مليار السيسي ..هل ينقذ الإسكندرية ؟

مياه الأمطار تغرق شوارع الإسكندرية

مع دخول الشتاء وبداية سقوط الأمطار استيقظت الحكومة المصرية على كارثة تراكم المياه في الشوارع، وتوقف حركة المرور، وتشققات الطرق الرئيسية، وتآكل فواصل بعض الكباري، وانهيار بعض المباني وغرق آلاف الأفدنة من الأراضي الزراعية.
جاء ذلك وسط عجز إدارات الأحياء والمحليات عن حل تلك الأزمات والمشاكل المتراكمة منذ سنوات، والاكتفاء بمحاولة الإنقاذ من الغرق بسيارات الشفط دون وضع خطة حقيقية لإعادة تأهيل البنية التحتية، وهو المصطلح الذي يطلق على المنشآت والخدمات والتجهيزات الأساسية التي يحتاجها المجتمع مثل وسائل المواصلات كالطرق والمطارات وسكك الحديد ووسائل الاتصالات والإنترنت والبريد بالإضافة لنظام الصرف الصحي وشبكات المياه.

وتعد البنية التحتية المناسبة مطلبا رئيسيا للتنمية الاقتصادية ومفتاحا أساسيا لتطوير المجتمعات وتحقيق الإنجازات وتوفير فرص العمل، وعاملا مؤثرا في استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، كما أن مشاريع البنية التحتية تساعد المجتمع على زيادة ثروته ورفع مستوى معيشة مواطنيه.

يرجع مراقبون السبب  وراء غرق الإسكندرية وبعض المحافظات الأخرى بمياه الصرف الصحي، إلى دخول مصر مرحلة العد التنازلي لتهالك البنية التحتية، نتيجة عدم الالتزام بالمواصفات الفنية المطلوبة، والغش في مواد بنائها واستخدام مواد رخيصة غير مطابقة للمواصفات، وخفض نفقات الصيانة، على مدار عقود.

ويرى متخصصون أن الحسابات الزمنية لتقدير العمر الافتراضي لتلك المنشآت غير المطابقة للمواصفات الفنية لن يتعدى 20 أو 30 عامًا على الأكثر، بعدها ستكون غير صالحة للاستعمال، بما يوجب على الدولة إحلالها بأخرى جديدة تطابق المواصفات.

ويقولون إن مشكلة الصرف الصحي في الإسكندرية لن تكون الأخيرة؛ بل إنهم يحذرون من إن محافظات مصر ستتعرض لكوارث ربما تكون أخطر وأعقد بكثير تؤدى إلى شلل تام يصيب كافة مرافق الدولة ومنشآتها من مدارس وجامعات ومستشفيات وغيرها.

في نهاية شهر يونيو/حزيران 2013 اعتمد مجلس الشورى المصري –الذي تم حله عقب الانقلاب في 3 يوليو/تموز 2013 على أول رئيس مدني منتخب محمد مرسي- الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2013-2014، وقدرت الاعتمادات المخصصة لقطاع الإسكان والمرافق المجتمعية بمبلغ 39.915 مليار جنيه، والتي يذهب جزء كبير منها لهيئة مياه الشرب والصرف الصحي.
لكن موازنة هذا القطاع الحيوي والمهم تم خفضها في العام المالي التالي 2014-2015- العام الأول بعد الانقلاب العسكري- إلى 21.911 مليار جنيه بخفض مقداره 18 مليار جنيه.
والمفاجأة الأكبر أنه عند ظهور نتائج التنفيذ الفعلي للموازنة بعد نهاية السنة المالية 2013-2014، تبين أن المصروفات الفعلية لقطاع الإسكان والمرافق المجتمعية قد بلغت 17.363 مليار جنيه بانخفاض قدره 22.525 مليار جنيه عن المعتمد في الموازنة.

خفض الإنفاق على الصيانة
لم يقتصر الأمر على خفض الإنفاق علي المشروعات الجديدة بل تراجع الإنفاق على الصيانة في سلم أولويات الحكومات المتعاقبة، فقد ورد في التقرير السنوي للجهاز المركزي للمحاسبات المصري عن نتائج فحص حساب ختامي موازنة الجهاز الإداري للدولة عن السنة المالية 2008-2009، وهو آخر تقرير لحساب ختامي ناقشه البرلمان، أن نسبة المخصص لبند صيانة وترميم مباني في السنة المالية 2008- 2009 يمثل نسبة 0.62% من قيمة المباني والإنشاءات المملوكة للدولة البالغة نحو 42.667 مليار جنيه، وأن النسبة المخصصة لبند صيانة آلات ومعدات تمثل نسبة 1.4% من قيمة الآلات والمعدات المملوكة للدولة البالغة نحو 14.637 مليار جنيه.

وذكر عضو سابق بمجلس الشعب المصري لموقع الجزيرة مباشر أنه خلال مناقشة موازنة الهيئة العامة للطرق والكباري في لجنة الخطة والموازنة بالمجلس عام 2007، كان المبلغ المخصص للصيانة 600 مليون جنيه تقريبا، فقام رئيس الهيئة مخاطبا أعضاء اللجنة مطالبا بمضاعفة المبلغ قائلا: “الهيئة تشرف على 25 ألف كيلو متر من الطرق وما يزيد عن 2500 كوبري وجسر ولو أني اشتريت بالمبلغ المخصص للهيئة لصيانتها “مقشات” فقط لن تكفي، فما بالك بأعمال صيانة وترميم”.

كان مجلس الشورى الذي تم حله قد قام بزيادة الإنفاق على الصيانة في الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2013-2014 بمبلغ مليار جنيه، كمرحلة أولى نحو وصولها إلى المعدلات المطلوبة حيث إن العائد الاقتصادي لزيادة وتفعيل ما ينفق على الصيانة يؤدي إلى الحفاظ على الأصول الرأسمالية للدولة ويزيد من أعمارها الافتراضية.
وبالعكس فإن تدني نفقات الصيانة يأكل من العمر الافتراضي للمباني والوحدات ويهدد ثروة المجتمع بالفناء، كما أن توفير المتطلبات اللازمة لصيانة الأصول القائمة لا يقل أهمية عن ضخ استثمارات جديدة بل يمكن أن يكون له أولوية متقدمة على زيادة الاستثمارات.

وبعد إقرار هذه الموازنة حدث الانقلاب العسكري، وتراجع الاهتمام بالصيانة والإنفاق عليها، حيث أعلن وزير المالية هاني دميان في تصريحاته بشأن نتائج الحسابات الختامية للموازنة العامة للدولة للعام المالي 2013-2014 ، أنه تم خفض مخصصات الصيانة للأصول الرأسمالية للدولة بنحو90 مليون جنيه أو بنسبة 2.5% مقارنة بالعام المالي السابق، الذي بلغت اعتمادات الصيانة فيه نحو 4.384 مليار جنيه.

يشار إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي قرر أمس الأحد توفير مبلغ مليار جنيه للإسكندرية من صندوق تحيا مصر، في محاولة منه لعلاج آثار عقود من إهمال البنية التحتية ، فهل يعالج هذا المبلغ هذه الآثار المتراكمة منذ عقود؟

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان