مستقبل النفط بعد قمة المناخ

قمة المناخ

في الوقت الذي تشهد فيه أسعار النفط في الأسواق العالمية انخفاضا غير مسبوق منذ عدة سنوات، أقر ممثلو 195 بلدا في المؤتمر العالمي لتغير المناخ أمس السبت بالعاصمة الفرنسية باريس اتفاقا دوليا غير مسبوق للتصدي للاحتباس الحراري الذي تهدد تداعياته كوكب الارض بكوارث مناخية، وسط اعتقادات بانه يؤثر على مستقبل الوقود الإحفوري.

ويهدف الاتفاق لتقليل اعتماد الاقتصاد العالمي على الوقود الأحفوري خلال عقود، وإبطاء سرعة ارتفاع درجة حرارة الأرض، وذلك بعد سنوات عدة من المفاوضات الشاقة.

وينص الاتفاق الذي وصف بالتاريخي الذي أقره مؤتمر الأمم المتحدة حول المناخ على إجراء مراجعة أولى إلزامية لخفض الانبعاثات الملوثة في العام 2025، وهو تاريخ متأخر جدا بحسب منظمات غير حكومية وعلماء.

ويرمي المشروع إلى احتواء ظاهرة الاحتباس “لإبقاء ارتفاع حرارة الأرض دون درجتين مئويتين”، ويدعو إلى “مواصلة الجهود لجعل هذا الارتفاع 1.5 درجة مئوية”، وهو هدف أكثر طموحا من الدرجتين المئويتين والذي كانت ترغب به الدول الأكثر تأثرا، ومساعدة الدول النامية لمواجهة ظاهرة الاحتباس بمبلغ 100 مليار دولار سنويا في عام 2020، مع  مراجعة المبلغ لزيادته بحسب هذا الاتفاق وهو مطلب لدول الجنوب منذ زمن بعيد.

ويفترض أن يسرع هذا الاتفاق، الذي سيدخل حيز التنفيذ في 2020، العمل لخفض استخدام الطاقة الأحفورية مثل النفط والفحم والغاز، ويشجع على اللجوء إلى مصادر للطاقة المتجددة، ويغير أساليب إدارة الغابات والأراضي الزراعية.

أثر الاتفاق على صناعة النفط

لا يزال الاعتقاد السائد في صناعة النفط أن هذه الإجراءات سوف تؤثر بقوة على الفحم الذي سيكون الهدف الأول لخفض انبعاثات الكربون، وستوجد فرصة للنمو بالنسبة للغاز الطبيعي، في حين  سيبقى النفط كوقود للنقل لعقود مقبلة.

ورغم عدم وجود عدد كافٍ من الدراسات عن التأثير المحتمل لسياسة المناخ على الطلب العالمي للنفط،  فقد صدر أخيرا تقرير عن الوكالة الدولية للطاقة تتوقع فيه أن يرتفع الطلب على النفط إلى 99 مليون برميل يوميا بحلول عام 2030، أي بزيادة 9 % عن المستويات الحالية المقدرة بنحو 91 مليون برميل في اليوم، بينما توقعت الوكالة العام الماضي ارتفاع الطلب على النفط إلى 101 مليون برميل في اليوم في عام 2030، و104 ملايين برميل في اليوم في 2040.

استهلاك الوقود والطاقة النظيفة

ومع تحرك العالم نحو  الاقتصاد في استهلاك الوقود بدأ الطلب على النفط في الدول الأوربية الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بالتراجع بشكل مطرد من 15.5 مليون برميل في اليوم عام 2006، إلى نحو 13.5 مليون برميل في اليوم عام 2014.

في الولايات المتحدة الأمريكية قامت إدارة الرئيس أوباما عام 2009 – 2012 بتشديد متطلبات متوسط معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود للمركبات، ومضاعفة الكفاءة المستهدفة للسيارات الجديدة والشاحنات الخفيفة لتصل إلى 54.5 ميلا للغالون الواحد بحلول عام 2025، وبموجب هذه المعايير تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يبقى الطلب الأمريكي على النفط مستقرا حتى عام 2020 ومن ثم يبدأ بالانخفاض بمعدل 2 % سنويا، متراجعا بنحو 1.6 مليون برميل في اليوم بحلول عام 2025 مقارنة بمستويات عام 2013.

كما أعلن أوباما في مؤتمر الطاقة النظيفة في أغسطس/آب الماضي عن بدء الإجراءات التنفيذية الجديدة وغيرها من الجهود الرامية إلى جعل الاستثمار في تطوير الطاقة الجديدة والمتجددة أو ما أسماه ” الطاقة الخضراء النظيفة” أكثر سهولة لأصحاب المنازل والشركات، والذي كان في الماضي أمرا غير عملي أو غير مقدور عليه.

وأشار إلى أن بعض المستفيدين من استمرار استخدام الوقود الأحفوري يقاومون من أجل عدم وصول البلاد إلى الذروة في استخدام طاقة أكثر نظافة وأقل تكلفة وأكثر كفاءة “، وقال: إنه بعد عقود من الحديث عن عدم وجود مردود اقتصادي لاستخدام  الطاقة المتجددة “اليوم لم يعد هذا صحيحا”.

ومن بين الخطوات التي أعلن عنها أوباما قواعد جديدة من إدارة الإسكان الاتحادية، والتي تمكن من توسع كبير في استخدام ما يسمى PACE القروض العقارية للطاقة النظيفة وتسمح لأصحاب المنازل بإجراء تحسينات الطاقة وتسديد تكاليفها مع مرور الوقت، كما قال إن وزارة الطاقة رصدت مليار دولار كضمانات قروض إضافية لتشجيع الابتكار في مجال التكنولوجيا التي تمكن الأمريكيين من مزيد المرونة في اختيار وسائل الطاقة الجديدة والمتجددة.

وكشف أوباما عن لوائح جديدة لمحطات الطاقة بهدف خفض الانبعاثات من غاز ثاني أكسيد الكربون بنسبة 32 % عن مستويات عام 2005 بحلول عام 2030، كما دعا لزيادة كمية الطاقة المولدة من مصادر الطاقة المتجددة بحيث تشكل 28 % من إنتاج الطاقة بشكل عام، وبالفعل تم تحويل بعض محطات الكهرباء في السنوات الأخيرة، وزيادة الاعتماد على الغاز الطبيعي والطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

ترحيب أمريكي وصيني

 في هذا الإطار رحب أوباما بإقرار قمة باريس للمناخ اتفاقا “تاريخيا وقويا” لمكافحة الاحتباس الحراري، معتبرا أنه قد يشكل “منعطفا للعالم”، معتبرا أن هذا الاتفاق يمثل إشارة قوية بأن العالم اتجه بحزم إلى مستقبل منخفض الكربون، أن هذا الاتفاق “يفترض أن يشجع الاستثمارات والابتكار في قطاع الطاقة النظيفة”، كما أعلنت أكبر مجموعة من الدول المشاركة في القمة وهي مجموعة الـ77 + الصين (134 دولة ناشئة ونامية) موافقتها على مشروع الاتفاق.

يشار إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية والصين ينتجان معا نسبة 45 % من غاز ثاني أوكسيد الكاربون في العالم.

كانت جميع الافتراضات السابقة تشير إلى أن الدول النامية سوف تعوض الركود في استهلاك النفط في الدول المتقدمة، وهو ما يعكسه التحول الواسع في نمو الطلب على النفط إلى آسيا، لكن تحول الصين نحو سياسات مناخ أكثر صرامة أدى إلى تراجع هذه الافتراضات.


إعلان