السياحة المصرية تواجه مستقبلا مظلما

جاء قرار الرئيس الروسي بوتين أمس بوقف الرحلات الجوية إلى مصر وإجلاء السياح الروس الموجودين في مصر المقدر عددهم بخمسين ألفا، والذي سبقه قرار مماثل اتخذته بريطانيا بإجلاء حوالي عشرين ألفا من سياحها؛ بمثابة ضربة قوية للسياحة المصرية؛ خاصة إذا علمنا أن القرار البريطاني قد جاء متزامنا مع انعقاد بورصة السياحة في لندن مما أوصل رسالة شديدة السلبية عن السياحة في مصر وصلت إلى كل الشركات السياحية المشاركة في البورصة.
وتمثل السياحة قوة دافعة للتنمية الاقتصادية في مصر، حيث شكل القطاع حوالي 43.9% من إجمالي صادرات الخدمات في عام 2012-2013، كما أنه يوفر 19.3% من النقد الأجنبي، حيث يحتل المركز الثاني بعد تحويلات المصريين العاملين بالخارج، كما يسهم في زيادة الحصيلة من النقد الأجنبي من خلال الاستثمارات الأجنبية في قطاع السياحة، ويسهم بحوالي 7% من الناتج المحلي الإجمالي، تزيد هذه النسبة لتصل 11.3% بإضافة المساهمات غير المباشرة للقطاع، كما يسهم القطاع في توفير فرص العمل حيث يعمل بالسياحة 12.6% من إجمالي العمالة في مصر، وتشير إحصائيات مجلس السفر والسياحة العالمي إلى أن واحدا من كل تسعة مصريين يعتمدون بشكل أساسي على الدخل من قطاع السياحة.
في بيان للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أصدره في سبتمبر/أيلول الماضي جاء فيه أن “عدد السائحين الوافدين إلى مصر من كافة دول العالم بلغ 9.9 ملايين سائح عام 2014، وقد سجلت أوربا الشرقية أكثر المناطق إيفادا للسائحين بنسبة 45.1% وكانت روسيا أكثر الدول إيفادا بنسبة 70.45% من إجمالي السائحين الوافدين من أوربا الشرقية، يليها أوربا الغربية بنسبة 31.6% وكانت بريطانيا أكثر الدول إيفادا بنسبة 29% من إجمالي السائحين الوافدين من أوربا الغربية تليها ألمانيا، أي أن السياحة الواردة من روسيا وبريطانيا وألمانيا تمثل 50% من إجمالي السياحة الوافدة إلى مصر، وتتصدر السياحة الروسية حركة السفر الوافدة إلى مصر، إذ بلغت خلال العام الماضي 3.1 ملايين سائح، وحقق السياح الروس إيرادات لقطاع السياحة بلغت 2.5 مليار دولار من إجمالي إيرادات 7.3 مليارات دولار حققها القطاع عام 2014.
ومن هنا تأتي خطورة القرار الروسي على أوضاع السياحة المصرية خاصة أن قطاع السياحة في مصر قد عانى من تدهور شديد بعد ثورة 25 يناير، في ظل الأحداث التي تشهدها البلاد من عدم الاستقرار السياسي وتدهور الوضع الأمني واللذين يعدان من أهم العوامل الرئيسية المسئولة عن جذب السائحين، فقد تراجع الناتج الإجمالي لقطاع السياحة بمعدل وصل إلي 30% عام 2013-2014 في مقابل ارتفاعه بمعدل 6.6% خلال السنة المالية 2012/2013(عام حكم الرئيس مرسي).
وفي المقابل ارتفع أعداد السائحين عام 2012-2013- عام حكم الرئيس مرسي- ليصل إلي 12.2 مليون سائح بزيادة قدرها 11.5% عن العام السابق له.
وكانت وزارة السياحة المصرية قد وضعت خطة لزيادة التدفق السياحي من روسيا خلال عام 2012 لجذب أكثر من 18 مليون سائح روسي بحلول عام 2025 عبر تدشين خطوط طيران خاص لبعض المدن الروسية وخطوط طيران منتظمة للشركة الوطنية مصر للطيران، كما أعلنت الوزارة في أغسطس/ آب الماضي عن فوز شركة جي.دبليو.تى العالمية للدعاية والإعلان، بعقد قيمته 22.5 مليون دولار سنويًا لتنفيذ حملة ترويج سياحي لمصر في الخارج على مدى ثلاث سنوات، كان من المقرر أن تبدأ مع انعقاد بورصة السياحة في لندن.
وحسبما قال موقع (روسيا اليوم) إن هناك مخاوف واسعة من “خراب” ينتظر قطاع السياحة في مصر, وتحديدا في مدينة شرم الشيخ, في حال تأكدت فرضية تحطم الطائرة الروسية في سيناء بفعل عمل إرهابي، وأضاف الموقع أن بعض العاملين في قطاع السياحة في شرم الشيخ أكدوا أن الخراب سيحل عليهم, في حال ثبت إسقاط الطائرة الروسية بعد زرع قنبلة على متنها، خاصة وأن هذا الحادث قد جاء بعد أسابيع قليلة من قتل الجيش والداخلية للسياح المكسيك بإطلاق الرصاص الحي مباشرة عليهم بالخطأ من مروحيات ومدرعات عسكرية، بحسب البيانات الرسمية، ثم محاولة تفجير قنبلة أمام أحد الفنادق بمنطقة الهرم.
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قرر في أمس الجمعة تعليق الرحلات الجوية إلى مصر, على خلفية تحطم الطائرة الروسية في سيناء في 31 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، في حين زادت أعداد شركات الطيران العالمية, التي أوقفت رحلاتها من شرم الشيخ وإليها، حيث أعلنت شركتا الطيران الإسكندنافية “ساس” والخطوط الجوية اللاتفية تعليق رحلاتهما إلى مطار شرم الشيخ لدواع أمنية، وذلك في ظل تواتر الترجيحات الغربية بسقوط الطائرة جراء تفجير قنبلة.
كما حذرت السلطات الألمانية الرعايا الألمان المسافرين إلى مصر من التوجه إلى منطقة سيناء,فيما أعلنت شركة الطيران الألمانية (لوفتهانزا) تعليق رحلاتها إلى شرم الشيخ، في حين قررت بريطانيا أيضا في 4 نوفمبر/تشرين الثاني تعليق رحلات شركاتها إلى شرم الشيخ، وإرسال طائرات لإعادة السياح البريطانيين في ظل ترجيحها لسقوط الطائرة بسبب عبوة ناسفة، كما أعلنت الخطوط التركية وقف رحلاتها إلى مطار شرم الشيخ.
ولا شك أن الاقتصاد المصري عموما سيتأثر بشدة جراء هذه الإجراءات, التي ستؤدي إلى تراجع إيرادات البلاد من العملة الصعبة، خاصة إذا اتصل ذلك بتراجع حصيلة الصادرات، وتراجع المعونات الخليجية، وتراجع تحويلات المصريين العاملين بالخارج، واتجاه المستثمرين المصريين للخارج، وتراجع الاستثمار الأجنبي المباشر، وانخفاض إيرادات قناة السويس ، واستمرار تراجع قيمة الجنيه المصري أمام الدولار.