شرق التفريعة لمصلحة المصريين أم الشركاء الأجانب؟

 شرق التفريعة / بورسعيد

بسبب نقص المعلومات وغياب الشفافية، يغيب عن مصريين كثر طبيعة المشروعات الكبرى وعوائدها، والتساؤل الرئيسي هو: لماذا لا نرى أثرها أبدا على البلد؟ خاصة بعد انخفاض إيرادات قناة السويس للشهر الثالث على التوالي بعد افتتاح التفريعة الجديدة ، رغم التبشير بعوائد تدر عشرات المليارات.
وأمس جاء تبشير الرئيس عبد الفتاح السيسي بمشروع شرق التفريعة، فما هي الجدوى من المشروع رغم أن 75% من إيراداته تذهب للشركاء الأجانب.
فميناء شرق بور سعيد هو أحد الموانئ المصرية التابعة للهيئة العامة لموانئ بورسعيد، ويقع شرق التفريعة الشرقية لقناة السويس، وتم افتتاحه في أكتوبر 2004، وكانت بداية المشروع في مايو 1997 حينما أعلن كمال الجنزوري – وزير التخطيط آنذاك- إطلاق الحكومة لمشروع شرق التفريعة ليشمل إقامة ميناء محوري عالمي على نحو 22 مليون متر مربع باسم “ميناء شرق بورسعيد” عموده الفقري محطة حاويات لتداول حاويات الترانزيت، وإقامة منطقة صناعية حرة على نحو 87 مليون متر مربع في ظهير الميناء المحوري، وقد أهملت الحكومات المتعاقبة مشروع المنطقة الصناعية الحرة حتى الآن.
في حكومة الجنزوري الأولى تم إبرام عقود المرحلة الأولى، وتحملت مصر بمفردها نحو ملياري جنيه, تكاليف تشييد الميناء ومشروعات البنية الأساسية، وتم توقيع العقد الابتدائي مع “شركة قناة السويس للحاويات” لإدارة محطة الحاويات لمدة 30 عاما، تم تعديلها لاحقا لتصبح 49 عاما في عهد وزارة أحمد نظيف، وهي مدة غير مسبوقة في عقود إدارة الموانئ المحورية على مستوى العالم، وقد ساهمت شركتان هولندية ودنماركية في “شركة قناة السويس للحاويات”، التي بدأت نشاطها في أكتوبر 2000، وحققت الشركة التي يمتلك الأجانب 75% من أسهمها صافى أرباح 55 مليون دولار بميزانية 2010 فاستعاد المساهمون حصصهم في رأس المال المدفوع بعد سنة واحدة.

التزام حكومي للشركاء
في يونيو 2014، صرح كلاوس همنگسن، العضو المنتدب لمجموعة مولر- مرسك الدنماركية، المساهم الرئيسي في شركة قناة السويس للحاويات عما يمثله مشروع ميناء شرق التفريعة بالنسبة للشركة، فأشار إلى أن الشركة رهنت خطتها التوسعية لشراء الأوناش واستكمال المرحلة الثانية كاملة على أساس تنفيذ الحكومة المصرية، وفقا لالتزامها معنا بإنشاء محور ملاحي جديد لحل أزمة تكدس السفن المتجهة لمحطات الشركة، وأشار إلى أن شركته حققت حجم تداول خلال العام 2013 نحو 3 ملايين ومائتي ألف حاوية، ومن المتوقع أن يزيد هذا المعدل إلى 4ملايين و400 ألف حاوية، في حال تنفيذ مشروع الممر الجديد أو القناة الجانبية بما يسمح بوجود محور يسمح بدخول وخروج السفن لميناء شرق بورسعيد.
في عام 2007 تم الاتفاق بين الحكومة وشركة “قناة السويس لتداول الحاويات” على إضافة ملحق جديد – “ملحق 5” – لعقد الامتياز الأصلي الذي تم توقيعه عام 1999، لا يحقق توازنا ماليا للحكومة بينما يحقق للشركة فوائد مالية تقدر بنحو  مليارونصف مليار دولار خلال مدة العقد، وقد أعطى هذا الملحق عددا من الامتيازات للشركة أهمها:
إعفاء الشركة من رسوم التداول التي تدفعها للحكومة على كل حاوية يتم تداولها (المقدرة بنحو 3 دولارات)، وذلك لمدة 17 عاماً تبدأ من 2008، وإعفاء الشركة من إيجار أرض المرحلة الثانية من المشروع، والمقدرة بنحو 600 ألف متر مربع، ما يوازي نصف مساحة المشروع، لمدة 17 سنة أيضاً، كما أن العقد الأصلي المبرم عام 1999 نص على منح الشركة رصيفين، كل منهما بطول 1200 مترا، وفي “ملحق 5” تم حجز رصيف إضافي للشركة بطول 450 متراً، لم يكن منصوصا عليه في العقد الأصلي.
في المقابل حصلت الحكومة في الملحق على امتيازين، أحدهما لا يمثل “مكسبا حقيقيا للحكومة” -وفقا لمستشار وزير النقل أحمد أمين- وهو أن تتولى الشركة بناء الرصيف البحري للمرحلة الثانية بدلاً من الحكومة (كما كان ينص الاتفاق الأصلي) بتكلفة 80 مليون دولار، إلا أن هذه التكلفة سيتم خصمها من العوائد المستحقة على الشركة لصالح هيئة موانئ بورسعيد. والامتياز الثاني هو أن تتنازل الشركة عن بند “حق الأولوية” الذي كان منصوصا عليه في العقد الأصلي، ويقضي بأن الحكومة إذا قررت بناء محطة حاويات أخرى في ميناء شرق بورسعيد، فإنها تكون ملزمة بعرض هذه المحطة الجديدة على الشركة أولاً. إلا أن هذا الامتياز ليس له أهمية كبيرة ، مقارنة بما حصلت عليه الشركة من مكاسب.

 

ضغوط الشركاء الأجانب
ويرى مراقبون أن الحكومة الحالية اضطرت إلى استكمال مشروع شرق التفريعة تحت ضغوط الشركاء الأجانب، والتي تصب بالنسبة الأكبر في مصلحتهم.
فقد أبدت مجموعة ميرسك قلقها على مستقبل “قناة السويس لتداول الحاويات”، بعد تحقيق نمو قوي منذ أن بدأت عملها في مصر منذ 10 سنوات، إلا أن قدرتها التنافسية مهددة إذا لم يتم تطوير الميناء، بحسب ما قاله كوش-سوليست، الرئيس التنفيذي التجاري لميرسك الشريك الرئيسي بالشركة، حسبما ذكرته رويترز في نوفمبر 2014.
وحذر كوش من أنه في 2014 أصبحت الشركة غير قادرة على جذب عملاء جدد، مما يعني أن الحكومة المصرية لن تحصل على أموال إضافية من أعمال الشركة، مشددة على أن تحسين البنية التحتية للميناء لا غنى عنه حاليا لتعظيم الاستفادة من قدرة المحطة على استقبال سفن حاويات أكبر”.
وأوضح كوش، أن الطاقة الاستيعابية للشركة تتراوح بين 70 إلى 80 سفينة أسبوعيا، لكن 50 سفينة فقط هي التي يمكنها الدخول الآن، وأن السبب في ذلك هو نظام القوافل المتبع في قناة السويس، والذي لا يسمح إلا بمرور السفن المتجهة إلى الناحية الشمالية في أوقات معينة من اليوم، ومرور السفن المتجهة إلى الجنوب في أوقات أخرى محددة، وبالإضافة إلى القناة الجانبية التي تحتاجها الشركة، فإنها تحتاج أيضا إلى تعميق الميناء الرئيسية.

 

استجابة الحكومة
ولذلك طلبت ميرسك – حسب كوش- من الحكومة المصرية تنفيذ الاتفاق المبرم بينهما في 1999 وينص على التزام الحكومة بتنفيذ وتمويل أعمال التعميق التي تحتاجها الشركة.
وأقرت الحكومة – على لسان أحمد أمين مستشار وزير النقل في حكومة محلب السابقة-  بعدم وجود ضرورة ملحة لتطوير الميناء، لأن عدد السفن المترددة عليه قليل، حيث إن شركة قناة السويس لتداول الحاويات هي الوحيدة التي تعمل هناك حالياً.

إلا أن وزير النقل في حكومة محلب اجتمع مع رئيسي الشركة المصري والإقليمي في نوفمبر من العام الماضي لمحاولة الوصول لحل مرض. وأكدت الحكومة خلال الاجتماع التزامها بتشغيل القناة الجانبية، وتعميق القناة الرئيسية في الوقت المناسب، حسبما قال أحمد أمين الذي حضر الاجتماع، والذي أضاف: “معدات التكريك متوافرة حالياً في مشروع ازدواج قناة السويس، لذلك وجدنا أنها فرصة أن نستغلها في تعميق ميناء شرق بورسعيد وذلك بعد انتهاء مشروع الازداوج”.
وتبعاً لتقديرات وزارة النقل، فإن مشروع تعميق القناة الجانبية سيكلف الحكومة 130 مليون دولار، بينما تبلغ تكلفة تعميق الميناء الرئيسية 20 مليون دولار.
يذكر أن شركة قناة السويس لتداول الحاويات، تستحوذ على 50% من إجمالي حجم تداول الحاويات في مصر، وتملك مجموعة ميرسك 55% منها، بينما تملك شركة “كوسكو باسيفيك” الصينية 20% من الشركة، وهيئة قناة السويس 10%، والبنك الأهلي المصري 5%، والنسبة المتبقية تمتلكها شركات خاصة. فما هو حجم استفادة الشعب المصري من المشروع الذي أطلقه السيسي أمس؟


إعلان