غياب المعلومات تربة خصبة لنمو الفساد

يؤدي غياب المعلومات إلى انتشار الفساد، واستحالة المحاسبة، و غياب المتابعة والتقييم للمشروعات الحكومية، وانعدام الثقة المتبادلة بين المواطنين والدولة، وإهدار حقوق الإنسان.

وتصيب هذه الأمراض دولا في العالم الثالث، والتي تأتي في مراتب متأخرة بتقارير منظمة الفافية الدولية.

وعلى سبيل المثال فإن أي محاولة للمقارنة بين الأداء الاقتصادي للحكومة المصرية في فترات مختلفة، يلجأ الباحث عادة إلى التقارير والنشرات والبيانات التي تصدرها الجهات المعنية مثل البنك المركزي المصري والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ووزارة المالية وغيرها من الجهات والهيئات؛ لكن البحث عن معلومة مكتملة، أو رقم متطابق بين الجهات المختلفة أمر بعيد المنال في ظل انعدام الشفافية، وغياب المعلومات، وعدم التزام الجهات المعنية بإصدار التقارير والنشرات في المواعيد المناسبة.

وعلى سبيل المثال  تصدر الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة عدة تقارير دورية، وكان آخر إصدار من تقرير الاستثمار الشهري الذي يعنى بأخبار ومؤشرات الاستثمار في مصر قد صدر عن شهر فبراير/شباط 2015، أما التقرير الربع سنوي فآخر إصدار عن الربع الأخير من عام 2013/2014 وهو الفترة من أبريل/نيسان إلى يونيو/حزيران 2014.

أما التقرير السنوي للهيئة وهو التقرير المعني بأداء وزارة الاستثمار والجهات التابعة لها فآخر إصداراته عن عام 2012/2013 ، وكذلك البنك المركزي المصري لم يصدر تقريره السنوي عن السنة المالية 2013/2014  حتى الآن رغم مرور ما يقرب من عام على نهايتها، وهو التقرير المعني بالتنمية الاقتصادية عالميا ومحليا وتطورات البنك المركزي والقطاع المصرفي بالإضافة إلى البيانات الإحصائية. 

لا تقف معاناة الباحث عند صعوبة الحصول على المعلومة بل يضاف إليها ازدواجية البيانات بين الجهات المختلفة، واستخدام بيانات ومعلومات غير محدثة، والقيود المفروضة على جمع البيانات رغم أهميتها للبحث العلمي، ونقص البيانات والمعلومات حول مشكلات المجتمع الحالية والمستقبلية، وكذلك  عدم توافر المعلومات عن المشروعات الكبرى، وعدم إتاحة الاطلاع على التقارير الرقابية التي يصدرها الجهاز المركزي للمحاسبات حتى لأعضاء البرلمان، في الوقت الذي أصبحت فيه المعلومات أهم أسلحة العصر وهي المحور الذي يتحكم في السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية.

غياب حرية تداول المعلومات 
  على الرغم من أن المعلومات هي حق لكل مواطن، وتوقيع مصر علي اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بمكافحة الفساد في عام 2003، فإن حق تداول المعلومات ظهر لأول مرة في دستور مصر عام 2012؛ حيث نصت المادة 47 على:

الحصول على المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق، والإفصاح عنها، وتداولها، حق تكفله الدولة لكل مواطن؛ بما لا يمس حرمة الحياة الخاصة، وحقوق الآخرين، ولا يتعارض مع الأمن القومي.
وينظم القانون قواعد إيداع الوثائق العامة وحفظها، وطريقة الحصول على المعلومات، والتظلم من رفض إعطائها، وما قد يترتب على هذا الرفض من مساءلة.

أما في دستور 2014 فقد تم إلغاء الشروط المقيدة لحق الحصول على المعلومات من نص المادة 68 التي أحالت كل هذه الأمور للقانون. كما تم إضافة نص يلزم مؤسسات الدولة بحفظ وتأمين الوثائق. تنص المادة 68 على أن:
المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها، وقواعد إيداعها وحفظها، والتظلم من رفض إعطائها، كما يحدد عقوبة حجب المعلومات أو إعطاء معلومات مغلوطة عمدًا.

وتلتزم مؤسسات الدولة بإيداع الوثائق الرسمية بعد الانتهاء من فترة العمل بها بدار الوثائق القومية، وحمايتها وتأمينها من الضياع أو التلف، وترميمها ورقمنتها، بجميع الوسائل والأدوات الحديثة، وفقاً للقانون.
وعلى الرغم من هذه النصوص الدستورية إلى الآن لم يصدر قانون “حرية تداول المعلومات” الذي تشير إليه هذه المادة.

الفساد واستحالة المحاسبة
إن غياب المعلومات يؤدى إلى انتشار الفساد وصعوبة أو استحالة المحاسبة، و غياب المتابعة والتقييم للمشروعات الحكومية، وانعدام الثقة المتبادلة بين المواطنين والمؤسسات العامة، وعدم  جدوى أو موضوعية الحوارات المجتمعية حول القضايا العامة، واستحالة قيام نظام سياسي ديمقراطي حيث إن إتاحة المعلومات والشفافية هي المدخل للحكم الرشيد.

لقد أهدرت ثروات ومليارات الشعب المصري في اتفاقيات ومشروعات بسبب غياب المعلومات وعدم الشفافية، ومن أمثلة ذلك اتفاقيات تصدير الغاز المصري لإسرائيل وغيرها من الدول، التي لم تعرض على مجلس الشعب، وكذلك مشروع توشكى ، والأمر مرشح للتكرار مع مشروع قناة السويس الجديدة والتي تم الاكتتاب في أسهمها بنحو 64 مليار جنيه دون أي بيانات أو دراسات معلنة عن جدوى المشروع.

 لأجل هذا أكدت منظمة الشفافية الدولية على أن تداول المعلومات  يمثل حجر الزاوية في مكافحة الفساد في البلدان الواقعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا- كما هو الحال في العالم أجمع.

وقالت المنظمة في تقرير لها: إن المواطنين في تلك الدول بحاجة ماسة إلى معرفة ما تقوم به حكوماتهم وأوجه الانفاق الخاصة بالإيرادات الضريبية والدخول الحكومية الأخرى.

وأضاف تقرير المنظمة أنه بدون توافر الإرادة السياسية، والإطار القانوني لتطبيق هذا على الأرض وأيضا الآلية الملائمة لإنفاذه، سيعيش المواطنون في غفلة من أمرهم، ما سيهيئ التربة الخصبة لنمو الفساد واستفحاله.

وأوضح التقرير أن الحق في الحصول على المعلومات، وحرية التعبير وتوفير مساحة مناسبة  لمنظمات المجتمع المدني كي تكون جزء من عملية صنع القرار، هي عوامل حاسمة ولا غنى عنها في تحقيق الديمقراطية وتفعيل حقوق الانسان.
وفي هذا الإطار حثت الحكومة القطرية الأمم المتحدة الأرباعاء على تفعيل آليات مكافحة الفساد على مستوى العالم وخصوصا في دول العالم الثالث.

وسلـّم النائب العام في قطر علي المري رسالة من أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون تتعلق بمبادرة قطرية بشأن تعزيز وتفعيل دور المنظمة في قضايا مكافحة الفساد . وقال المري في تصريح للجزيرة عقب اللقاء إن الأمين العام أبدى تفاعلا إيجابيا مع المقترح أمير قطر الذي يركز على إعطاء أولوية لقضية مكافحة الفساد في خطة المنظمة المتعلقة بأهداف الألفية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان