أمراض سوء التغذية تتزايد.. مصريون يوثقون كيف اكتسح الغلاء موائدهم

وجبة إفطار جماعي في أحد شوارع القاهرة
وجبة إفطار جماعي في أحد شوارع القاهرة (الجزيرة مباشر)

يتوجه المواطن المصري حامد دعبس إلى أحد الأسواق الشعبية في مدينة أكتوبر، جنوب غرب القاهرة، أسبوعيا لشراء احتياجات أسرته الغذائية، بعد أن كان يتسوق من المراكز التجارية الكبرى.

يقول دعبس، المدير السابق في وزارة التعليم، للجزيرة مباشر إن احتياجات أسرته من الغذاء تضررت، بسبب نزول راتبه بعد التقاعد إلى 5 آلاف جنيه (100 دولار).

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

فيما عبّر أبو عامر البائع في السوق الشعبي، عن امتنانه لأن زبائنه الجدد يتزايدون من مختلف الطبقات، لافتا إلى أن “أسعار سلعته منخفضة لكن الجودة محدودة”.

تزاحم على عربة متنقلة لبيع الفول
تزاحم على عربة متنقلة لبيع الفول الذي طاله الغلاء أيضا (الجزيرة مباشر)

تزايد الأمراض

ويقبل محمود شفيق، الموظف في إحدى الوزارات، بتراجع الجودة لصالح “السعر المقبول”، موضحا للجزيرة مباشر بأنه يعاني وأفراد أسرته الأربعة من أمراض مرتبطة بسوء التغذية، ومنها فقر الدم بحسب ما أكده له طبيب التأمين الصحي الذي يتردد عليه.

ولفت شفيق إلى غياب اللحوم الحمراء والدواجن والبيض ومنتجات الألبان عن مائدة أسرته، مستطردا  أن”وجبتي فول صباحية ومسائية مع خبز يكفي 6 أفراد تتكلفان 150 جنيها (3 دولار) يوميا، أي ما يزيد عن ثلثي راتبه الشهري البالغ 6000 جنيها (120 دولار).

أما رغيف الخبز”العيش”، فقد تلقى ضربة الغلاء بتراجع حجمه وارتفاع سعره ليحتل رأس قائمة المشكلات، بحسب طبيب الأسنان حديث التخرج أحمد طلعت للجزيرة مباشر.

وأخرج طلعت رغيفا صغيرا من حقيبته، قائلا “الرغيف احتفظ بسعره الأصلي، وهو جنيه واحد، لكن حجمه يعادل لقمتين أو ثلاث”.

احتفظ رغيف العيش المصري بسعره مقابل تراجع حجمه
احتفظ رغيف العيش المصري بسعره مقابل تراجع حجمه (الجزيرة مباشر)

وأفادت دراسة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بأن المصريين يعتمدون على الخبز بشكل كبير في غذائهم اليومي، وأن “القمح كان مسؤولا عن توفير نحو 39% من السعرات الحرارية اليومية للمصريين خلال السنوات الماضية”.

“الغذاء بيت الداء”

وباتت أمراض سوء التغذية مؤشرا على الضرر الذي أصاب مختلف الطبقات الاجتماعية جراء ارتفاع الأسعار والتحول نحو باقات غذائية أقل جودة وتنوعٍ، حسب ما يقول الباحث الاقتصادي بمركز دراسات الأهرام محمد إبراهيم للجزيرة مباشر، مشيرا إلى أن الحكومة تنبهت لخطورة أمراض سوء التغذية لكنها لم تضع حلولا عملية.

وكان وزير الصحة خالد عبد الغفار، قد كشف أمام البرنامج الوطني لدعم رغيف الخبز البلدي بالمغذيات الأساسية عن إصابة 40% من المصريين بفقر الدم قائلا إن”الغذاء بالفعل بيت الداء”.

منتجات الألبان ارتفعت أسعارها وأرهقت العديد من الأسر المصرية
منتجات الألبان ارتفعت أسعارها وأرهقت العديد من الأسر المصرية (الجزيرة مباشر)

وتدعو أستاذ التغذية العلاجية بالمعهد القومي للتغذية دعاء زكريا، إلى تطوير رغيف الخبز، موضحة للجزيرة مباشر بأنه يمكن إضافة مغذيات أساسية إلى كل 100 غرام من طحين القمح الذي يفقد نسبة من الحديد بسبب عمليات الطحن.

وقالت المتخصصة إن إضافة الحديد وحمض الفوليك يمكن أن يساعدا على الوقاية من الأنيميا، معتبرة أن رفع سعر الرغيف أو تقليل مكوناته يتنافى مع توجه حكومي للحد من فقر الدم والأنيميا. وأشارت إلى أن أنيميا نقص الحديد الناجمة عن سوء التغذية هي أكثر الأنواع انتشارا في مصر.

ونبهت أستاذة التغذية العلاجية إلى أن توفير الغذاء السليم يوفر مليارات الجنيهات التي تنفق على المرضى، مشيرة إلى خطورة اختفاء اللحوم ومنتجات الألبان والفواكه الطازجة والخضروات من على مائدة المصريين.

ورأت أن سوء التغذية في مصر ليس سببه نقص الغذاء فقط، ولكن أيضا شح المغذيات الدقيقة مع مشاكل زيادة الوزن والسمنة والأمراض المزمنة.

الدعم على حساب الجودة

وكشف حسن الناروزي تاجر جملة بسوق “العبور” في القاهرة، عن تراجع مبيعات الفواكه، موضحا للجزيرة مباشر أن ارتفاع الأسعار جعل المستهلكين يكتفون بالسلع الأكثر إلحاحا، مثل الخبز وزيت الطعام والبقوليات.

وتحدث علي الفيومي، صاحب مزرعة دواجن، للجزيرة مباشر عن تراجع الأسعار بسبب ضعف المبيعات من الدجاج الحي والبيض، موضحا بأن سعر كيلوغرام الدجاج تجاوز قبل شهرين 100 جنيه لكنه هبط إلى 70 جنيها، بينما تراجع سعر كرتونة البيض من 160 جنيها إلى 120 (الدولار يعادل 50 جنيها تقريبا).

ولفت أخصائي التغذية العلاجية محمد جمال، إلى أن البيض الذي بدأ يختفي من على موائد بعض الأسر يتميز بارتفاع قيمته الغذائية، قائلا للجزيرة مباشر إنه يحتوي على معظم الأحماض الأمينية الأساسية وكذلك الأحماض الدهنية الأساسية وفيتامينات متنوعة والعديد من العناصر المعدنية.

ولاحظ زيادة أعداد المترددين على عيادته من مرضى السكري والضغط على خلفية سوء التغذية، وحذر من الوجبات سريعة التجهيز.

تخصص وزارة التموين بعض النقاط لبيع اللحوم المدعمة لكن جودتها أقل من المحلية
تخصص وزارة التموين بعض النقاط لبيع اللحوم المدعمة لكن جودتها أقل من المحلية (الجزيرة مباشر)

وتقول أم منار، إنها مجبرة على إعداد الطعام في المنزل، حتى تكون التكلفة أقل، إذ إن “النقاط الحكومية” -التابعة لوزارة التموين- تقدم اللحوم والدواجن المجمدة المستوردة بأسعار أقل، “لكن جودتها أقل من اللحوم المحلية التي يتجاوز متوسط سعرها 420 جنيها (حوالي 8 دولار ونصف)”للكيلو عرام الواحد.

وأضافت المرأة للجزيرة مباشر أن “الأسماك أيضا ارتفع سعرها وتجاوز سعر سمك البلطي، الأكثر شعبية في مصر، 120 جنيها للكيلو عرام الواحد”.

تضخم الأسعار

وشهد الجنيه المصري أربع موجات تخفيض عاتية بين مارس/آذار 2022 ومارس 2024، ليفقد نحو 66 % من قيمته فيما دفعت فاتورة الغذاء العديد من الأسر إلى تقليص الإنفاق على التعليم والصحة.

وتسارع معدل التضخم طبقا لبيانات جهاز الإحصاء في مايو/أيار الماضي، ليبلغ 16.8% على أساس سنوي مقابل 13.9% في أبريل/نيسان الماضي، متأثراً بزيادة أسعار الأغذية.

وجاء الصعود في يونيو/حزيران الماضي مدفوعا بارتفاع أسعار مجموعة الفاكهة 13.4% والخضراوات 2.1% والأسماك 2.4% والأجهزة والمعدات الطبية 6.9%.

وبحسب مؤشر الجوع العالمي 2024، تعاني مصر من مستوى متوسط من انعدام الأمن الغذائي، إذ احتلت المرتبة 63 من بين 127 دولة، بينما لا تزال القدرة على تحمل تكلفة الغذاء وجودته وسلامته تمثل تحديات كبرى لمصر، التي تعتمد على الأسواق العالمية لتوفير أكثر من نصف احتياجاتها الأساسية، وذلك بحسب تقرير للجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ السابق.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان