرية بدلتا مصر، جاء التأكيد على نوعين من “الكاسافا”، الأول يسمى “الكاسافا الحلوة” التي تُستخدم غذاء للإنسان والحيوان، بينما هناك “الكاسافا المرّة” لإنتاج النشا للأغراض الصناعية.

وتقول خبيرة التغذية العلاجية مريم حشمت إن “الكاسافا” مصدر فقير للبروتينات والدهون، وإن كان يحتوي على غذاء بكتيريا القولون المفيدة التي تنشط الهضم. وذكرت أن الخبز المنتَج منه يحتوي على فوائد صحية لمرضى السكري الذين يجب عليهم التقليل من تناول الخبز المصنوع من القمح، شارحة أن تعامل الجسم مع الكربوهيدرات سيكون أكثر بطئا وسلاسة.

واشترطت أن يكون إنتاج النوع الجديد من الخبز بمعايير علمية وصحية واضحة، وبنسب يتفق عليها الخبراء، محذرة في الوقت نفسه من تناول جذور نبات الكاسافا نيئة، لأنها “قد تكون سامة ومضرة للغاية”.

ولفتت الخبيرة إلى أن تغيير عادات المصريين الغذائية أصبح أمرا ضروريا للتكيف مع الضغوط.

ضرورة اقتصادية

ووفق تقرير التوجهات الاستراتيجية للاقتصاد المصري للأعوام (2024-2030)، الصادر عن مجلس الوزراء، فإن مصر خلال العام الجاري تحتاج إلى ما مجموعه 7.7 ملايين طن من القمح، من أجل توفير 93.5 مليار رغيف خبز خلال السنة. وفي العام الماضي، بلغت واردات مصر من القمح نحو 10 ملايين طن.

ويربط الخبير الاقتصادي مصطفى عبد السلام في حديثه للجزيرة مباشر بين “حلول الكاسافا” وأزمة مرتقبة بأسعار القمح، متوقعا قفزات متتالية بسبب الحرب المستعرة في أوكرانيا، والطقس الجاف في كبرى الدول المنتجة ومنها الولايات المتحدة وأستراليا، مع ارتفاع الرطوبة بدول غرب أوروبا، وتضرر المحاصيل، وزيادة موجة الجفاف بمنطقة البحر الأسود المنتجة للحبوب، مما يعني تزايد الضغوط التضخمية على السوق المصرية، واستنزاف مواردها من النقد الأجنبي، الأمر الذي قد يقود -على حد تعبيره- إلى انفجار الغضب الشعبي، في حال الإصرار على معالجة الأزمة بزيادة سعر الخبز.

المصدر : الجزيرة مباشر