آية علاء … الحب الساكن في الزنزانة

الصحفية آية علاء زوجة الصحفي المعتقل حسن القباني

آية علاء*

عادة ما تكون الكتابات الرومانسية بعيدة عن أبواب السياسة ومنطقها الجاف لكن هذا الحب أصبح، في زماننا، مجرد كلمات لا حياة فيهاولا روح، لا تبرح طرف اللسان فتوافقت مع السياسة في مفارقة مؤلمة ومزعجة .

وكان الأحمر القاني، في الرابع عشر من أغسطس، دليلا على حب من نوع نادر الوجود، تضن به القلوب الحمراء و لا تعرفه الدباديب ذات الفرو الكثيف.

ملخص الحكاية: أرض عطشى و شباب يتسابق لريها بإكسير الحياة، عطور الدم  المسك تفوح في الميدان معلنة عن فالنتاين أسطوري لا يعرف العالم تاريخا سنويا للاحتفال به، بل لا تكفيه أيام السنة.
كان الحب يبرهن على نفسه بأحمر غير الذى عهدناه رمزا للحب: قلوب تفتح ذراعيها في حب لاحتضان الرصاص المعبأ بالكراهية فتمنحه قبلة الحياة، وتمتلئ الكؤوس لريّ ثرى الوطن من الأحمر القاني.

اصحي يا ماما

كل ما قيل في الأم لم يكن أصدق من صرخات “رمضان” وهو يحاول إيقاظ أمه الشهيدة التي أطلقت الكراهية رصاصها مستهدفة قلبها المفعم بالحب، الذي فاض ليغرقها في الأحمر القاني. يعرف رمضان كل معانى الحب من  دون أن يصوغها في كلمات منمقة يصف بها التياعه شوقا للحب الراحل. ولم تكن هبة تدرك أن حبها للوطن يزاحم حبها لطفلها الصغير، ويسبقه بخطوة.

قلب أم آخر كان يحتضن قلوب صغاره صارخا “آه يا ولادي آه” بعد أن كادت تجرفهم بعيدا عن موجات البغض لكل ما هو آدمي، تلك الموجات التي اجتاحت الميدان يومها.

العشق في أبهى حلله الحمراء تزيّن يومها، لتتزركش الثياب وتتحنّى الأيادي والأرواح والأرض والسماء بالأحمر القاني، وينتصر الحب.

عرائس الحرية

و في عيد حب آخر .. تختار تسنيم أن تزف لفارس أحلامها خلف قضبان الكراهية .. تتزين عروسا ككل العرائس .. و تتخضب وجنتاها بالأحمر القاني حياءا و خجلا من عريس لن يجمعهما دار .. و لن يغلق عليهما باب واحد اليوم، فبرغم الفستان الأبيض و الزغاريد و أجواء العرس.. و اختلاسات النظر للعريس .. و غض الطرف عند تلاقى الأعين .. تعود ياسمين الى بيت أبيها .. و يعود فارس أحلامها الى زنزانته بسجن جمصة .. يمنى نفسه بالحب في مملكة عروسه.

و كثيرات هن عرائس الزنازين اللواتى يتقن فن صناعة الحب و نسج خيوطه رغم مرارة الفقد و تغييب الحبيب، و قد شهدت سجون مصر على اختلافها فصول معركة أبديه بين قوى الكراهية و فرسان الحب .. و في كل مره .. ينتصر عشاق الحياة الخالدة على عشاق الحياة الفانية ..


و أتساءل .. ايدرك زبانيه الظلام معنى ان تقعد احدى عرائس الحرية قرانها في سجن العقرب شديد الحراسة .. معنى ان تقترن روحها بروح فارس كانت بالأمس تمنعها قوانين السجن البغيضة من زيارته لأنها ليست أقارب من الدرجة الأولى .. و اليوم أصبحت زوجته بقانون الحب و الشرع و رغم عن انف قوانين الكراهية .. و آن لها ان ترى عيني زوجها تلمعان من خلف زجاج السجن الذي لا يمنع دفئ القلوب .. و اتقاد مشاعرها .. و ان حجب ترجمتها حسا.

الحب من خلف الزجاج

عندما كنت حديثة عهد بالزيارات بسجن العقرب و لم أكن بعد رأيت زوجي و كان يصعب علي قلبي تصور أن أرآه و أحادثه من خلف لوح زجاجي بارد بين حسا و شاعر أخذت أطوف علي خبيرات الزيارات من زوجات المعتقليين الذين امضوا وقتا طويلا في ذلك السجن الذي تفنن مصممه في إظهار مشاعر الكراهيه تكاد ينطق بها جدرانه .

ذلك السواد المطلق الذي يعج به المكان .. يبعث فى النفس الضيق كأنما تصعد فى السماء .. بأسواره المصمتة ذات اللون الكئيب .. و باب جحيمه الموصد فى وجه القلوب الملتاعه.

و بينما تحدثني احدى الزوجات عن السجن و اروقته التي تعتبر سجنا في حد ذاتهاـ و بعد ما نقلت لي كل خبراتها على مدى عام و نصف او يزيد .. تكابد الشوق في اعماقها لحبٍ تلقاه من خلف ستار .. زادتني شوقا و تشويقا و هي تقول لي .. الحب من خلف الزجاج له طعم آخر .. و لم أكن لأدرك المعنى إلا عندما عايشته بقلبي في زيارة زوجي .. فمن كان لك يوما أصبح بقرار بغيض محرما عليك حتى ملامسته ..


ينفجر قلبك بالحب و الغضب في آن واحد .. تود تحطيم ذلك الحاجز اللعين الذي يفصل تلاقي دفئ الأحمر القاني يجري بالحب في العروق .. تسابق المشاعر دقائق الزيارة التى تهرول فى جنون .. و يعلوا صوت ابواقهم غربانهم تنعق معلنة رحلة من مكابدة الشوق لأسبوعين قبل استصدار تلك الورقة البالية التي تفصلنا عن أحبابنا.

تشعر و كأن قوتان يتجاذبانك في اتجاهيين معاكسين تكاد من فرط اقتتالهما تنشطر نصفيين .. العشق المعلق بتوأم روحك على الجانب الآخر من الزجاج .. و الحقد الذى يستكثر عليك حتى دقات الساعة الشحيحة فى جبينة بثلاث جدران و لوح زجاج.

تخرج مرهق الروح و الجسد .. تستعرض أمام عينك مشاهد ملحمة الحب الأسطوري لقوافل العشاق يشدون الرحال نحو مطلع الشمس في وادى العقرب .. حيث يتركون ارواحهم في تلك البقعة كل مره .. قبل مغادرتها بالجسد.

الحب يصنع طعام الزيارة و يغلفه .. و لا يثنى عن طهيه كأبرع ما يكون و تزينه للعين و القلب ان تفسد زينته مراسم التفتيش عن معالم بصمات الحبيبة تمزجه بروحها فى ليلة شتاء ساكنه .. تضج بالأشواق و أمنيات اللقاء.

الشوق يبقى قلوبنا لا يغمض لها جفن بانتظار الخيط الأبيض من الليل .. حين يشدوا حادى الأرواح بشد الرحال.

الوجد يجعلنا نتجرع مرارة حقدهم و كراهيتهم فى صبر علقم .. حتى نمنح قلوبنا و قلوب احبتنا ريا ببرهات لقاء .. نرى عيونهم تسمم الطعام و تستثنى الحب الذى غزلناه ليلا .. فهذا يدخل و هذا لا يدخل .. و هذا يأخذونه لهم يستحلونه .. يقتطعونه من قلوبنا بسيف الحياء .. و نصطبر .. و تلهج السنتنا بالتضرع الى باريها .. ان نلقى الأحبة .. لحيظات.

الإلتياع يتركنا على قارعة الانتظار .. نصبوا نحو افق زيارة طال أمدها .. منذ تركت اجسادنا بوابة القهر في العقرب .. نمنى نفسنا بالحب نتفنن في اظهاره عبر اشياء كانت بين أيدينا اليوم .. نغبطها اذ تلامس أحبتنا غدا .. هذه الأشياء هي سفراء مملكة الحب التي نشيدها على أرض صلبة من قلوب لا تعرف الكراهية و لا الاستكانة ..او الانكسار ..

مملكة عصية على اقتحام جيوش الظلام و الحقد الأسود .. مملكة أصدق حب عرفته و عايشته و عجزت عن التعبير عنه.

 *كاتبة صحفية و زوجة الصحفي المعتقل حسن القباني

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان