قمة المناخ .. المصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي أولا

![]() |
| قمة المناخ بالعاصمة الفرنسية -باريس |
في محاولة طموحة جديدة لوقف ارتفاع درجات حرارة الأرض يفتتح زعماء العالم اليوم أسبوعين من المفاوضات بالعاصمة الفرنسية باريس بهدف الحد من اعتماد الاقتصاد العالمي على الوقود الأحفوري، وتفعيل الاتفاقات السابقة التي لم تطبق بشأن المناخ، وسط تحذير العلماء أن الإخفاق في الاتفاق على إجراءات قوية في باريس سيجعل العالم يشهد متوسط درجات حرارة مرتفعة بشكل لم يحدث من قبل، تجلب معها عواصف أكثر فتكا وموجات جفاف متكررة بشكل أكثر، وارتفاع منسوب مياه البحر بسبب ذوبان القمم الجليدية القطبية.
فقد وصل إلى باريس ما بين 40 ألف و45 ألف شخص، بينهم 150 رئيس دولة وحكومة للمشاركة في اليوم الأول من مؤتمر الأمم المتحدة حول المناخ الذي افتتح رسميا اليوم الاثنين. ويعد هذا المؤتمر الأكبر في تاريخ المفاوضات المناخية.
خلفية تاريخية
بدأ العالم يتحسس أهمية المجال البيئي و محدودية الموارد الطبيعية على كوكبنا من خلال تقرير نادي روما سنة 1968، والذي خلص إلى أن استغلال الموارد الطبيعية بشكل غير رشيد سيعجل بنفادها.
وبناء على هذا التقرير، انعقدت قمة الأرض الأولى بستوكهولم (عاصمة السويد) عام 1972، ومثلت أول تجمع لدول العالم تحت راية الأمم المتحدة لمناقشة كيفية إدراج البعد البيئي في مجال التنمية بهدف حماية الموارد الطبيعية من النفاد، غير أن طبيعة النظام الرأسمالي ونمط الإنتاج الموجه باقتصاد السوق والاستهلاك، والعمل على تلبية احتياجات سكان العالم المتزايدة بشكل كبير خلال الخمسين سنة الأخيرة، لم يسمح بحماية وترشيد استغلال هذه الموارد الطبيعية.
نتائج كارثية
وكان لهذا السلوك نتائج كارثية على كوكب الأرض ، من تلوث للماء والتربة والهواء إضافة إلى إفراز كميات ضخمة من النفايات الصناعية والخطرة، مما أدى إلى تحولات عميقة داخل الأنظمة البيئية والموارد المائية.
كما أثر على صحة السكان في العالم بظهور أمراض جديدة وتفشي الأمراض السرطانية، إضافة إلى التحولات المناخية، التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة على سطح الأرض وما تخلفه من ذوبان للجليد بالقطب المتجمد الشمالي، وما خلفته هذه التحولات والظواهر الجديدة من تأثير مباشر على جغرافية العالم.
فقد بدأت العديد من الجزر في الاندثار، وتضررت السواحل من ارتفاع مستوى البحر، فيما أصبحت الأعاصير ذات قوة مدمرة للمناطق المتاخمة للمحيطات، في حين توسعت دائرة الدول المهددة، وتراجعت المخزونات المائية السطحية والجوفية، إضافة إلى التأثير المباشر على إنتاج الغذاء، مما تسبب في انتشار المجاعة والفقر والنزوح والهجرة.
“كيوتو” حبر على ورق
وأمام كل هذه التغييرات و التأثيرات للتحولات المناخية كنتيجة مباشرة للتلوث وخاصة الغازات الدفيئة، صدّق 195 طرفا على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ منذ اعتمادها في عام 1992، واعتمد بروتوكول كيوتو في اليابان عام 1997 من أجل تطبيق الاتفاقية، ودخل حيز النفاذ في عام 2005.
وحدد البروتوكول أهدافا تتمثل في تقليص انبعاثات الغازات الدفيئة والحد منها للبلدان المتقدمة والبلدان ذات الاقتصادات الناشئة، وكان الهدف الأساسي منه هو العمل على حصر ارتفاع درجة الحرارة على كوكب الأرض في حدود 3 درجات فقط بحلول عام 2050.
ومنذ عام 1997، بقي هذا البروتوكول حبرا على ورق ولم تتبناه إلا الدول الفقيرة التي لا تساهم أصلا في الانبعاثات الغازية، و التي تسعى من خلال التوقيع على بروتوكول (كيوتو) إلى الحصول على بعض المنح والمساعدات المالية والتقنية، من الصناديق والبرامج البيئية الممولة من الدول الصناعية في إطار تغطية ما تقترفه من جرائم بيئية وتلوث كبير يتجاوز تأثيره حدود بلدانها لينعكس سلبا على كوكب الأرض برمته، ولم تصدق الولايات المتحدة على هذا البروتوكول رغم كون انبعاثاتها مع الصين من الغازات الدفيئة تمثل حوالي 47% من جملة الانبعاثات العالمية.
المصالح تتحكم
ولأن المصالح الاقتصادية والصراعات السياسية ، هي التي تتحكم في مواقف الدول الصناعية الكبرى -رغم كونها هي من يتحمل المسؤولية عما يحدث على مستوى التحولات المناخية- فقد قبلت الولايات المتحدة بالتخفيض في مستوى انبعاثات مصانعها من الغازات الدفيئة بنسبة 35 % إلى حدود عام 2025، في إطار مخطط طويل الأمد للصناعة الأمريكية يرتكز حول تغيير أساليب الإنتاج القديمة ومواكبة التحولات التكنولوجية للرفع من الإنتاج وتحسين الإنتاجية وبالتالي العوائد الاقتصادية مع احترام البيئة بدون مصاريف إضافية.
وهو نفس الموقف للصين وبنفس المبررات، و كذلك البرازيل و الهند التي تعمل على أن تستغل الطاقات المتجددة لإنتاج الطاقة الكهربائية بنسبة 30 % خلال عام2025 مما سيمكن الهند من التخفيض من انبعاثات الغازات بحوالي 37 %.
وبدأت الأعمال في عام 2007 من أجل إعداد اتفاق بشأن المناخ لفترة ما بعد عام 2012، يطبق على جميع الأطراف التي تتسبب في انبعاثات الغازات الدفيئة، ووضع اتفاق كوبنهاغن (عاصمة الدنمارك) السياسي في عام 2009، ومؤتمرات كانكون المكسيكية (2010)، وديربان بجنوب أفريقيا(2011)، والدوحة عاصمة قطر (2012) الأسس لهذا النظام الدولي الجديد، من خلال استكمال الاتفاقيات القائمة في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ وبروتوكول كيوتو.
وأكّدت الأطراف في عام 2011عزمها على إبرام اتفاق جديد بشأن المناخ في عام 2015، بغية دخوله حيّز النفاذ في عام 2020.
قمة باريس وآمال منخفضة
في هذا الإطار، يأتي انعقاد قمة المناخ اليوم والتي تسعى من خلاله فرنسا إلى أن تنجح في إصدار اتفاق جديد يلزم “أهم الملوثين العالميين” في إطار تصور جديد لمقاومة الانحباس الحراري على مستوى كوكب الأرض.
ولكن المراقبين يرون أن الدول المحورية في المجال ما زالت تتلكأ في التزاماتها رغم إعلانها عن نوايا بالتخفيض مع المحافظة على توازنات اقتصاداتها وبنيتها الصناعية في ظل انكماش لأهم اقتصاد في العالم “الاقتصاد الصيني”.
كما يرون أن المؤتمر سيكون مثل المؤتمرات التي سبقته، نقاشات وحوارات تدور كلها حول العوائد الاقتصادية والنفوذ السياسي، أما البيئة والتحولات المناخية فستبقى مواضيع للنقاش والتشاور والندوات فقط.
وتوقع المراقبون أن تسعى الدول الكبرى إلى ضخ بعض المليارات من الدولارات في الصناديق العالمية المهتمة بالبيئة، لتساعد الدول الفقيرة على تحسين مواردها المائية ومقاومة التصحر والجفاف التي تتسبب فيه الانبعاثات الغازية الدفيئة المنبعثة من مصانع ومعامل الشركات العملاقة والعابرة للقارات الموجودة بالدول الصناعية الكبرى، وبالتالي فقمة المناخ ستكون حتما قمة للصراع السياسي والاقتصادي بيافطات بيئية.
