صندوق النقد يدشن مرحلة “شد الحزام” في الخليج


دشن صندوق النقد الدولي مرحلة جديدة من التقشف المالي الصعب في دول الخليج تعاطيا مع توقعاته باستمرار تراجع أسعار النفط لفترة طويلة مقبلة.
وحضت مدير الصندوق السيدة “كريستين لاغارد” خلال لقائها وزراء ومسؤولين من دول مجلس التعاون الخليجي على إجراء “تعديلات مالية” لمواجهة انخفاض أسعار النفط، التي توقعت بقاء مستوياتها المتدنية لسنوات.
وأوضحت في مؤتمر صحافي في الدوحة أن هذه التعديلات تشمل “رقابة صارمة” على الإنفاق، لا سيما فيما يتعلق برواتب القطاع العام، وتشجيع القطاع الخاص.
لم تكن دول الخليج بحاجة إلى تحذيرات الصندوق، بل إنها استبقت تلك التحذيرات بتخفيضات كبيرة في موازناتها للعام 2016، بعد أن شهدت ميزانيات العام 2015 عجزا كبيرا دفعت تلك الدول لسدها بالسحب من الاحتياطي النقدي أو عبر الاقتراض الداخلي والخارجي.
وفي أبريل/ نيسان قدر البنك الدولي أن انخفاض أسعار النفط قد يكلف دول مجلس التعاون الخليجي 215 مليار دولار، أو حوالي 14 في المئة من إجمالي الناتج المحلي لاقتصاداتها هذا العام.
وحسب “لاغارد” يتوقع صندوق النقد تراجع النمو في دول مجلس التعاون من 3.2 في المئة خلال 2015، إلى 2.7 في المئة في 2016، وانخفاض عائدات الصادرات بنحو 275 مليار دولار هذه السنة مقارنة بـ 2014.
وأكدت المسؤولة الدولية أن “استراتيجيات التعزيز المالي المخططة بشكل جيد يجب أن توضع موضع التنفيذ بأسرع وقت ممكن، وأن تعلن ليفهم الناس كيف سيتم التعديل”.
وهبطت أسعار النفط نحو 60 % من مستواها فوق 115 دولارا للبرميل في يونيو/ حزيران 2014 بفعل تخمة المعروض العالمي.
واضطر قادة دول الخليج إلى مصارحة شعوبهم والمقيمين على أرضهم بهذه المرحلة الصعبة التي عليهم أن يتعاملوا معها، ودعا أمير قطر الشيخ “تميم بن حمد آل ثاني” في خطابه في افتتاح دورة أعمال مجلس الشورى القطري الأسبوع الماضي، إلى “الحيطة والحذر” كما تحدث عن بعض السلبيات، ومنها “النزوع إلى الهدر في الصرف، وبعض الترهل الوظيفي في المؤسسات، وعدم المحاسبة على الأخطاء في حالات كثيرة”. وطلب أن يتحوّل “ضبط الإنفاق الاضطراري في هذه المرحلة إلى فرصة لمواجهة تلك السلبيات”.
جاء خطاب أمير قطر، بعد أيام من مصارحة أمير الكويت، الشيخ “صباح الأحمد الصباح” مواطنيه في خطاب أمام مجلس الأمة (البرلمان) شدّد فيه على “ضرورة المسارعة لاستكمال جهود الإصلاح الاقتصادي، وترشيد وتخفيض الإنفاق العام، والتصدّي، على نحو فعال، لمظاهر الفساد وأسبابه ومعالجة الاختلالات التي تشوب اقتصادنا الوطني، ودعا كل مواطن إلى “إدراك أهمية وجدوى تلك الإصلاحات وتبعاتها، والتعامل المسؤول مع متطلباتها”.
هذه البيانات وتلك التصريحات الرسمية المحلية والدولية ألقت بظلالها على مستقبل المشروعات الكبرى في منطقة الخليج التي تستوعب أعدادا كبيرة من العمالة المحلية والوافدة، والتي تمثل المحرك الأكبر لعجلة الاقتصاد، كما انعكست قلقا على المؤسسات الحكومية الخليجية التي اعتادت على موازنات مالية ضخمة تأتيها بشكل منتظم ومن دون عناء، وقد أصبحت تلك المؤسسات في ظل الظروف الجديدة مجبرة على ترشيد نفقاتها بنسب تماثل تراجع أسعار النفط تقريبا، وهذا يعني خفضا في عمالتها أو خفضا لبند الرواتب، أو وقفا لتوسعاتها وتقليصا لمشاريعها القائمة.
وفي التاسع والعشرين من سبتمبر/أيلول الماضي قالت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني، إنه من المستبعد أن تتمكن دول مجلس التعاون الخليجي من سد العجز المجمع في ميزانياتها في ظل هبوط أسعار النفط.
وأكدت الوكالة أن الجهود المبذولة لتعزيز الإيرادات غير النفطية ومتطلباته للتكيف المالي يعقد المبادرات القومية الإقليمية، مثل خطط لفرض ضريبة القيمة المضافة على نطاق دول مجلس التعاون الخليجي.
وتابعت “ترشيد الإنفاق عبر الدعم الحكومي الموجه بشكل أفضل وتحسين كفاءة الأداء العام على أجندة بعض دول مجلس التعاون الخليجي لكن قد يصعب تنفيذ ذلك بسبب عدم مرونة الإنفاق “.
“لذلك يمثل الإنفاق الرأسمالي مصدر التعديل الرئيسي المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي حيث تستمر المشروعات الحالية بصفة عامة لكن عددا أقل من المشروعات الجديدة يمضي قدما.”
ومن المنتظر أن تنفق قطر أكثر من 200 مليار دولار على الاستعدادات لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022 في إطار خطة رؤية قطر الوطنية 2030.
وأكد الشيخ “عبدالله بن ناصر بن خليفة آل ثاني” رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية القطري، في كلمة (الاثنين) افتتح بها اجتماعات الدورة السادسة للطاولة المستديرة لوزراء الطاقة بدول آسيا، أن قطر ملتزمة وماضية في تنفيذ المشاريع التنموية الكبرى على الرغم من التراجع الكبير في أسعار النفط، كما أكد التزام حكومته بعدم الإخلال بتمويل هذه المشروعات وكذلك الالتزام بالبرامج الزمنية المرتبطة بها وحرص الحكومة في هذه المرحلة على تعجيل تنويع الاقتصاد القطري والتنمية السريعة للأنشطة غير البترولية في مساهمتها في الاقتصاد والنمو.
وقال إن الحكومة القطرية حريصة على رفع معدل مساهمة القطاع الخاص في استثمارات الدولة والزيادة التدريجية لدور القطاع الخاص في المنظومة التنموية للاقتصاد.
وقال تقرير الوكالة إن الكويت وقطر قد تتمتعان بقدرة أكبر على تحمل الإبقاء على مستوى الإنفاق الرأسمالي في مواجهة انخفاض أسعار النفط نظرا لأن ميزانيتهما تتضمن أقل مستوى لأسعار النفط التي تحقق نقطة التعادل بين دول مجلس التعاون الخليجي (57 دولارا و55 دولارا للبرميل على الترتيب).
وتتوقع الموازنة الكويتية للسنة المالية الحالية 2015-2016 التي وافق عليها البرلمان في يوليو/ تموز عجزا قدره 8.18 مليار دينار (27 مليار دولار)
وتوقعت فيتش أن تسجل قطر عجزا ضئيلا نسبته 0.6 % من الناتج المحلي الإجمالي في 2015 وإن كانت تلك النسبة سترتفع إلى 5.3 في المئة في العام المقبل.
أما عن البحرين وسلطنة عمان والسعودية فتتوقع فيتش أن تسجل عجزا في خانة العشرات في 2015 وإن كانت الدول الثلاث ستشهد بعض التقلص في العجز العام القادم مع تراجع الإنفاق الرأسمالي وبدء تعافي أسعار النفط “لاسيما السعودية التي يتوقع أن ينخفض العجز فيها إلى 8.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي من 16.7 في المئة بما يعكس بعض النفقات الاستثنائية هذا العام”.
ومن المتوقع ارتفاع العجز إلى 1.47 مليار دينار في موازنة البحرين هذا العام وإلى 1.563 مليار دينار العام المقبل، من عجز متوقع قدره 914 مليون دولار في 2014. وفي سلطنة عمان من المتوقع أن يبلغ العجز مليارين و500 مليون ريـال بما يعادل ثمانية في المئة من الناتج المحلي الإجمالي السنوي للسلطنة.
وأشارت فيتش إلى أن مستويات الدين الحكومي العام للدول الثلاث ستواصل الارتفاع في 2016 “مع استئناف الاقتراض أو زيادته من أجل تمويل العجز”.
وتتجه معظم دول الخليج للاقتراض الخارجي بهدف سد العجز في موازنتها للعام الجاري 2015، ففي البحرين، قال وزير المالية، الشيخ “أحمد بن محمد آل خليفة” في تصريحات صحفية إن بلاده تخطط لاقتراض أموال من الداخل والخارج لتغطية العجز في موازنتها، وتابع: “نحتاج لاقتراض 50% من هنا و50% من الخارج لسد عجز الموازنة”.، وأعلن وزير المالية الكويتي “أنس الصالح” أنه يتم دراسة إصدار سندات من بين خيارات مختلفة لتمويل عجز الموازنة الناجم عن هبوط أسعار النفط، وبالإضافة إلى السندات، يمكن أن تسحب الكويت من أصولها في صندوق الثروة السيادي التابع لها لسد العجز مثلما تفعل السعودية.
وفي السعودية، أكبر دولة مصدرة للنفط الخام في العالم، قال وزير المالية “إبراهيم العساف” إن حكومة المملكة لم تحدد بعد الخيار الأمثل لتمويل عجز الموازنة المتوقع عام 2015 عند 145 مليار ريال (38.7 مليار دولار) وما إذا كانت ستلجأ للسحب من الاحتياطات الضخمة للمملكة أم للاقتراض في ظل تدني أسعار الفائدة، لكنها لجأت بالفعل إلى الاحتياطيات المالية الضخمة.
وخسر احتياطي النقد الأجنبي للمملكة 49 مليار دولار في الأشهر الأربعة الأولى من العام 2015، وذلك على خلفية تراجع أسعار النفط العالمية وزيادة الإنفاق الحكومي، حيث تشكل عائدات النفط، أكثر من 90% من الإيرادات العامة للمملكة.
وتحول السرية التي تحيط بميزانية حكومة أبوظبي دون معرفة بعض التفاصيل، إلا أن مصرفيين ورجال أعمال يقولون إن تغييرا طرأ على نمط الإنفاق في الإمارة في الأشهر التسع الماضية. فقد تقلصت المبالغ المخصصة لاستثمارات خارجية ضخمة وثمة عودة للتأكيد على تنمية الاقتصاد المحلي، وفي الوقت نفسه يجري تأجيل بعض المشروعات المحلية التي ينظر إليها على أنها أقل أهمية وفي حالات قليلة جرى إلغاء مشروعات.
وكان العاهل السعودي الملك “سلمان بن عبدالعزيز ” قد بحث خلال اجتماعه اليوم الاثنين في الرياض مع مدير عام صندوق النقد الدولي “كريستين لاغارد” التطورات الاقتصادية الدولية إضافة إلى التعاون بين المملكة وصندوق النقد الدولي بالإضافة إلى التطورات الاقتصادية الدولية وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك” ، في حضور عدد من المسؤولين الاقتصاديين منهم وزير المالية الدكتور “إبراهيم بن عبدالعزيز العساف” ومحافظ مؤسسة النقد العربي السعودي الدكتور “فهد بن عبدالله المبارك”.